منذ اللحظة الأولى لاندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة كان الأطفال هم الضحية الأبرز لوحشية الاعتلال وجرائمه، إذ استشهد وأصيب منهم عشرت الآلاف، وتعرضوا للاضطهاد والتنكيل، وحرموا من أبسط حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها الحق في التعليم.
كما ظل من نجا من الأطفال يعاني من ويلات الحرب والنزوح، وقد سلب الاحتلال طفولتهم قسراً، وعرضهم لمآسي مازالت مستمرة.
تدهور الوضع الإنساني للأطفال
شهدت الأوضاع الإنسانية والصحية للأطفال في قطاع غزة تدهور كبير وغير مسبوق في الآونة الأخيرة، ما عرض حياة عشرات الآلاف منهم للخطر.
ورصد حقوقيون ومختصون تزايد انتشار الأمراض في صفوف سكان القطاع عامة، والأطفال على وجه الخصوص، خاصة الأمراض الجلدية، لاسيما الجرب، وفيروس "جدري الماء"، إضافة للمعاناة اليومية من لسعات الحشرات، خاصة البراغيث".
وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، من استمرار تدهور الوضع الإنساني للأطفال في قطاع غزة نتيجة النقص الحاد في المياه النظيفة والغذاء والرعاية الصحية.
وأكدت المنظمة الأممية أن آلاف الأطفال يعيشون في ظروف صعبة تشمل الأمراض، وسوء التغذية، والاكتظاظ، وتراكم النفايات، في ظل تضرر البنية التحتية للمياه والصرف الصحي ما أدى إلى انتشار الأمراض.
وأشارت المنظمة إلى أن عمليات الإغاثة تواجه تحديات كبيرة بسبب القيود المفروضة على إدخال المواد الأساسية.
وأوضحت المنظمة أن النظام الصحي في القطاع يعاني صعوبات بالغة بسبب تضرر المنشآت الطبية ونقص المستلزمات الضرورية والوقود، ما يعرض حياة آلاف الأطفال المصابين والمرضى للخطر.
وقالت المنظمة: "تواجه وكالات الإغاثة، بما فيها اليونيسف، عراقيل وتحديات جسيمة في إدخال المواد الغذائية والمعدات الطبية الأساسية التي يحتاجها القطاع بشكل عاجل".
وأضافت "اليونيسيف"، إن "الأطفال في غزة لا يواجهون فقط خطر الموت نتيجة العنف، بل أيضًا خطر الأمراض وسوء التغذية والصدمة النفسية"، مؤكدة أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى جيل كامل يعاني من آثار طويلة الأمد جسديًا ونفسيًا.
بينما أكد المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، رائد النمس، أن الوضع الإنساني في قطاع غزة وصل إلى مرحلة "كارثية غير مسبوقة"، محذراً من تداعيات خطيرة تطال جميع مناحي الحياة، لا سيما في قطاعي الأمن الغذائي والصحة.
وأوضح النمس، أن مئات الآلاف من العائلات الفلسطينية باتت تعاني انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، في ظل نقص حاد ومستمر في المواد الغذائية الأساسية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، مؤكداً أن هذا الواقع المأساوي أدى إلى ارتفاع مخيف في معدلات الجوع وسوء التغذية، حيث يدفع الأطفال والمرضى وكبار السن الثمن الأكبر لهذه الأزمة.
طفولة مسلوبة
لا تقف معاناة الأطفال في قطاع غزة عند القصف والهجمات الإسرائيلية، ولا عند التجويع ونقص الخدمات الصحية، بل تمتد لأبعد من ذلك، إذ سلبت الحرب المستمرة، والنزوح القسري وتبعاته، الأطفال براءتهم وطفولتهم، وحملتهم أعباء ومسؤوليات تفوق قدراتهم، كما حرمتهم الحرب من حقهم في التعليم واللعب الآمن، بينما يعيش الأطفال في ظروف قاسية تهدد حياتهم ومستقبلهم.
وأدت الحرب إلى ظواهر سلبية خطيرة منها عمالة الأطفال، وتحمل الصغار لأعباء يومية ثقيلة، مثل حمل جالونات المياه لمسافات بعيدة، ووقوف الأطفال في طوابير طويلة للحصول على الطعام والمساعدات الغذائية.
وإلى جانب الخسائر البشرية والمادية، يعاني أطفال غزة من آثار نفسية قاسية نتيجة العنف المستمر وفقدان الأمان، فقد أظهرت تقارير إنسانية ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية بين الأطفال، إضافة إلى ظهور أعراض الصدمة النفسية مثل الخوف المستمر واضطرابات النوم.
كما يضطر الأطفال للدراسة في فصول من الخيام، بعضها تقع في مناطق خطرة، وقد سقط العديد من الضحايا من الأطفال وهم في داخل فصولهم الدراسية.
وأكدت منظمة " اليونيسف"، أن التعليم لا يمثل فقط حقًا أساسيًا، بل يشكل أيضًا عامل حماية نفسي واجتماعي للأطفال في أوقات الأزمات، ومع استمرار إغلاق المدارس، يواجه الأطفال خطر الانزلاق إلى عمالة الأطفال أو التعرض لمخاطر أخرى.
وأكدت منظمات مختصة أن الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال أصبح ضرورة ملحة، إلا أن نقص الموارد وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة يعوقان تقديم هذه الخدمات على نطاق واسع.
ودعت منظمات أممية وإنسانية المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين، خاصة الأطفال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، كما طالبت بضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المرافق الطبية والتعليمية والبنية التحتية المدنية.
وأكدت جهات حقوقية أن استمرار القيود على دخول المساعدات والمعدات الطبية يفاقم الأزمة، داعية إلى فتح ممرات إنسانية آمنة لضمان وصول الغذاء والدواء والمياه إلى السكان.
ومع استمرار الصراع وعدم وجود أفق واضح للحل، يبقى مستقبل أطفال غزة غامضًا، فالأوضاع الحالية تهدد حياتهم وصحتهم وتعليمهم ونموهم النفسي، ما يثير مخاوف من تداعيات طويلة الأمد قد تستمر لسنوات.
وأكدت "اليونيسف" أن حماية الأطفال يجب أن تكون أولوية قصوى، مشددة على أن كل يوم يمر دون تحسن في الوضع يعني مزيدًا من المعاناة والخطر على حياة الأطفال.
وكان المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا (PCMED)، اكد أن هناك نحو 2,900 طفل في قطاع غزة في عداد المفقودين أو المخفيين قسرًا منذ بدء العدوان المستمر على القطاع.
وقال المركز: "تُشير التقديرات إلى وجود نحو 2,700 طفل تحت ركام المباني المدمرة تعذّر انتشالهم نتيجة النقص الحاد في المعدات ومنع إدخال الوقود واستهداف فرق الإنقاذ.
وأضاف المركز أنه انقطع الاتصال بنحو 200 طفل في مناطق متفرقة وسط مخاوف ومؤشرات على تعرضهم للإخفاء القسري أو للاستهداف المباشر الذي أدى لفقدان جثامينهم.
وبحسب المركز تُشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال فُقدوا أثناء توجههم إلى نقاط المساعدات للحصول على الدقيق في ظل اشتداد الجوع أو أثناء جمع الحطب أو تفقد منازلهم المدمرة.