استفاق كافة سكان قطاع غزة على أصوات صواريخ المقاومة القوية المتجهة إلى مدن وبلدات داخل دولة الاحتلال، بالتزامن مع مشاهدة مظلات طائرة متجهة نحو الشرق، وسماع دوي إطلاق نار ناجم عن اشتباكات عنيفة، نفذها مقاومون داخل قرى وبلدات إسرائيلية تقع في غلاف غزة.
وما هي إلا لحظات حتى بدأت الأخبار تأتي تباعاً، بنجاح المقاومة الفلسطينية بتنفيذ أكبر عملية إنزال ثم اقتحام لبلدات وقرى إسرائيلية في تاريخها، من كيبوتس "كيرم شالوم" جنوباً، وحتى حاجز بيت حانون "إيرز" في أقصى شمال القطاع.
مقاتلون يتسيدون الجو
عمليات الإنزال كانت مفاجئة للاحتلال الإسرائيلي، إذ استخدمت المقاومة خلالها تقنيات وأساليب غير معروفة، لم يتم الكشف عنها سابقاً.
فقد انطلق مقاومون عبر مظلات طائرة، كل مظلة تم تزويدها بمحرك طائر، يستطيع حمل اثنين من المقاتلين بسلاحهم، ويحلق في الهواء لفترات زمنية غير طويلة نسبياً.
وشوهدت المظلات الطائرة تنتشر في الجو، وتتجه نحو بلدات إسرائيلية، لتقوم لاحقاً بالنزول وسط القرى الإسرائيلية، وينتشر المقاتلون في الشوارع، بالتزامن مع عمليات اقتحام واسعة من الأرض، استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية.

المقاومة عملت على تأمين اقتحام المقاتلين لغلاف غزة من الجو عبر طائرات مسيرة مزودة بقذائف، مهمتها استهداف الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية المدرعة، التي من الممكن أن تشكل تهديد للمقاتلين ممن اقتحموا بلدات الغلاف.
ونشرت "كتائب القسام" مقطع فيديو يظهر طائرة مُسيرة تستهدف دبابة إسرائيلية مأهولة، ما تسبب بتدميرها، في حين نفذت طائرات أخرى تابعة للمقاومة مهام مراقبة واستطلاع، لإمداد المقاومين على الأرض بالمعلومات والإحداثيات.
واللافت أنه طوال فترة العمليات، لم يسمع صوت أي طائرة إسرائيلية في الأجواء، لا مُسيرة ولا حتى حربية، ما يعني أن المقاومين تسيدوا الجو بالفعل لعدة ساعات، وسيطروا على غلاف غزة من الأرض والجو.
أسرى في الشوارع
لاحقًا، ومع خروج عشرات آلاف المواطنين للشوارع لمعرفة تفاصيل ما يحدث، بدأ مقامون بالعودة من ميادين المعركة، لكنهم عادوا يجرون عشرات الأسرى الإسرائيليين معظمهم من الجنود.
مشاهد الأسرى الإسرائيليين في الشوارع أثارت ذهول المواطنين وفرحتهم، فهذه المرة الأولى التي يتم سحب أسرى بهذا العدد، وعلانية أمام الجميع.
وأكد شهود عيان لـ"فلسطين بوست"، أن بعض الأسرى الإسرائيليين جرى نقلهم بواسطة مركبات، وجيبات إسرائيلية استولى عليها المقاومين، وآخرون جرى نقلهم عبر دراجات نارية تابعة للمقاومين، والبعض نقلوا سيراً على الأقدام.
وإلى جانب الأسرى، نجح مقاومون بنقل عدد من جثامين الجنود القتلى، إذ شوهدت الجثث محمولة بواسطة مركبات، وعربات مفتوحة من الخلف.
وفي كل مرة كان يصل فيها أسرى أو جثامين، كان المواطنون يستقبلون المقاومين بالتكبير والتهليل، وبعضهم كانوا يحاولون الوصول للأسرى بهدف ركلهم.


تعزيزات من المقاومة
ومع نجاح المجموعات الأولى من المقاومين في تحقيق مهمتها على أكمل وجه، وبعد فتح الحدود، والقضاء على معظم الجنود ممن يتواجدون داخل دبابات ونقاط مراقبة متاخمة للحدود، بات الوصول لمستوطنات وبلدات غلاف غزة سهلاً، وهذا دفع المقاومة لإرسال تعزيزات كبيرة لإسناد المقاومين ممن يخوضوا اشتباكات داخل الغلاف.
