يتواصل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بوتيرة أكثر عنفاً، لليوم 100 على التوالي، مع اشتداد الحصار، وزيادة المعاناة.
"فلسطين بوست" رصدت مشاهد من العدوان والمعاناة، منها تحول المسيرات لسلاح صامت يلاحق المواطنين ويقتلهم، وما حل بمحافظة خان يونس، من خراب غير معالمها، وتسليط الضوء على مجزرة عائلة الأسطل، التي راح ضحيتها 62 مواطن، ومشهد أخير بعنوان "عقوبات صامتة تفتك بالغزيين"
المُسيرات قاتل صامت يلاحق المواطنين في الشوارع والمنازل
طور الاحتلال سلاح المُسيرات، وحوله لآلة قتل فتاكة، تُلاحق المواطنين في منازلهم، وفي الشوارع، والأزقة، وتُحول حياتهم لرعب، وتفقدهم الأمان.

ولأول مرة يضع الاحتلال رشاشات وبنادق قنص على الطائرات المسيرة الصغيرة المزودة بمراوح "كواد كابتر"، ويطلقها لتحلق فوق الشوارع والمنازل، لاسيما في المناطق التي تشهد عمليات توغل، وفي الأحياء القريبة منها، إذ تطلق هذه المُسيرات، النار تجاه المواطنين، سواء كانوا في الشوارع، أو حتى في منازلهم، من خلال النوافذ.
وقالت شهود عيان إن عشرات الشهداء والجرحى متواجدين في الشوارع والمنازل، بعد استهدافهم من قبل تلك الطائرات، خلال محاولتهم النزوح عن مساكنهم في مناطق متفرقة من القطاع، لاسيما محافظة خان يونس، ومخيمي البريج، والمغازي، ولا أحد يستطيع الوصول إليهم.
وقال المواطن أحمد ربحي، من سكان مخيم المغازي وسط القطاع، إنه حُوصر في منزله ليومين، وبعدد أن تأكد خلو الشارع من الدبابات والقناصة، قرر وعائلته وجيرانه المغادرة، والنزوح عن المنطقة، لكنهم فوجئوا بتلك الطائرات تحلق فوقهم، وتطلق النار عليهم، ما تسبب باستشهاد أحد جيرانه، وإصابة ابنه بجروح، وقد تمكن من الفرار من المنطقة، ومعهم ابنه الجريح، وبصعوبة وصلوا للمستشفى.
في حين أكد مواطنون لـ"فلسطين بوست"، أن الطائرات المُسيرة حولت محيط مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع لساحة موت ورعب، إذ قال المواطن محمد عطية، أحد النازحين لمحافظة رفح، إن أخطر ما في تلك الطائرات أنها تصل وتحلق بدون إصدار أي صوت، ولا أحد ينتبه إليها، ففجأة يُسمع إطلاق النار، ويبدأ المواطنون بالتساقط.
وأكد أن الناس أصيبت بالرعب، والجميع باتوا يمشون في الشوارع وهم ينظرون للأعلى خوفاً منها، وهي التي تسببت بنزوح أغلب المواطنين، ممن كانوا يتواجدون في محيط مستشفى شهداء الأقصى، أملا بأن يجدوا الأمن قربه.
ووفق الناطق باسم وزارة الصحة في قطاع غزة الدكتور أشرف القدرة، فإن الاحتلال الاسرائيلي يقوم بإرهاب المرضى والطواقم الطبية في مستشفى شهداء الأقصى، من خلال المُسيرات، التي تُطلق نيرانها بكثافة تجاه أقسام وساحات المستشفى، وتستهدف كل من يتحرك، موضحاً أن الجرحى والمرضى يهربون من مستشفى شهداء الاقصى تحت نيران المُسيرات الإسرائيلية.
وأكد القدرة أن الاحتلال يسعي لإخراج المستشفى عن الخدمة بأسلوب جديد، من خلال الاستهداف بنيران المُسيرات، وإن خروج المستشفى عن الخدمة هو حكم بالإعدام على آلاف الجرحى والمرضى في المنطقة الوسطى.
خان يونس.. معالم تغيرت وأحياء لم يعرفها سكانها
لم تعد محافظة خان يونس، التي كانت تسمى عاصمة الجنوب كما كانت قبل العدوان، إن دمر الاحتلال معالمها، وحول أحيائها ومنازلها إلى أكوام من الركام، ودمر بشكل شبه كامل البنية التحتية فيها.

