مضى أكثر من 220 يوماً على بدء أكبر عدوان تشهده محافظة رفح في تاريخها الحديث، ومازال جيش الاحتلال يواصل احتلال كافة أحياء المحافظة، ويُدمر كل شبر فيها، مستعيناً بعشرات الجرافات العسكرية، وبشركات مدنية متخصصة في الهدم والتدمير.
وبينما تتواصل عمليات التدمير بشكل واسع في حي الجنينة، ومناطق مركز المدينة، نقل الاحتلال جزء من الآليات ومعدات التدمير وفرق الهندسة العسكرية، إلى مناطق أخرى غرب رفح، وتحديداً منطقة المواصي، وأكملت قواته نسف وتدمير القرية السويدية و"عزبة الندى"، وانتقلت للعمل في محيط "دوار العلم"، وحي "شلوف"، حيث جرى نسف وتدمير مربعات سكنية جديدة، وهدم عشرات المنازل، وتجريف وتخريب البنية التحتية.
ومع وصول عمليات التدمير إلى أغلب أحياء رفح وانتقال العمليات من حي إلى حي، فإن الدمار طال حتى الآن أكثر من 70% من مساحة رفح، مع تركيزه على أحياء جنوب، ووسط، وغرب وشرق المدينة.
وفي محاولة لمنع توثيق ما يحدث في مدينة رفح، حجب الاحتلال خدمة التصوير الجوي، عبر الأقمار الاصطناعية، عن كامل المدينة، بحيث بات من المستحيل التقاط صور جوية، تُحدد حجم الدمار داخل رفح، لكن رغم ذلك تخرج بعض الصور ومقاطع الفيديو من أحياء رفح، إما من خلال شبان يصلون إلى بعض المناطق، أو من خلال جنود الاحتلال أنفسهم، اللذين يصورون من داخل المحافظة، وينشرون على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
تدمير واسع
وأكد الشاب محمود الخطيب، أن مدينة رفح تتعرض للتدمير الشامل، وثمة آلاف البيوت مُسحت ودمرت، والاحتلال ماضي في تدمير ما تبقى في رفح من أحياء.
وأوضح الخطيب أن ما شاهده من صور كانت صادمة وصعبة، فبعض الشوارع واجه صعوبة في التعرف عليها، رغم أنه وُلد وعاش في رفح أكثر من عقدين ونصف، ويعرف كل أحيائها وشوارعها.
وبين أن الاحتلال لم يكتف بما أحدثه من تدمير حتى الآن، فعمليات النسف مستمرة، ورقعة الدمار تتسع، وتخريب البنية التحتية لا يتوقف أبداً.
في حين قال المواطن يوسف عبيد، أنه دخل مدنية رفح، قبل أسبوع، وكُتبت له النجاة، رغم أن أغلب من دخلوا المدينة جرى قتلهم من قبل مُسيرات الاحتلال، موضحاً أنه شعر بالصدمة بل الذهول من هول ما شاهد من دمار غير مسبوق.
وأكد أن الاحتلال يعمل على مسح مربعات وأحياء سكنية كاملة، وتحويلها إلى ركام، ثم إزالة الركام، ونقله إلى مناطق أخرى، بينما يُواصل الاحتلال إقامة مواقع، ونصب رافعات جديدة على محور صلاح الدين "فيلادلفيا".
وأوضح عبيد لـ"فلسطين بوست"، أنه شاهد دمار كبير وغير مسبوق طال مرافق البنية التحتية، من شبكات مياه وصرف صحي، وأعمدة كهرباء، وهاتف، وغيرها من المرافق، مشيراً إلى أنه لاحظ تعمد الاحتلال اقتلاع طبقة الإسفلت، بحيث تحولت غالبية شوارع رفح إلى ترابية، بعد أن كانت مُعبدة، وهذا سيُشكل معاناة كبيرة للسكان بعد عودتهم للمدينة.
تدمير بثلاث مستويات
بينما أكد مواطنون أن عمليات التدمير تتم بشكل ممنهج ومنظم، وتنتقل من مكان لآخر، وتنفذ عبر ثلاث مستويات، الأول استهداف من الطائرات، والثاني نسف عبر تفخيخ للمنازل، أو من حاويات وملالات ممتلئة بالمتفجرات، والثالث من خلال عمليات تجريف واسعة.
وأكد المواطن محمود جمعة، ويقطن في خيمة أقامها في الجزء الشمالي من مواصي محافظة رفح، أنه من موقعه المرتفع نسبياً يمكنه مشاهدة الجزء الغربي من رفح، ويُلاحظ أن الاحتلال يشن ما بين 10-20 غارة يومياً، تستهدف في معظمها عمارات متعددة الطبقات، يتم تسويتها بالأرض، بعد إسقاط قنابل كبيرة تجاهها، كما يُنفذ الاحتلال عمليات نسف يومية، تتم من خلال تفخيخ مُسبق للبيوت، ثم نسفها بواسطة التحكم عن بعد، وهذا أكبر أساليب الاحتلال في التدمير.
وأوضح جمعة لـ"فلسطين بوست"، أنه يسمع من موقعه صوت هدير الجرافات وهي تهدم منازل المواطنين، وتُجرف الأراضي، ويشعر أن رقعة التدمير تسير بشكل متسارع، وكأن العملية العسكرية في رفح في آخر فصولها.
واعترف جيش الاحتلال بأنه استعان بشركات تدمير مدنية متخصصة في هدم المباني، وأن هذه الشركات وفق ما أكدته وسائل إعلام عبرية، تعمل في رفح منذ عدة أشهر، وأنها قامت بتدمير أحياء كاملة، ونقل الركام باتجاه الخط الأخضر، في خطوة تُعتبر غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، ما ينذر بدمار لم يحدث في قطاع غزة.
كما يُصر الاحتلال على البقاء في محور صلاح الدين الحدودي "فيلادلفيا"، ومن أجل ذلك قام بتدمير 6 احياء سكنية ملاصقة لهذا المحور، وحولها إلى مناطق قاحلة.
مدينة غير صالحة للحياة
من جهته أكد رئيس بلدية رفح، الدكتور أحمد الصوفي أن التقارير والبيانات الواردة من داخل مدينة رفح تنم عن وجود مخطط لدى قوات الاحتلال لجعل مدينة رفح مدينة غير صالحة للحياة.
وقال الصوفي:" نفذت قوات الاحتلال التي توغلت داخل مدينة رفح منذ شهر أيار الماضي، عمليات هدم وتجريف ونسف للمباني السكنية، والمرافق الخدماتية، وشبكات البنية التحتية في كافة أحياء المدينة".
وأوضح أن التقارير والصور التي ينشرها جنود الاحتلال تظهر جليًا أن الهدف من عمليات النسف والتدمير هو التخريب فقط، كما ظهر في فيديو تفجير بئر كندا بحي تل السلطان غربي المدينة.
واعتبر الصوفي أن استقدام قوات الاحتلال لشركات مدنية من أجل هدم المباني، وترحيل ركامها إلى جهات غير معلومة، في سابقة هي الأولى من نوعها في حرب الإبادة الجماعية، يؤكد وجود خطة مبيته يتم تنفيذها بحق مدينة رفح، التي أجبرت قوات الاحتلال أهلها على مغادرتها تحت النار منذ أكثر من سبعة أشعر.
ودعا الصوفي المؤسسات الدولية والحقوقية إلى التدخل العاجل لوقف هذا المخطط الإجرامي وحماية ما تبقى من مباني ومرافق المدينة.
كتب: محمد الجمل