دخل العدوان الإسرائيلي يومه السادس والعشرين على التوالي، مع استمرار وتوسيع المجازر التي ترتكبها آلية الحرب الإسرائيلية، وتفاقم معاناة المواطنين بصورة كبيرة، مع تشديد الحصار، ومنع دخول الغذاء والوقود والدواء.
"فلسطين بوست"، تجولت في قطاع غزة، ورصدت مشاهد قاسية وصعبة، ونقلتها لقرائها من خلال "صور قلمية"، تهدف لتسليط الضوء على معاناة الناس.
حروق شديدة
يواصل الأطباء استقبال حالات صعبة، بعضهم يصابوا بحروق شديدة جداً، تصل إلى حروق من الدرجة الرابعة، وسط حالة من الدهشة والذهول بين الأطباء، حول نوعية الأسلحة المستخدمة من قبل الاحتلال والتي تحدث مثل هذه الإصابات.
وأكد الناطق باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة، أن الطواقم الطبية تواجه إصابات بحروق شديدة، واذابة للجلد، لم تشاهده من قبل على أجساد الجرحى، ويصعب التعامل معها.
وطالب الناطق باسم وزارة الصحة في قطاع غزة، الدكتور أشرف القدرة، المؤسسات الدولية بالكشف عن طبيعة السلاح المستخدم في اذابة جلد الجرحى، واحضار العلاجات اللازمة له بشكل عاجل.
بينما يقول الدكتور أحمد المخللاتي، رئيس قسم الحروق في مجمع الشفاء الطبي، أن قسم الحروق في مستشفى الشفاء يتسع لعشر أسرة، لكنه استقبل في غضون الأيام الماضية اكثر من 100 حارة حروق، بينهم أطفال ونساء، أكثر من نصفهم كانوا يعانون حروق شديدة، تغطي نحو 50% من الجسم، من الدرجة الثالثة والرابعة، ورعايتها يحتاج لمراكز متطورة، وأنواع من الجلد الطبي لتغطية مكان الحرق، وهي غير متوفرة في قطاع غزة، وهذا للأسف أدى إلى فقد الكثير من الجرحى حياتهم، خاصة مع القدرة المحدودة لغرف العناية المركزة في مثل هذه الظروف.
وأوضح أن الاحتلال يستخدم في هذا العدوان أنواع جديدة وغير معهودة من الأسلحة، فكل صاروخ يسقط يصل مصابون بالحروق، وهذا لافت لم يكن موجودا في عدوان 2014، والاحتلال ويبدو اظن الاحتلال يستخدم القطاع كحقل تجارب لأسلحته، ويحاول قتل أكبر عدد من المصابين، فمن لم يمت بالشظايا، يموت بالحروق.
حرب نفسية مستعرة
وإلى جانب الحرب التقليدية، والقصف والدمار، يشن الاحتلال حرباً نفسية على مدار الساعة ضد مواطني قطاع غزة، ما يتسبب بنشر الخوف والهلع، ويزيد النزوح، ويشعر الناس أنهم مهددون حتى في بيوتهم.
فبعد تلقي المواطنين اتصالات هاتفية، ورسائل نصية وصوتية على هواتفهم النقالة، يواصل الاحتلال إلقاء المنشورات على الأحياء السكنية، بعضها تطالبهم بالنزوح، وأخرى تطلب إمداد الجيش الإسرائيلي بمعلومات عن أسراهم مقابل ضمان أمن عائلة المبلغ ومكافأة مالية.
لكن أكثر ما يصير مخاوف المواطنين الاتصالات التي تصل تطالب بإخلاء مربعات سكنية، كما حدث في مخيم الشابورة، وحيي الرمال وتل الهواء، وغيرها الكثير من المناطق.
وقال المواطن أحمد رزق، إن الاحتلال اتصال بمواطن من سكان مخيم الشابورة شمال محافظة رفح، وطلب منه إخلاء مربع سكني كامل، وفي غضون وقت قصير فزع الناس، وبدأت العائلات تخلي منازلها، ولم يجد المواطنون مكانا ينزوحوا إيله سوى المستشفى الكويتي.
