منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، يسعى الاحتلال ومن خلال خطط مدروسة لتدمير كل مقومات الاقتصاد في القطاع، وخلق حالة من الفقر الواسعة في صفوف جميع فئات المواطنين.
ومن أجل الوصول لهذا الهدف، دمر الاحتلال مقومات الاقتصاد، خاصة المصانع، والمنشآت التجارية، والمزارع، وحظر وصول الأموال، وفرض التعامل المالي الالكتروني، وقيد وصول السلع للقطاع، وفرض إتاوات على البضائع "تنسيق" تسببت في ارتفاع أسعارها.
ونتج عن هذه السياسات تدمير ممنهج ومتواصل للاقتصاد، أدى إلى دخول أسواق غزة في حالة ركود، نتيجة ضعف القدرة الشرائية، ما أثر على المواطنين.
تراجع حاد في الحركة الشرائية
ومنذ أشهر طويلة، تشهد أسواق قطاع غزة تراجع حاد وغير مسبوق على الحركة الشرائية، بالتزامن مع استمرار ارتفاع أسعار السلع في الأسواق.
واشتكى باعة في الأسواق من تراجع كبير في الشراء، يؤدي في كثير من الأحيان إلى تلف السلع والبضائع المعروضة على بسطاتهم، خاصة الخضروات وكذلك اللحوم المجمدة، إضافة لبعض أنواع الفواكه، حيث ضبطت لجان التفتيش كميات من السلع الفاسدة، وقامت بمصادرتها وإتلافها.
وأكد باعة أنه الأسواق في الوقت الحالي في أسوأ أحوالها، وحركة الشراء تكاد تكون شبه معدومة، والناس لا يقبلون على شراء السلع إلا بكميات قليلة.
وقال بائع البائع إبراهيم نصر الله، إن وضع السوق بائس، فرغم التوفر النسبي للسلع، إلا أنه لا يوجد إقباله، والناس يشترون السلع بالقطارة.
وأكد نصر أن الناس لم تعد تمتلك المال للشراء، وباتوا يبحثون في كل مكان عن الطعام المجاني، سواء من المطابخ الخيرية، أو من المبادرين والمؤسسات التي تقوم بتوزيع مواد غذائية.
وأوضح أن تراجع حركة الشراء أضر بالباعة، وأدخل الأسواق في حالة ركود، لكن الغريب أن هذا لم يحدث انخفاض على الأسعار، حيث مازالت الأخيرة مرتفعة.
من جهته أكد الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن ما تشهده الأسواق في غزة له عدة أسباب، أهمها التراجع الكبير في التحويلات المالية لغزة، التي كانت تعتمد عليها الكثير من العائلات في معيشتها، حيث لوحظ هذا الأمر خلال الأسابيع الماضية، وهذا يعود لسياسة التقييد والتشديد المفروضة على التحويلات المالية من جانب، وربما أن المتبرعين أنفسهم توقفوا عن أرسال أموال التبرعات والمساعدات من جانب آخر، وهذا عمق حالة الفقر.
وأشار أبو قمر إلى أن هناك سبب أكثر أهمية، ويكمن في حالة الاستنزاف المالية الكبيرة التي مر بها الناس خلال الفترات الماضية، لاسيما خلال فترة المجاعة، والتي أدت إلى تبديد المدخرات، وتعميق حالة الفقر، فمن كان لديه مال صرفه، وما زال الاستنزاف مستمراً بسبب ارتفاع الأسعار الناجم عما يسمى "التنسيقات"، وهي رسوم قسرية عالية تدفع من أجل السماح بمرور السلع للقطاع، وتضاف هذه الرسوم على أسعار السلع
وأكد أن هناك أسباب أخرى منها التقييدات واغلاق الحسابات البنكية للتجار والمواطنين.
الشيكل الخامل يفاقم الأزمة
ومؤخراً ظهرت ازمة جديدة في القطاع، سُميت أزمة "الشيكل الخامل"، وهي أموال لم تعد مقبولة في التعاملات المالية اليومية، وباتت تتكدس في جوب ومنازل وخيام المواطنين، ولا يستطيعون استغلالها، أو الشراء بها، وتحولت من وسيلة للشراء، إلى عبء كبير، منها قطع معدنية من فئة 10 شيكل، وأوراق نقدية من فئات مختلفة.
وأكد الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن أزمة الشيكل الخامل في غزة تحولت من مجرد مشكلة نقدية إلى مؤشر خطير في ظل تعطل جزء من الدورة الاقتصادية، فعندما يفقد النقد قدرته على التداول، رغم احتفاظه بقيمته الاسمية، فإن ذلك يعني عملياً تراجع كفاءة السوق وتآكل القوة الشرائية للسكان.
وأكد أبو قمر أن المشكلة تكمن في تعطل وظيفة النقد الاقتصادية وليس في نقصه فقط، فعندما يضطر المواطن إلى بيع أمواله بأقل من قيمتها أو يعجز عن استخدامها في شراء احتياجاته الأساسية، تتحول العملة من وسيلة للتبادل إلى عبء اقتصادي.
وأوضح أنه ومع اتساع رفض بعض الفئات النقدية وتراجع القدرة على استبدال الأوراق التالفة، باتت شريحة واسعة من الأموال خارج الدورة الاقتصادية الفعلية.
وقال أبو قمر: " النتيجة هي ظهور سوق موازية تُباع فيها النقود بأقل من قيمتها الحقيقية، حيث تصل خسائر بعض المواطنين إلى 60% من قيمة أموالهم، في هذه الحالة تصبح العملة نفسها سلعة تباع وتشترى وهو وضع يعكس خللا عميقا في المنظومة النقدية".
وتابع: " ولعل استمرار هذه الظاهرة يعني مزيداً من الركود وضعف النشاط التجاري وتآكل المدخرات المحدودة للأسر، في وقت يعاني فيه الغزيون أصلاً من مستويات غير مسبوقة من الفقر والبطالة، لذلك فإن معالجة أزمة "الشيكل الخامل" تمثل أولوية اقتصادية واجتماعية تستدعي تدخلاً عاجلاً لإعادة الثقة بالنقد وإعادته إلى الدورة الاقتصادية الطبيعية".
مؤشرات خطيرة
وتُظهر الأرقام مؤشرات خطيرة، تدل على مدى تدمير الاقتصاد في قطاع عزة، حيث دمر الاحتلال نحو85% من البنية التحتية والمنشآت الحيوية في القطاع، كما دمر أكثر من 80% من المصانع والمنشآت المنتجة، وخاصة في المناطق الشرقية لغزة، بينما تعرضت الأسواق والمحلات التجارية للتدمير بنسبة تخطت 90%، أما على صعيد القطاع الزراعي فقد جرى اقتلاع نحو 4 ملايين شجرة، وردم وتدمير آلاف الآبار، والبيوت المحمية، ومزارع الدواجن والمواشي لتعميق سياسة التجويع والتبعية، إذ تحول القطاع من مُصدر للسلع والخضروات، على مستورد لها.