لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي بأساليب القمع والتعذيب الوحشية التي يمارسها بحق الأسرى الفلسطينيين، مثل الضرب، والتكبيل بأصفاد تتغلغل في أجسادهم لساعات طويلة، والشبح، وحرمانهم من النوم، ومنع العلاج عنهم، وإعطائهم وجبات متباعدة، وقليلة جداً من الطعام، فلجأ منذ عقود لسياسة تعذيب تعتبر الأصعب والأقسى، والمتمثلة في العزل الانفرادي للأسرى، ليس لأيام أو أسابيع ولا لأشهر، فقد يستمر هذا العزل لسنوات وربما عقود، مثلما يحصل مع الأسرى حسن سلامة، ضرار أبو سيس، محمد جبران خليل، أحمد مناصرة، وأسرى الحرية ممن فروا من سجن جلبوع قبل نحو العام.

تنكيل بالأسرى
والعزل الانفرادي هي سياسة تعذيب إسرائيلية قاسية، تنفذ بحق بعض الأسرى، عبر نقلهم من الأقسام الجماعية، وعزلهم في زنازين صغيرة ضيقة، مع اتخاذ جملة من العقوبات ضدهم، وممارسة ضغوط نفسية وجسدية كبيرة عليهم على مدار الساعة.
ووفق الباحث المختص في شأن الأسرى عبد الناصر فروانة، فإن دولة الاحتلال تستخدم سياسة العزل الانفرادي بشكل واسع ضد الأسرى، وهناك عشرات الأقسام مخصصة لهذا الغرض، ومزودة بغرف ووسائل تعذيب قاسية، وثمة عشرات بل مئات الآلاف من الأسرى خضعوا لهذا النوع القاسي من التعذيب خلال سنوات الاحتلال، ومنهم من لا يزال في غرف العزل حتى اليوم.
وأكد فروانة لـ"فلسطين بوست"، أن سياسة العزل الانفرادي التي تستخدمها إسرائيل بحق الأسرى لم تكن في يومٍ من الأيام سياسة عشوائية، بل هي سياسة مدروسة ومنظمة، ويضعها خبراء في علم النفس، لتحقيق غايات وأهداف يريد تحقيقها ضباط الشاباك.
وبين فروانة أن هناك ثلاث أنواع من العزل، الأول عزل الضغط، وهو يمارس على الأسير في الأسابيع الأولي من اعتقاله، خلال فترات التحقيق، إذ يتم عزل الأسير وحيداً في زنزانة ضيقة في ظل ظروف قاسية، ويتعرض لمؤثرات صوتية صاخبة بهدف الضغط عليه، لابتزازه وانتزاع اعترافات منه، أما النوع الثاني يسمى عزل عقابي، ويندرج في إطاره عزل الأسرى ممن نفذوا عمليات فدائية موجعة ومؤلمة للاحتلال.
وبين فروانة أن هناك نوع ثالث من العزل، مخصص لقيادات وطنية بارزة، والمؤثرين مثل الأسير أحمد سعدات، والأسير مروان البرغوثي، وحسن سلامة، وغيرهم الكثير، لتقليل مخالطتهم مع باقي الأسرى، خشية انتقال أفكارهم الثورية لباقي الأسرى.
وبحسب فروانة فإنه وبالإضافة إلى ذلك أحياناً يتم عزل الأسير كإجراء عقابي لبضعة أيام أو لشهور محدودة، بسبب اتهامه بارتكاب مخالفة ما وفقاً لإدارة السجون.
أنواع أخرى من العزل
وتابع فروانة : " بالإضافة للأنواع المذكورة، ثمة أنواع أخرى من العزل، منها العزل الانفرادي قصير المدى: يمتد من ثلاثة أيام إلى عدة أسابيع، والعزل الجماعي، يكون في قسم خاص وهدفه الأساسي هو إبعاد قيادات السجون عن بقية الأسرى، وكذلك العزل الانفرادي المفتوح: وهو الأقسى والأصعب؛ حيث يعزل الأسير في زنزانة منفرداً، أو مع أسير آخر، ويمنع من التواصل مع باقي الأسرى لمدة غير محدودة.
وأوضح أنه في الغالب الأسير المعزول يعيش معزولاً عن العالم الخارجي، لا يستطيع الاتصال مع أي إنسان كان، سوى السجان، وهو شبيه بعقوبة السجن الإداري؛ حيث يقضي الأسير المعزول سنوات عديدة من عمره، دون أن يدري متى يخرج.
وأكد فروانة أن العزل الانفرادي يعتبر من أقسى انواع التعذيب، ووفقا للسلوك الإسرائيلي، فهو يشكل جريمة يحاسب عليها القانون الدولي؛ الأمر الذي يستدعي تدخلا عاجلاً من قبل المؤسسات الدولية لإنهاء عزل العشرات من الأسرى، والذين يُحتجزون في ظروف قاسية كالأسير أحمد مناصرة الذي بات يعاني امراضاً نفسية جراء العزل الانفرادي منذ سنوات.
