يتواصل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لليوم 75 على التوالي، ومعه تتواصل المذابح، وتتصاعد المواجهات المسلحة، ويزداد التهجير والمعاناة الإنسانية.
"فلسطين بوست"، تواصل نقل مشاهد حية من قلب العدوان، وتسلط الضوء على أبرز الأحداث واللقطات، منها الاشتباكات المسلحة المتواصلة، وما يحدث في محافظة خان يونس من حرائق مستمرة، ومخاطر القذائف غير المفجورة، مع التركيز على مشكلة نقص الأدوية في الصيدليات.
قتال الحواري والأزقة
منذ بدء الهجوم البري على قطاع غزة، والذي شمل تسعة مناطق في القطاع، بدءاً من مناطق الشمال وحتى محافظة خان يونس، تتواصل الاشتباكات المسلحة في جميع المناطق، خاصة في جباليا، بيت حانون، حجر الديك، الشاطئ، الشيخ رضوان، وفي جميع أحياء ومخيمات وبلدات محافظة خان يونس.
وبدا أن الاشتباكات عنيفة، وتتخذ أسلوب حرب العصابات، وفق ما أعلنته وسائل إعلام إسرائيلية، التي أكدت أن الجيش الإسرائيلي يواجه مقاومة ضارية في كل شارع وزقاق.
وقالت "كتائب القسام"، الذراع العسكرية لحركة "حماس"، في سلسلة بلاغات صدرت عنها في الأيام والأسابيع الماضية، إن مقاتليها خاضوا معارك ضارية من «مسافة صفر» مع القوات الإسرائيلية المتوغلة غرب مخيم جباليا، وفي خان يونس، والشجاعية، ونجحوا بتدمير عشرات الدبابات والآليات العسكرية، كما قنصوا جنود، وهاجموا تحصينات للاحتلال.
في حين أكد محللون عسكريون أن حصيلة قتلى جيش الاحتلال الإسرائيلي، خلال عدوانه الحالي أكثر من ضعف حصيلتها خلال الهجوم البري عام 2014، مما يعكس استخدام حركة "حماس" تكتيكات حرب الشوارع بشكل فعّال، وتنويع ترسانتها العسكرية.
واستخدمت "حماس" مخزونا كبيراً من الأسلحة، إضافة إلى معرفتها بالتضاريس الدقيقة للقطاع، وفوق ذلك وجود شبكة أنفاق واسعة، كل ذلك مكّنها من تحويل شوارع غزة إلى متاهة مميتة لجنود الاحتلال الإسرائيلي، وفق ما أكده محللون ومتابعون للشأن العسكري.
وفي صور ومقاطع فيديو بثتها "القسام"، من مخيم جباليا، ومناطق الشجاعية، وخان يونس، تظهر قتالاً وجهاً لوجه في شوارع وأزقة وأبنية، حيث كان المقاومون يُطلقون النار والقذائف المضادة للدبابات.
بينما علق الخبير العسكري والاستراتيجي المعروف فايز الدويري، الذي يظهر على قناة الجزيرة الفضائية باستمرار، إن المقاومة الفلسطينية قدمت مفاجآت غير متوقعة خلال الحرب البرية، ونجحت بتكبيد الاحتلال خسائر كبيرة، وأن أكبر المفاجآت، كانت في منطقة "جحر الديك"، شرق مدينة غزة، التي استطاعت المقاومة شن هجمات ناجحة فيها اسفرت عنن قتل واصابة عشرات الجنود الإسرائيليين، حتى بعد 50 يوماً من احتلال تلك المنطقة، قائلاً: دخول الآليات للمنطقة، لا يعني بالمطلق السيطرة عليها.
في حين يقول "يعقوف أميدرو"، الجنرال المتقاعد بالجيش الإسرائيلي، والمستشار الأمني السابق الذي يعمل الآن في معهد جونسا للأمن القومي الأميركي، إنه لا توجد مقارنة بين ما يجري اليوم وحرب 2014، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي "لم يجد حلا جيداً للأنفاق" التي توسعت شبكتها بشكل كبير خلال العقد الماضي، وأن توسع نطاق هذه العملية يعني وجود المزيد من القوات على الأرض، مما يمنح حماس "ميزات المدافع" لذا كان من المتوقع حدوث خسائر أعلى في صفوف القوات الإسرائيلية".
