مع قرب انهاء التهدئة شهرها الثالث، ما زال الاتفاق يراوح مكانه في مرحلته الأولى، بينما تستمر خروقات الاحتلال للاتفاق، وتتفاقم معاناة النازحين، ويستمر تقسيم قطاع غزة وتقليص مساحته، ومحاولة فرض وقائع جديدة.
ونتج عن هذا كله حشر سكان القطاع في مساحة محدودة لا تتجاوز 41% من مساحته، بينما تتفاقم المعاناة.
تصاعد تدريجي للعدوان
وشهد العدوان الإسرائيلي على مناطق شرق القطاع تصاعد ملحوظ خلال الأسبوعين الجاري والماضي، تمثل في تصاعد عمليات القصف الجوي والمدفعي، وتزايد ملحوظ في عمليات النسف، خاصة في مدينة رفح.
وأكدت مصادر محلية وشهود عيان، أن القصف العنيف والغارات الجوية والأحزمة النارية، باتت بمثابة روتين يستهدف مدينة رفح، ومناطق شرق القطاع من مدينة خان يونس جنوباً، وحتى أحياء وبلدات شمال القطاع.
وأوضحت نفس المصادر أن خروقات الاحتلال وعدوانه باتت تتخطى حدود الخط الأصفر"، والرصاص والقذائف يصل إلى غرب الخط المذكور، ما يتسبب بسقوط ضحايا بشكل يومي.
وأكد المواطن إسماعيل عدوان ويقطن وسط مدينة خان يونس، أن وتيرة الهجمات والغارات الإسرائيلية تصاعدت بصورة كبيرة، خاصة داخل مدينة رفح، التي تشهد منذ أسبوعين نشاط عسكري مكثف، وغارات لا تتوقف.
وأكد عدوان أن مناطق شرق ووسط مدينة خان يونس تتعرض هي الأخرى لقصف مدفعي مستمر، يتخلله غارات جوية بين الفينة والأخرى.
وأشار إلى أن حياة مئات الأسر التي عادت لمنازلها غرب "الخط الأصفر" باتت مهددة، جراء تصاعد العدوان الإسرائيلي، خاصة إطلاق النار من الرشاشات الثقيلة، الذي يصل إلى مناطق في عمق خان يونس وغيرها من مناطق القطاع.
وأكد أنه ورغم الخطر الشديد، يواصل النازحون في مناطق محاذية وقريبة من الخط الأصفر، الإقامة والعيش في خيامهم، لغياب البديل، وعدم وجود أماكن فارغة يمكن أن ينتقلوا للإقامة فيها.
ومنذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين أول الماضي بلغ إجمالي الشهداء 427 شهيداً، و1200 مصاباً، بينما بلغ عدد الشهداء ممن جرى انتشالهم منذ التاريخ المذكور 685 جثمان.
تقليص مستمر لمساحة القطاع
يواصل جيش الاحتلال توسع سيطرته بصورة تدريجية وبطيئة على مناطق جديدة في قطاع غزة، ويجبر المزيد من العائلات على ترك محل إقامتها، والتوجه غرب القطاع.
من جهته أكد رئيس شبكة المنظمات الاهلية أمجد الشوا، أن مليوناً ونصف المليون من سكان القطاع فقدوا منازلهم، مؤكداً أن الأوضاع الإنسانية تزداد تعقيداً وخطورة، في ظل استمرار المنخفضات الجوية وتداعياتها القاسية على حياة السكان.
وأوضح الشوا، أن العدوان الإسرائيلي دمّر أكثر من 85% من غزة، بما يشمل المباني والمنشآت والبنية التحتية وشبكات الصرف الصحي والمياه، مشيراً إلى أن إسرائيل تسيطر على نحو 59% من مساحة القطاع، مما يجبر نحو 2.2 مليون نسمة على العيش في مساحة لا تتجاوز 90 كيلومتراً مربعاً، في ظروف شديدة القسوة والاكتظاظ.