فعند حوالي السابعة صباحاً، شوهدت مركبات كبيرة تقل عشرات المقاومين المسلحين بالرشاشات، وكذلك القذائف المضادة للدروع متجهة شرقاً، حيث شوهدت تلك المركبات تجتاز الشريط الحدودي، وتصل بالفعل إلى عمق البلدات الإسرائيلية، مع استمرار سماع دوي إطلاق النار والإنفجارات.
كما اندفع عشرات المقاومين باتجاه حاجز بيت حانون "إيرز"، شمال القطاع بعد السيطرة عليه من قبل المقاومين، إذ نجح المقاومون بالدخول إلى داخل المعبر، ومواقع عسكرية قريبة منه، وتطهيرها من الجنود الإسرائيليين، وحدث الأمر ذاته في محيط موقع "كرم أبو سالم"، إذ نجحت المقاومة في القضاء على كامل الجنود بداخله.
لكن الجيش الإسرائيلي بدأ لاحقاً بقصف بعض المواقع التي جرى اقتحامها من قبل المقاومين، مستخدمًا طائرات حربية ومروحية، ومدفعية ثقيلة، ما تسبب بسقوط عشرات الشهداء والجرحى.
الوصول لغلاف غزة
مع سيطرة المقاومين على بلدات واسعة في غلاف غزة، بات الوصول لتلك البلدات متاحاً لساعات طويلة أمام الجميع، بعدما كان الاقتراب من السياج الحدودي يعني الموت أو الاعتقال لعقود طويلة.
وإلى جانب المقاومين، تمكن عشرات المواطنين وكذلك صحافيين، ونشطاء من الوصول لبعض القرى والبلدات الإسرائيلية شرق القطاع، بل إن بعضم نجح في الخروج ببث مباشر من داخل "الكيبوتسات"، ونقلوا صوًرا ومقاطع فيديو تظهر سيطرة المقاومين بالكامل على البلدات الإسرائيلية، واقتحامهم بعض البيوت، وإحراق مستودع كبير للمركبات الحديثة، وتدمير بعض المنشآت الإسرائيلية الهامة في منطقة الغلاف.
وشوهد مواطنون ينقلون معدات عسكرية، وأجهزة ومعدات أخرى تمكنوا من الاستيلاء عليها، إضافة لمركبات عسكرية ومدنية استولى عليها مقاومون خلال عمليات الاقتحام.
ومع ساعات ظهر اليوم، بدأت قوات الاحتلال باستهداف المواطنين عند الحدود الشرقية للقطاع، إذ شنت طائرة إسرائيلية غارة جوية باتجاه تجمع للمواطنين شرق موقع "ملكة"، بمحاذاة مدينة غزة، ما تسبب بسقوط عشرات الشهداء والجرحى.
تكبيرات تصدح في القطاع
ألهبت مشاهد انتصار المقاومة وصور الأسرى خلال سحبهم وهم أذلاء، مشاعر المواطنين ممن خرجوا إلى الشوارع وهم يكبرون ويهللون، بينما صدحت مكبرات الصوت في المساجد بتكبيرات العيد، وتبادل مواطنون التهاني بمناسبة الانتصار الكبير.
كما اصطفت النساء على جانبي الشوارع، ووقفن على شرفات المنازل، في استقبال المقاومين العائدين من أرض المعركة، وأطلقت بعضهن الزغاريد، فرحاً بالإنجاز الكبير الذي حققته المقاومة.
وغصت مواقع التواصل الاجتماعي بآلاف المنشورات والصور، التي وثقت جزءًا من عمليات المقاومة في الغلاف، وقد وصف نشطاء هذا اليوم بـ"يوم الانتصار العظيم"، إذ غرد أحدهم "مصر انتصرت في 6 أكتوبر، ونحن انتصرنا على إسرائيل في 7 أكتوبر"، بينما قال آخر: "هذا يوم من أيم الله المباركة"، وغرد ثالث قائلا "تمردغت رأس إسرائيل في الوحل وتلقت هزيمة غير مسبوقة".