ورغم القصف المدفعي والجوي الإسرائيلي الواسع على جميع المحاور، إلا أن الاحتلال لم ينجح بتطهير المناطق التي احتلها، والمقاومة في معظم مناطق التوغل تتواصل دون توقف.
خان يونس تحترق
مر نحو ثلاثة أسابيع متواصلة على بدء الهجوم البري الواسع على محافظة خان يوسن التي تقع جنوب قطاع غزة، ويقطنها أكثر من 430 ألف مواطن.
الهجوم البري والجوي والبحري على المحافظة، كان الأكبر الذي تتعرض له في تاريخها، إذ جرى خلاله إسقاط آلاف القنابل من الطائرات، وقصف متواصل على مدار الساعة باستخدام جميع أنواع القذائف والصواريخ، منها الفسفور الأبيض، والقنابل الدخانية، والقائف الحارقة، إضافة لأنواع عديدة من القنابل المسقطة من الطائرات.
هذا القصف الذي وصف بـ"الجنوني"، تسبب باحتراق المدينة، إذ تشاهد النيران والدخان تتصاعد من مناطق متفرقة من خان يونس على مدار الساعة.

وقال المواطن خالد سليم، إن القصف على مدينة خان يونس لا يتوقف واصوات الانفجارات تتواصل، وأينما نظر باتجاه المحافظة، شاهد أعمدة الدخان تتصاعد، وثمة حرائق تسببها القذائف لا تنطفئ أبداً.
وقال سليم الذي يقطن مناطق شرق محافظة رفح، إن الدخان لا يتوقف عن التصاعد من محافظة خان يونس، ويمكن رؤيته بسهولة من المناطق المرتفعة برفح، فتارة دخان ناتج عن القصف، وتارة بسبب قنابل دخانية، وفي كثير من الأحيان ينتج عن قنابل حارقة، تطلقها الدبابات فتتسبب باشتعال النيران في المنازل، والمزارع، وغيرها من الأماكن.
بينما قال المواطن محمود أبو طه، وفر من محافظة خان يونس، إن المحافظة تحترق بكل ما تحمل الكلمة من معنى، موضحاً أن هدف الاحتلال كان التركيز على إشعال الحرائق في كل مكان، منذ اليوم الأول من العدوان، وهذا بدا جلياً من خلال تعمد إحراق مصنع للبلاستيك في منطقة السطر الغربي، قبيل الهجوم البري بساعات، إضافة لإحراق مزارع، ومنازل، ومؤسسات.
وبين أبو طه أن القنابل الدخانية والحارقة، تسببت بتكوين ما يشبه سحابة سوداء فوق المحافظة، والاحتلال ماضٍ في عدوانه، ويواصل يومياً إحراق المدينة.
نقص حاد في الأدوية
إلى جانب شح الغذاء، ومياه الشرب النظيفة، يواجه سكان قطاع غزة مشكلة أكبر، تتمثل في ننقص حاد في الأدوية المباعة في الصيدليات، والتي يشتريها المواطنون، إما بعد الخروج من المستشفيات لاستكمال العلاج، أو لشراء أدوية كتبها أطباء في وصفات طبية لعلاج المرضى.
"فلسطين بوست"، جالت على عدد من الصيدليات، ورصدت نفاد معظم الأدوية الضرورية، خاصة عقاقير الأمراض المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكري، مسكنات الآلام، المضادات الحيوية، أغلب أدوية حاصرات ألفا، إضافة لشح كبير في حليب الأطفال.
وتشهد أغلب الصيدليات برفح، تكدساً من سكان مدينة رفح والنازحين القادمين من شمالي القطاع، على أمل الحصول على بعض العلاجات المفقودة، خاصة وأن امدادات الدواء مقطوعة، بسبب الحصار وعدم وصول أدوية جديدة، ووجود أغلب مستودعات الأدوية موجودة في شمالي القطاع.