وأوضح فروانة أن إلحاق الأذى الجسدي بصحة الأسير والتأثير على نفسية الأسير وقواه العقلية أهم أهداف العزل، وهذا بدا واضحًا من خلال المشاكل التي عاناها الأسرى بعد تحررهم، فما من أسير تعرض لهذه السياسة القاسية؛ إلا وعانى من مشاكل جسدية أو نفسية، خاصة ممن طالت فترة عزلهم، فبعض الاسرى خرجوا من العزل فاقدين لقواهم العقلية تمامًا، وآخرون عانوا مشكلات نفسية وصحية كبيرة، كحالة الأسير باسل عيايدة، ومن قبله منصور الشحاتيت، ومن قبلهما الكثير، ويتدرج تأثير العزل وفق طبيعة الانسان وقدرته على التحمل من ناحية، ومدة العزل الانفرادي وظروفه من ناحية ثانية.
مليون حالة اعتقال نفذتها سلطات الاحتلال بحق فلسطينيين منذ العام 1967، بينما يتواجد حاليا في سجون الاحتلال 5200 أسيراً، وأكثر من 75% من الأسرى خاضوا تجربة العزل لفترات وأشكال متفاوتة، بينما قال تقرير صادر عن نادي الأسير الفلسطيني في 25 يونيو/حزيران من العام 2020، إن 95% من الأسرى يتعرضون لأصناف مختلفة من التعذيب النفسي والجسدي.
تجارب قاسية
الأسير المحرر محمد أبو جاموس، الذي نجح بالهرب من سجن "ايشيل" قبل أن يتم اعتقاله مجدداً بعد ساعات قليلة، ووضعه معزولاً في زنزانة صغيرة، تعرض خلال أسابيع وأشهر لمحاولات للتأثير على نفسيته عبر التلاعب بالإنارة، وإسماعه أصوات غريبة وتهديده بالقتل، وقد أوشك على فقدان عقله، وعانى أزمة نفسية حادة، بدأ يتعافى منها بعد تحرره.
وأكد أبو جاموس، أنه قضى فترات طويلة في العزل الانفرادي، فقد خلالها الكثير من وزنه، وأثر الأمر على صحته النفسية، وكان دائماً يتعرض للضغط والترويع من قبل السجانين.
الأسير المحرر إياد أبو حسنة تعرض لضغوطات العزل القاسية، التي تنوعت ما بين الحبس في غرفة صغيرة منفرداً، والتهديد بالقتل، والدفع لأجل الانتحار، ووصلت إلى تنفيذ أعمال سحر وشعوذة داخل زنزانته، وقد واجه ذلك كله بتمسكه بالقرآن الكريم، ومداومته على قراءته، حتى أصبح رفيقاً له في السجن.
وأكد أن ضباط مخابرات مارسوا عليه ضغوط كبيرة جداً لدفعه للانتحار، من بينها وضع أدوات للانتحار في زنزانته، والإيحاء له بأن عمره انتهى وسينتحر خلال ساعات، وعرض تمثيليات انتحار كاذبة لأسرى أمامه وغيرها من الطرق، لكنه نجا من كل ذلك، وتحرر في صفقة شاليط عام 2011.
زنازين معتمة
يقضي السجين في "تسينوك" (وتعني زنزانة صغيرة) أسابيع أو أشهر أو أكثر، بعدها ينتقل لـ"الأفرَداة" (وتعني العزل)؛ وهي عبارة عن زنزانة بمساحة 120 سم طولًا و280 عرضًا بسريرين وأحيانًا يشارك الأسير اثنان أو ثلاثة.
وعادة تغلق "الأفرداة" 24 ساعة بباب بفتحة 10 سم مربع، وأخرى وسط الباب بطول 30 سم وعرض 10 سم لإدخال الطعام، ولتقييد أو فك قيود الأسير عند الخروج لاستراحة، وبها مِرش ماء للاستحمام وبلاطة مرحاض.
لا يخلو الأمر من ممارسات سادية من السجانين، فأحيانا يطرق السجان باب الزنزانة فجرًا يطلب من السجين الخروج للحمام، في حال كان في زنانة لا يوجد بها مرحاض، وعندما يرى أن السجين جاهز لقضاء الحاجة، يغلق باب الزنزانة مرة ثانية ويقول "ليس الآن، دعها لوقت آخر"، لكن لو قال الأسير غير جاهز فيكون قد فقد الفرصة اليومية الوحيدة.