وبدا الدمار في مناطق شمال المحافظة وغربها وشرقها كبيراً، خاصة بعد نسف الاحتلال مربعات سكنية، وتجريف وقصف مئات المنازل، كما دمرت قوات الاحتلال برج الفرا، المكون من 16 طابقاً، ويعتبر أعلى وأكبر مبنى في مناطق جنوب القطاع، ودمرت "مسجد السنية"، وهو أكبر وأقدم المساجد في المحافظة، ودمر أغلب المنازل في بلدة خزاعة، وكذلك برج رمانة 2، وبرج فروانة، وعمارة أبو هلال، وغيرها.
وقال السائق إبراهيم عيد، من سكان محافظة خان يونس، ويقيم حالياً في رفح، إنه وبعد شهر كامل من العدوان، وصل إلى بعض المناطق في محافظة خان يونس، وركن مركبته في أحد الشوارع، ثم ترجل وسار في بعض المناطق التي كانت تتواجد فيها الدبابات وانسحبت منها، لكنه فوجئ بتغير معالمها، لدرجة أنه لم يتعرف على بعض المناطق.
وأكد عيد أن الوضع صعب، ومناطق واسعة في غرب المدينة تحولت إلى أكوام من الركام المتناثرة هنا وهناك.
فيما قال المواطن محمد النجار من سكان بلدة خزاعة الحدودية،، إنه شاهد مقاطع فيديو نشرها جنود إسرائيليون على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر مشاهد من تفجير الاحتلال مربعات سكنية في بلدة خزاعة، وبالكاد استطاع التعرف على المنطقة التي يقطن فيها، من خلال بعض المعالم التي ما زالت موجودة.
وأكد النجار أن ما شاهدته كان صعباً وصادماً، فالمنطقة تغيرت بالكامل، وتكاد تكون مسحت عن بكرة أبيها، والبلدة شبه اختفت عن الخارطة.
في حين قال مواطنون من منطقة السطر الغربي وشارع 5 غرب المحافظة، إن معالم المنطقة تغيرت، والشوارع اقتلعت، والمنازل دُمرت، لدرجة أن بعض السكان لم يستطيعوا حتى معرفة حدود منازلهم.
وتساءل مواطنون كيف يمكن لمحافظة خان يونس إعادة استقبال مواطنيها النازحين بعد كل هذا الدمار، وأين سيقيم هؤلاء المواطنون في المستقبل.
مجزرة عائلة الأسطل
تكشفت في الأيام الماضية فصول مجزرة تعد من أكبر وأفظع المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال منذ بدء العدوان على قطاع غزة.
وعلمت "فلسطين بوست"، من مصادر عائلية، أن المجزرة المذكورة راح ضحيتها أكثر من 62 شخصاً، يشكلون ثماني عائلات كاملة، جميعهم استشهدوا، وبقوا تحت ركام المنزل المذكور منذ نحو 30 يوماً، وحتى لحظة كتابة هذا المشهد.
وفي تفاصيل الحادثة، التي رواها عدد من أقرباء الضحايا، ونقلت جزء منها الشهيدة الصحافية هبة العبادلة، إحدى ضحايا المجزرة، قبيل استشهادها بوقت قليل، إذ أكدت العبادلة أنها وعدد كبير من المواطنين، منهم نساء وأطفال محاصرين في عدة منازل في منطقة السطر الغربي، بمحافظة خان يونس، وأن قوات الاحتلال تطلق النار والقذائف على المنازل.
ووفق المصادر المحلية، فإن قوات الاحتلال أجبرت ومن خلال إطلاق النار العائلات على التجمع في منزل واحد، قبل أن يتم قصف المنزل على رؤوس ساكنيه، وقتل جميع من فيه.
وقال شهود عيان استطاعوا الوصول للمنزل في الأيام الماضية، إمهم شاهدوا جثامين متحللة في الشارع، وفوق الركام، بينما تتواجد العديد من الجثامين تحت الركام، ولم تستطع فرق الإنقاذ الوصول للضحايا حتى الآن، بسبب تواجد الدبابات في محيط المناطق المقصوفة.