وأكد ثلاثة صيادلة لـ"فلسطين بوست"، أن الأدوية المتواجدة حاليا على أرفف صيدليته، "ليست من النوع الحيوي والضروري"، إذ تشمل الفيتامينات والمكملات الغذائية، وليس عليها طلب كبير.
في حين قال الصيدلاني محمد يوسف، إنه ورغم دخول مساعدات طيبة للقطاع عبر معبر رفح الحدودي مع مصر، إلا أن أغلبها عبارة عن أدوية تخدير، وأخرى مخصصة للعمليات الجراحية وما بعدها، دون أن تحتوي على أدوية لعلاج الأمراض المزمنة، وحالات مرضية أخرى.
بينما أكد صيادلة أن مشكلة فقدان أدوية المضادات الحيوية، يعتبر أمر خطير للغاية، فأي شخص مصاب أو أجرى عملية جراحية، أو لديه التهاب بكتيري، سيزيد لديه الالتهاب، وسيضعف التئام الجرح، وسيحدث له مضاعفات ومشاكل كثيرة، مؤكدين أن غالبية مسكنات الألم للكبار والصغار، ومراهم الجروح، نفدت أو قاربت على النفاد.
وكانت السلطات الصحية في القطاع قد أعلنت مؤخراً، نفاد "كافة لقاحات الأطفال" من القطاع، مطالبة بضمان وصولها إلى كلّ المناطق، من أجل منع وقوع كارثة.
وأكدت وزارة الصحة في غزة، أن لذلك "انعكاسات صحية كارثية على الأطفال، وانتشار الأمراض، خصوصاً بين النازحين في مراكز الإيواء المكتظة".
القذائف غير المفجورة
باتت القذائف الغير مفجورة إحدى أبرز التحديات التي تواجه المواطنين، وتهدد حياة الأبرياء، نظراً لما تشكله من خطر كبير على المواطنين عامة، ومن سقطت تلك المقذوفات في منازلهم أو على مقربة منها على وجه التحديد.

ورصدت جهات الاختصاص عشرات بل مئات القذائف والصواريخ التي أطلقت تجاه القطاع ولم تنفجر، بعضها سقطت في مناطق مأهولة، وأخرى في أحياء خالية، ومناطق زراعية.
وتعاملت الجهات المختصة مع عدد من هذه المقذوفات، فيما لازالت أخرى مكانها، إذ لجأ مواطنون مؤخراً بوضع علامات وإشارات على تلك القذائف بهدف تمييزها، وإظهارها للمارة، خشية ان ترتطم بها عربة، أو مركبة.
وقال مصدر مطلع لـ"فلسطين بوست"، إن هناك نسبة من القذائف على مستوى العام تُطلق ولا تنفجر، وهذه القنابل والقذائف تمثل خطر كبير، فبعضها ممكن أن تنفجر بمجرد تحريكها، وأخرى بحاجة لتعامل مختصين، لذلك يحظر على المواطنين الاقتراب منها، أو تحريكها.
وأكد أن بعض الصواريخ الكبيرة في حال انفجرت ممكن أن تتسبب بكارثة، ومن المفضل حال سقطت داخل منزل أو في محيطه، إخلاء المنزل لحين إبعاد هذا الخطر.
وأكد مواطنون نازحون من شمال القطاع ومحافظة خان يونس لـ"فلسطين بوست"، إن القذائف التي لم تنفجر تنشر في كل مكان، في الشوارع، وقرب المباني، والناس يخشونها، وثمة شائعات، بأنها ألقت عمداً حتى لا تنفجر، ويتم تفجيرها لاحقاً، بالتحكم عن بعد، إما بواسطة طائرات الاستطلاع، أو عبر موقت زمني، لذلك لا يقترب منها أحد.
وثمة مخاوف من وجود قذائف وقنابل غير مفجورة متواجدة تحت الركم، أو مدفونة في الأرض، ما قد يشكل خطر على الفرق التي ستأتي لاحقاً لرفع الأنقاض، أو على المزارعين ممن سيحاولون لاحقاً إعادة تأهيل أراضيهم الزراعية.
كتب: محمد الجمل