نكات وتندر
ورغم صعوبة الأوضاع، إلا أن المشهد لم يخل من الكثير من النكات والتندر، وبعض المواقف المضحكة، التي سخرت من إسرائيل وجنودها.
فقد جرى تداول مقطع فيديو لشاب يوقف سيارة أجرة ويقول للسائق "توخد خمسة شيكل وتوصلني ع سيديروت"، فرد السائق بالإيجاب، وركب الشاب.
بينما انتشرت صورة أخرى لإعلان تجاري كتبه أحد الشبان على جدار موقع عسكري إسرائيلي، اقتحمه المقاومون وطهروه من الجنود، واللافت أن المواطن كتب إسم حرفته التي يرغب بالإعلان عنها، ورقم هاتفه النقال.
بينما تناقل نشطاء مقاطع فيديو وصور لسيدة إسرائيلية عجوز، جرى نقلها إلى قطاع غزة، وهي تتنقل في الشوارع قبل أن يتم تصويرها وهي تحمل بندقية رشاشة من طراز "كلاشنكوف"، وترفع يدها مشيرة بعلامة النصر، وبجانبها عدد من المقاومين.
كما جرى نشر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تسخر من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزرائه، وتدعوهم لـ"وضع الطين"، على رؤوسهم بعد عمليات المقاومة الأخيرة، في إشارة لمدى الهزيمة التي تلقوها.

صواريخ مستمرة
منذ ساعات الفجر الأولى لم تتوقف صواريخ المقاومة عن الانطلاق من كافة أنحاء القطاع، ودك مدن وبلدات إسرائيلية تبعد عشرات الكيلو مترات عن حدود القطاع.
ويسمع صوت انطلاق الصواريخ، ثم يتبعها دخان أبيض في السماء، ومع إطلاق كل رشقة، تسمع التكبيرات والتهليل.
ومع سيطرة المقاومين على معظم مناطق غلاف غزة، بدت منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية شبه متعطلة، إذ كانت تنطلق الصواريخ الفلسطينية متجهة إلى أهدافها دون أي اعتراض يذكر.
ولاحقاً سمع دوي خروج صواريخ كبيرة، يعتقد أنها موجهة لمدن بعيدة نسبياً عن القطاع، مثل القدس وتل أبيب وغيرها.
ووفق مصادر إعلامية متعددة، فإنه ومنذ ساعات صباح اليوم وحتى ساعات الظهيرة سُجل إطلاق أكثر من 2500 صاروخ تجاه غلاف غزة.
واللافت أن وسائل الإعلام الإسرائيلية ركزت اهتمامها على غلاف غزة، وتجاهلت نقل أخبار متعلقة بسقوط الصواريخ على المدن والقرى الإسرائيلية، رغم كثافة إطلاقها، غير أن بعض المستشفيات الإسرائيلية أعلنت حالة الطوارئ، وطالبت الإسرائيليين بالتبرع بالدم لصالح الجرحى، ما يعني أنها تلقت عدد كبير من المصابين، سواء عبر إصابتهم برصاص مقاومين في غلاف غزة، أو جراء سقوط الصواريخ الفلسطينية.

شهداء وجنازات
وصل عدد من الشهداء إلى مشافي قطاع غزة، بعضهم مقاومين سقطوا خلال اشتباكات اندلعت أثناء عمليات الاقتحام، وتمكن زملائهم من إخلائهم ونقلهم للمستشفيات، وآخرون مدنيون، سقطوا جراء غارات إسرائيلية على حدود القطاع، أو إثر قصف استهدف بعض المناطق.
وتدفق آلاف المواطنين إلى المستشفيات التي يتواجد فيها جثامين الشهداء، إذ جرى نقلها في مواكب مهيبة في اتجاه عدد من المساجد في القطاع، وجرى تأدية صلوات الجنازة عليها، ومن ثم التوجه للمقابر لمواراتها الثرى.
بينما حيّا متحدثون في مواكب التشييع المقاومة، وعددوا مناقب الشهداء، لكنهم طالبوا فصائل المقاومة بالحذر، والاستعداد لمعركة طويلة مع الاحتلال، ستستخدم إسرائيل خلالها ترسانتها من الأسلحة، وتقصف عدد كبير من الأهداف.
كتب: محمد الجمل