يواجه أكثر من 10 آلف مريض سرطان في قطاع غزة، الموت البطيء، بعد أن دمر الاحتلال بشكل متعمد مستشفى "الصداقة التركي الفلسطيني"، وهو المشفى الوحيد المخصص لعلاجهم في قطاع غزة ، ومنع وصول أدويتهم، خاصة جرعات "العلاج الكيميائي"، وحبسهم في قطاع غزة، ومنعهم من السفر لاستكمال علاجهم في الخارج.
ضحايا الحرب
وقال مدير مستشفى السرطان "الصداقة التركي"، الدكتور صبحي سكيك إن جيش الاحتلال استهدف أكثر من مرة المستشفى الصداقة الواقع جنوب مدينة غزة والمتخصص لمرضى السرطان، وتعمّد إخراجه عن الخدمة تماماً وبشكل قسري، وحال دون تمكن الفرق الطبية التي اضطرت لإخلائه، من اخذ بعض الادوية والمعدات الطبية المخصصة لعلاج المرضى.
وأكد سكيك أن هناك 10,000 مريض سرطان في قطاع غزة، والآن يعيشون ظروفاً قاهرة وغير إنسانية، وحالياً لا يوجد أي نوع من الأدوية الخاصة بعلاج مرض السرطان في قطاع غزة.
وأوضح سكيك أنه تم رفع أكثر من 2,200 تحويلة عاجلة لمرضى السرطان من أجل تلقى العلاج في الخارج، وقد سافر عدد محدود منهم لبعض الدول الشقيقة، ولكن بقي آلاف مرضى السرطان ينتظرون السفر للعلاج.
وفق سكيك فإن "المريض إنْ لم يأخذ علاجه فهو أمام خيارين، إمّا أن ينتشر المرض بجسده وإمّا أن يلقى الموت المحتّم"، إذ شهدت الأسابيع الماضية وفاة نحو 50 مريضاً من المصابين الذين كانوا في مستشفى الصداقة، جرّاء نقص الأدوية وعدم تلقي الرعاية الصحية المنضبطة، وفق سكيك.
ويفضل الكثير من مرضى السرطان في غزة الموت في خيمة النزوح برفقة عائلاتهم على أن يبقى في المستشفى من دون أن يتلقوا العلاج، وهو ما يتطلب من المنظمات الدولية والصحية الاهتمام باحتياجات مرضى السرطان، والتدخل لتوفير العلاجات لهم بشتى السبل".
وطالب الدكتور صبحي سكيك دول العالم الحر بالإسراع في تحويل مرضى السرطان للعلاج في الخارج بأقصى سرعة ممكنة، وأيضا ضمان توفير العلاج الخاص بهم بشكل فوري وعاجل.
كما ناشد الدول، وخصوصا دولة تركيا، والتي تتبع لها المستشفى وتحمل اسمها، بضرورة إعادة تشغيل مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني والذي يعتبر الملاذ الوحيد لمرضى السرطان في القطاع.

مرضى يصارعون الموت
وأكدت مصادر طبية أن العشرات من مرضى السرطان توفووا منذ بدء العدوان، وتسارع نفاذ الادوية، خاصة جرعات الأدوية الكيميائية، ومنع سفر المرضى ومرافقهم للخارج، وأن ثمة المئات يعانون اشتداد المرض، وتفاقمه مع فقد العلاج اللازم لهم.
ومن المرضى اللذين توفا خلال انتظار العلاج شقيقة الشاب إسماعيل حماد، والتي كان من المفترض أن تغادر قطاع غزة في الثامن من أكتوبر/تشرين أول الماضي، لكنها منعت من مغادرة قطاع غزة، وعولجت فترة قصيرة في مستشفى الصداقة التركي، وبعد خروجه عن الخدمة، ونفاذ الأدوية، بدأت حالتها الصحية تتدهور بشكل تدريجي.
وأكد حماد لـ"فلسطين بوست"، أنها دخلت المشافي المحلية أكثر من مرة، لكن حالتها واصلت التدهور، حتى دخلت في غيبوبة، وتوفيت، على الرغم من أن الأطباء في مستشفيات الضفة الغربية كانوا أكدوا أن حالتها تحسنت كثيرا مؤخرا، وأن العلاج الذي كان مفترض أن تتلقاه في الثامن من أكتوبر، كان من شأنه شفائها من المرض.
بينما يقول هارون المدلل، ويعاني ابنه حسن من مرض السرطان منذ عدة سنوات، وسافر اكثر من مرة لمستشفيات الضفة الغربية والداخل المحتل، إن الحالة الصحية لابنه تدهورت بشكل حاد وكبير في الآونة الأخيرة، وبات يعاني انخفاض كبير في مناعة الجسم.