وكان الأسير ضرار أبو سيسي، المعتقل منذ 2011، قد أفاد لأحد المحامين بأنه بدأ يشعر "بصعوبة في النطق واستذكار اللغة جراء العزلة الكاملة التي يعيش فيها، وانقطاعه عن التواصل مع العالم الخارجي" وفقا لمؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان.
وكانت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، أكدت أن سياسة العزل الإسرائيلي هي جزء لا يتجزأ من رحلة التعذيب والمعاناة التي يقضيها الأسير الفلسطيني منذ دخوله حتى إطلاق سراحه، مشيرة إلى أن قرار العزل يأتي بقرار من الأجهزة "الأمنية" أو إدارة السجن وغالبًا بتنسيق بينهما.
سجون العزل
يعد سجن عزل الرملة "أيالون" من أشهر السجون التي يوجد بها أقسام عزل انفرادي، وأسماه الأسرى "جوانتانامو" فلسطين" نسبة لسجن جوانتانامو الأميركي سيء السمعة، إذ يتم تعذيب الأسرى فيه بطرق بشعة.
ومن أبرز سجون العزل الانفرادي - عزل سجن نفحة الصحراوي الذي افتتح عام 1980م، عزل الرملة "نيتسان" افتتح في عام 1989م، وقد تم إغلاق هذا القسم عام 1992؛ إلا أن السلطات الإسرائيلية عاودت افتتاحه من جديد عام 1996، وكذلك عزل السبع " أهالي كيدار" افتتح عام 1992م، ويضم سجن بئر السبع ثلاثة أقسام عزل هي: قسم (8) ويطلق عليه اسم "العزل المفتوح"، وقسم (6) ويطلق عليه اسم "قسم العزل"؛ وعزل "السنوك" وهو عبارة عن زنازين على هيئة قبور، مساحتها بحجم فراش النوم فقط مغلقة بالكامل، ودون تهوية أو إنارة، لا يستطيع المعتقل فيها الحراك؛ حيث ينام فيها ورأسه على الحائط وأقدامه على البوابة.
مبررات العزل
وتتذرع السلطات الإسرائيلية بذرائع شتى لتبرير عملية عزل المعتقلين، منها خطورة وجودهم مع المعتقلين، أو لكونهم معتقلين خطرين قاموا بتنفيذ عمليات فدائية، وثمة ذريعة أخرى، بأن العزل يأتي خوفاً على حياتهم من قبل زملائهم السجناء الأمنيين، إلا أن الدوافع الحقيقية لاستخدام سياسة العزل تكمن في عزل المعتقلين بسبب مكانتهم القيادية، وسعة اطلاعهم، وعمق تجربتهم، وتأثيرهم على بقية المعتقلين، وكذلك عزل المعتقلين ضعاف النفوس بهدف الإيقاع بهم، وإجبارهم على قبول التعاون مع المخابرات الإسرائيلية، وكذلك هدف ثالث يتمثل بعزل المعتقلين وزجهم بين صفوف السجناء الجنائيين والعملاء، بغية تشويه سمعتهم والإساءة لهم.
العزل في القانون الدولي
ووفق خبراء في القانون الدولي، ومؤسسات حقوقية، فإن العزل يفترض أن يأتي بشكل قانوني وفي حالات استثنائية جدًا عندما يشكل الأسير أو السجين خطراً على نفسه أو الآخرين، ويحصل فيه الأسير على كل حقوقه عدا التنقل، لكن ما يجري مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال لا علاقة له بالقانون، وما هو إلا نوع من أنواع التعذيب، ويعد مخالف لكافة القوانين الدولية.
ويعتبر العزل، وفقا لمؤسسة الضمير، ضرباً من ضروب التعذيب النفسي المحظورة بموجب المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب المبرمة عام 1984، ومن أساليب المعاملة اللا إنسانية المحظورة بمقتضى المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والحقوق السياسية.
وقدمت أربع منظمات حقوق إنسان فلسطينية، ستة بلاغات إلى المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في شهر سبتمبر/أيلول عام 2017، مطالبة بفتح تحقيق في شبهات ارتكاب الاحتلال جرائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة تصل لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من ضمنها بلاغ متعلق بتعذيب المعتقلين الفلسطينيين ومعاملتهم معاملة فيها مخالفة واضحة وجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني.
ووفق البنك الوطني للمعلومات فإن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تشرّع انتهاكاتها لحقوق الأسير؛ فقانون مصلحة سجون الاحتلال لعام 1971 "ينص على السماح بعزل الأسير بذرائع أمنية"، بحيث أصبح العزل وسيلة مشروعة بيد مدير السجن وضباطه، وفق القوانين الإسرائيلية التي تخالف نصوص القوانين الدولية.


كتب: محمد الجمل
37 أسيراً يواجهون سياسة العزل الانفرادي في سجون الاحتلال