وقال الناس في وضع نفسي سيء، فبالإضافة للخوف والقلق، هم عاجزون عن اتخاذ القرار المناسب، فيخشون حال عودتهم للمنازل أن يدمرها الاحتلال على رؤوس ساكنيها، ومن باب آخر يتوقعون ان يكون ما سمعوه مجرد حرب نفسية، وان الاحتلال لا ينوي قصف المنطقة.
في حين قال المواطن النازح من مخيم جباليا، إن أسوأ شيء عاشه هو الحرب النفسية، فبعد وصول أخبار وشائعات بنية الاحتلال قصف المربع السكني الذي يقيم فيه، نزح لمنطقة أخرى، وما هي الا ساعات حتى انتشرت شائعات لا يعلم مصدرها عن قصف المربع الذي نزح وعائلته إليه، فانتقل لمنطقة ثالثة، ثم رابعة، حتى وصل أخيرا لمحافظة رفح، إذ يقيم حالياً في مدرسة إيواء، ولا يعلم ربما يطلب جيش الاحتلال منهم إخلاء المدرسة التي يتواجدون فيها، كما حدث مع خمس مدارس غرب مدينة غزة.
حزن وحسرة
باتت مشاعر الحزن والحسرة سمة دارجة بين كل سكان القطاع، نظرا لما مروا به من ظروف عصيبة، ولكثرة حالات الفقد التي طالت معظم العائلات والبيوت.
فلا تخلو عائلة من فقد شخص أو أكثر، ولا يخلوا شارع من كارثة، ولا يخلو مربع سكني من أكوام من الركام التي قضت تحتها عائلات كاملة.
الشاب إكرامي الجمل أكد أنهم فقدوا شقيقهم وبناتها الخمسة شهيدات بعد قصف المنزل الذي كانت تتواجد فيه، ومنذ ذلك الوقت سكن الحزن والألم بيتهم، وباتت الحياة باهتة، لا معنى لها.
وبين أن استمرار المجازر والفقد في كل مكان يثير حزنهم أكثر وأكثر، ولا يعلمون ما ستحمله الأيام المقبلة لهم، ويدعون الله بالرحمة لشقيقتهم وبناتها، وأن يجبر أهل غزة.
أما المواطنة أمل حمدان، فأكدت أنها وعائلتها كانوا يعيشون أجواء الحزن والقهر على الضحايا وعائلاتهم منذ بدء العدوان، حتى فُجعت عائلتهم باستشهاد شقيقتها وأبنائها الأربعة دفعة واحدة، مؤكدة أن الفقد صعب، خاصة في ظل هذه الظروف، التي لا يجد المكلومون فيها من يواسيهم ويأخذ بخاطرهم.
ورغم أنه لم يفقد أحدا من عائلته، إلا ان المواطن محمد رشيد أكد أنه لا يوجد بيت في غزة لا يسكنه الحزن والخوف، فأصوات القصف وسيارات الإسعاف، ومشاهد الشهداء كفيلة بأن تجعل الناس يعيشون معاناة تنعكس على كل تفاصيل حياتهم.
وأكد أن أغلب سكان قطاع غزة يفتقدون النوم الهادئ، ويعتقدون أن الغارات المقبلة قد تستهدف أحيائهم أو منازلهم، ويعيشون في قلق مستمر، ويخشون مما ستحمله الأيام المقبلة لهم، خاصة في ظل استمرار تهديدات الاحتلال بتصعيد عدوانها ضد قطاع غزة.
وأوضح أن الجميع لا يمتلكون سوى الصبر والدعاء، كي يزيح الله هذه الغمامة السوداء، ويتوقف مسلسل القتل والتدمير غير المسبوق في قطاع غزة.