وحصلت "فلسطين بوست"، على أسماء العائلات التي أبيدت في المجزرة المذكورة، وهم الحاج نايف مصطفى الأسطل، وزوجته أسماء الأسطل، وابنه عادل الاسطل وزوجته فردوس الاسطل، وابنائه محمد، ورفيق، وأنيس، وبلال وزوجاتهم وأحفاده.
وكذلك مروان محمد الاسطل وزوجته زينات وأبنائه وأحفاده، وماهر محمد الأسطل و زوجته عطاف وجميع أبنائه وبناته.
إضافة إلى عائلة المواطن أنيس محمد الأسطل بالكامل، ومحمد رشاد الأسطل، وزوجته نادية وليد الاسطل، وبناته ولاء، وندى، ولين، وابنائه وليد، ورشاد، وعائلة المواطن مدحت رشاد الأسطل، ورويدة محمد الأسطل( العبادلة)، وزوجها أشرف العبادلة، والصحافية هبة العبادلة، وابنتها جودي عواد.
عقوبات صامتة تفتك بالغزيين
إلى جانب القتل المباشر، والقصف والتدمير، يستخدم الاحتلال سلسلة من العقوبات الصامتة، التي تفتك بالغزيين، منها تقنين دخول الأدوية، وإدخال المساعدات الغذائية بالقطارة، ومنع خروج المرضى والجرحى للعلاج، ما تسبب بتفاقم الحالة الصحية لهم، وفاة العديد منهم.
ووفق المرصد "الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان، فإن آلاف الجرحى والمرضى يواجهون خطر الموت الوشيك، بسبب الأمراض، والنقص الحاد في الأدوية في وقت تتفشى فيه الأوبئة بشكل خطير.
وأدان المرصد الأورومتوسطي بأشدّ العبارات منع وتقييد سلطات الاحتلال الإسرائيلية توريد الأدوية إلى المستشفيات والصيدليات في قطاع غزة، لا سيما في مدينة غزة وشمالي القطاع، معتبرًا أنّ ذلك يمثل "حكمًا بالموت على آلاف الجرحى والمرضى".
وأضاف المرصد: "هذا جزءًا لا يتجزأ من جريمة الإبادة الجماعية، وأداة أخرى من أدوات تنفيذ هذه الجريمة التي يُراد منها وبشكل مخطط ومقصود، إلحاق الأضرار الجسدية والعقلية الخطيرة بالسكان، وإخضاعهم لظروف شديدة القسوة، تؤدي في نهاية المطاف إلى هلاكهم الفعلي".
وقال المسئولون الطبيون إنّهم يواجهون أزمة حقيقية ونقصًا كبيرًا في أغلب أصناف الأدوية ومسكنات الألم، وغيرها من مستلزمات الرعاية الصحية الأولية والعناية المركزية والطوارئ، فيما يمتد النقص ليشمل حتى حليب الأطفال، واللقاحات الخاصة بالأطفال.
فيما يواصل الاحتلال سياسة الحصار، وتقنين دخول المساعدات لقطاع غزة، فرغم مرور نحو 100 يوم على العدوان، ومطالبة العالم لإسرائيل بزيادة وتيرة دخول المساعدات الإنسانية للقطاع، إلا أن وتيرة دخول هذه المساعدات مازالت محدودة، ما يحرم أكثر من 2 مليون شخص من المواد الغذائية التي يحتاجونها.
وقالت تمارا الرفاعي، المتحدث باسم وكالة الغوث الدولية "الأونروا"، إن المساعدات الإنسانية التي نقدمها من الغذاء والمياه والبطانيات، هي مجرد قطرة في بحر من الاحتياجات، موضحة أن عدد شاحنات المساعدات التي تدخل القطاع محدود للغاية، وقد طالبت المؤسسة الأممية بضرورة توفير ما لا يقل عن 500 شاحنة يوميًا من المساعدات الإنسانية، والتي تشمل الغذاء، والوقود، والمياه، والإمدادات الطبية.
بينما قال المستشار الإعلامي لوكالة الغوص الدولية عدان أبو حسنة، إن العائلة التي تتكون من ستة أفراد تحصل على علبة فول وزجاجتي مياه كل ثلاثة أيام، ونرى الجوع ينتشر في كل شارع، والناس تبحث عن رغيف خبز، موضحاً أن المساعدات الإنسانية التي تصل إلى قطاع غزة لا تكفي لتلبية 5% من احتياجات السكان".