وأوضح المدلل لـ"فلسطين بوست"، أنه ومنذ أن أغلق الاحتلال معبر بيت حانون "إيريز"، ومنع سفر المرضى، كان ابنه يعالج في مستشفى الصداقة التركي، قبل مهاجمته من قبل الاحتلال وخروجه عن الخدمة.
وبين المدلل أن الأدوية الخاصة بعلاج مرضى السرطان فقدت تماماً من المستشفيات، ولم يستطع حتى شرائها من الصيدليات الخارجية، ولا حتى طلبها من مصر مع مسافرين، نظراً لتوقف حركة المعبر، ولا يعلم كيف يتصرفون.
وأشار إلى أن ابنه حسن دخل المستشفى أكثر من عشر مرات خلال الشهرين الماضيين، وكان الأطباء يحاولون تحسين جهاز المناعة لديه، لكن الأمور سيئة، فهو بحاجة لجرعات من العلاج الكيميائي وأدوية خاصة.
وبين المدلل أن اسم ابنه مرشح للسفر إلى خارج القطاع، لكنه ينتظر موافقات أمنية، حتى يصدر اسمه، ويسمح له بمغادرة القطاع، آملا أن يحدث ذلك بأسرع وقت ممكن.
أما المواطن محمد قدوحة، ويقطن مدينة غزة، ونزح مؤخراً على محافظة رفح، فيعيش معاناة مزدوجة، إذ تعاني إحدى بناته من مرض بالسرطان، وأخرى تعاني من أزمة تنفسية، وهو ما يزيد الضغط عليه، خصوصاً مع المعاناة الشديدة في مدارس الإيواء وافتقارها إلى كثير من الخدمات الصحية.
وأكد أنه يواجه مشكلة في علاج ابنته المصابة بالسرطان وشقيقتها الأخرى، في ضوء توقف المستشفى التركي بشكلٍ كامل جرّاء الحرب الإسرائيلية والأحداث التي رافقتها من عملية برية".
أما الطفل محمد سرور، 6 سنوات، فيعيش معاناة كبيرة، بعد منعه من السفر لإكمال جرعات العلاج من مرض السرطان، إذ يقول الطفل ذو الوجه الباسم، إنه يعاني مرض سرطان الدم، وكان قبل العدوان يعالج في مستشفى في مدينة نابلس بالضفة الغربية، لكنه الآن يتواجد في غزة، ويعاني متاعب صحية كبيرة.
قال الطفل سرور بلهجة عفوية: " صرت أتعب، وبطلت قادر أمشي، نفسي أصير زي باقي الأطفال.. نفسي أصير دكتور وأعالج المرضى".
وحسب المرصد "الأورومتوسطى" لحقوق الإنسان فإنه وثق وفاة العشرات من مرضى السرطان في قطاع غزة، في ظل إغلاق مستشفى الصداقة التركي-الفلسطيني، وعدم توفر الرعاية اللازمة لهم في بقية المستشفيات.
ووفق منظمة الصحة العالمية فإن عام 2022 شهد تشخيص إصابة 122 طفلاً في قطاع غزة بالسرطان، ومعظمهم بسرطان الدم تحديداً، ولكن هؤلاء الأطفال لا يتلقون إلا جزءاً من الرعاية اللازمة لهم داخل غزة بسبب الافتقار إلى بعض الخدمات الخاصة بمرضى السرطان، ومن ثم يحتاجون إلى الإحالة إلى المستشفيات في الضفة الغربية.
وفي وقت سابق، قال وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة، إن استهداف العاملين بمجال الرعاية الصحية ومرضى السرطان وتركهم ليموتوا "يعدّ جريمة حرب". وأوضح أن هذا المستشفى الذي أنشأته الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا"، وأهدته لفلسطين، كان يضم 80 مريضاً يتلقون العلاج من السرطان، لكن نقص إمدادات الأدوية والوقود عطّل علاجهم.
في حين أعلنت منظمة الصحة العالمية دقّ ناقوس الخطر، محذّرة من تدهور أكبر للأحوال الصحية في القطاع، وأن الآلاف لا يزالون بحاجة إلى الحصول على الخدمات الصحية العاجلة والأساسية، في ظل نقص الأدوية والإمدادات الصحية، ونقص الوقود والمياه والغذاء، مع وجود أكثر من ألف مريض بحاجة لغسل الكلى للبقاء على قيد الحياة، والآلاف يعالجون من السرطان، و45 ألفاً من مرضى القلب والأوعية الدموية، وأكثر من 60 ألف مريض بالسكري.
كتب: محمد الجمل