المستشفيات تغص بالنازحين
دفع رعب الغارات، وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها، عشرات الآلاف من المواطنين للنزوح باتجاه المستشفيات طلباً للأمان، إذ غصت الأخيرة بالمواطنين النازحين الفارين من ويلات الحرب.
وامتلأت معظم المستشفيات الحكومية والخاصة بالنازحين، خاصة الشفاء، ناصر، القدس، وغيرها، وسط افتقار هؤلاء النازحون لأبسط مقومات الحياة.
وقال الدكتور أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة في قطاع غزة، إن المستشفيات تحولت إلى مراكز إيواء، وباتت ممراتها وأقسامها وساحاتها تعج بالنازحين، ما يعيق تقديم خدمات طبية آمنة، ويعرض حياة الجرحى الذين يعانون من جروح وحروق للالتهابات والتقرحات الشديدة، لافتا إلى أن النازحين المتواجدين في المستشفيات طلباً للحماية والأمان يعانون من بيئة غير ملائمة، ولا تتوفر فيها المياه الكافية، ولا النظافة الشخصية، وباتت تنتشر بينهم الأوبئة والأمراض بشكل سريع.
في حين يقول المواطن النازح أكرم مطر، إنه لم يجد مكاناً آمناً يتوجه إليه، بعد تدمير منزله، ومنزل أقاربه الذي التجأ اليه، واصابة عدد من أفراد أسرته، ما اضطره في نهاية المطاف للجوء لمستشفى ناصر غرب محافظة خان يونس.
وأكد مطر أن طائرات الاحتلال تتعمد يومياً قصف أهداف عدة في محيط المستشفى المذكور، وتحدث حالة من الفزع في صفوف النازحين والمرضى.
وشدد على أنهم يعيشون ظروفاً عصيبة، ويفتقدون لكل مقومات الحياة، من مياه، ومأكل، وملبس، ولا يجدون مكان ملائم للنوم، ولم يستحموا منذ أيام طويلة، ولا يعرفون على متى سيظلون في المستشفى.
رفض التهجير
ما زال مئات آلاف المواطنين صامدون في بيوتهم بمدينة غزة وشمال القطاع، يرفضون الانصياع لأوامر الاحتلال بالنزوح على مناطق جنوب وادي غزة، بل إن آلاف النازحين عادوا مؤخراً من محافظات جنوب ووسط القطاع باتجاه الشمال.
وقال المواطن إبراهيم حمدان، إنه نزح إلى مدينة رفح أقصى جنوب القطاع مع اسرته، وأقام في مدرسة تابعة لوكالة الغوث "الأونروا"، نحو أسبوعين كاملين، لكنه في النهاية سئم وتعب، ما اضطره للعودة إلى منزل، خاصة أن القصف والغارات باتت في كل مكان، في الجنوب والشمال.
وأضاف حمدان: " كم من شخص ترك منزله واستشهد في النزوح، وآخرون بقوا في منازلهم في غزة والشمال ولم يمسسهم سوء.
وأوضح أن عودته إلى غزة شجع الكثير من أقاربه وجيرانه على فعل الشيء ذاته، خاصة وأننهم يعانون الأمرين في مراكز الإيواء، لافتا إلى أن ثمة حركة عكسية، والناس تعود من منازلها لشمال القطاع، في تحد للاحتلال وقراراته، وهي خطوة، أفشلت مخططات الاحتلال بالنزوح.
بينما أكد مواطنون من سكان مدينة غزة والشمال لـ"فلسطين بوست"، انهم لم ولن يرحلو عن بيوتهم، فإما يموتوا فيها شهداء، أو ينجوا من القصف والغارات، مؤكدين أن الخروج من المنزل في مثل هذه الظروف يمثل خطر كبير، فالطائرات تستهدف المركبات وحافلات النازحين، كما أن الوجود في مناطق وسط وجنوب قطاع غزة يمثل خطر حقيقي، والأهم من ذلك أن النازحين سيواجهون هناك ظروفاً معيشية اصعب بكثير من تلك التي واجهوها في شمال غزة.
كتب: محمد الجمل