وأشار إلى أن أكثر من 60 مليون طن من الركام تنتشر في مختلف مناطق القطاع، إلى جانب وجود نحو 900 ألف طن من النفايات المنتشرة، في وقت تمنع فيه إسرائيل ترحيلها إلى خارج القطاع، منوهاً بأن الحصار الإسرائيلي يحول دون إدخال المعدات والآليات والمواد اللازمة للتعامل مع المنخفضات الجوية، خاصة الجرافات المطلوبة لإقامة السدود في مواجهة السيول القادمة من المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة إسرائيل باتجاه المناطق الساحلية غرب القطاع.
وأكد الشوا أن أكثر من مليون شخص يعيشون حالياً في خيام لا تمثل حلاً حقيقياً لأزمة الإيواء، إذ إن غالبية هذه الخيام مهترئة ومتضررة نتيجة طول فترة استخدامها وتعرضها المتكرر للظروف الجوية القاسية، فضلاً عن النقص الحاد في مستلزمات الإيواء، خاصة الأغطية والفرش والملابس الشتوية، في ظل غياب وسائل التدفئة. وأضاف أن المساعدات التي تدخل عبر المعابر لا ترقى إلى مستوى الكارثة الإنسانية، لا سيما مع استمرار المنخفضات الجوية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي وأزمة المياه، موضحاً أن العدوان دمّر البنية التحتية لقطاع المياه، بما في ذلك الشبكات ومحطات التحلية والآبار، إلى جانب النقص الحاد في الوقود، مما أدى إلى تراجع كبير في كميات المياه المتاحة، وسط تحذيرات من لجوء السكان إلى مصادر مياه غير آمنة.
وتذهب المؤشرات الميدانية إلى أن قوات الاحتلال تعمل على فرض واقع جغرافي جديد في الأراضي التي تسيطر عليها داخل القطاع، لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية ترضي مطامع اليمين المتطرف بأنه صاحب اليد الطولى في غزة، وتسوية الأرض أمام الاحتلال لتوسيع المنطقة العازلة بزعم تحييد أي تهديد يشكل خطرا عليه
استراتيجية جديدة
في الوقت الذي يواصل الوسطاء خصوصا في مصر وقطر وتركيا التأكيد على ضرورة الالتزام بما تم الاتفاق عليه، يواصل رئيس وزراء الاحتلال التنصل من الاتفاق، ويعرقل الانتقال للمرحلة الثانية، ويأمر جيشه بتكثيف الضربات على قطاع غزة.
من جانبه، يرى مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية رامي خريس، أن ما تشهده غزة من ضربات إسرائيلية متواصلة، ليس مجرد خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار، بل يمثل سلوكاً إسرائيلياً ممنهجاً يهدف إلى إعادة تشكيل قواعد التهدئة نفسها، وممارسة ضغط استباقي على مسار تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
وأوضح أن الاحتلال يعتمد سياسة الضربات المحدودة والمتقطعة التي لا ترقى إلى حرب شاملة، لكنه في الوقت ذاته يمنع الانتقال إلى مرحلة الاستقرار، من خلال تبني ما يمكن وصفه بإستراتيجية "حافة الهاوية"، حيث يتم استخدام القوة العسكرية دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة، بالتوازي مع تجفيف الأدوات الإنسانية ومنع إدخال المساعدات باعتبارها وسائل ضغط سياسية وأمنية.
فيما يتعلق بطبيعة الأهداف، يشير خريس إلى أن إسرائيل تدّعي استهداف بنى تحتية أو تهديدات أمنية (من المقاومة)، إلا أن الواقع الميداني يُظهر أن الضربات تطول مناطق مدنية وسكانا آمنين وبنى حيوية، في ظل غياب أي تهديد فوري يبرر هذا السلوك، ما يؤكد أن الهدف ليس أمنيا بحتا، وإنما يندرج في إطار إدارة الصراع لا إنهائه.
وأكد أن الأخطر في المشهد الحالي هو استخدام منع المساعدات وتقييد عمل المنظمات الإنسانية كأداة تفاوضية مباشرة حيث تحاول إسرائيل فرض معادلة جديدة تشترط الانتقال إلى المرحلة الثانية التي يفترض أن تشمل تهدئة مستدامة أوسع وإعادة الإعمار بتحقيق مكاسب أمنية وسياسية مسبقة، وفي مقدمتها فرض شروطها الكاملة المتعلقة بترتيبات ما بعد الحرب، وعلى رأسها ملف السلاح.