بعد أقل من 3 أشهر على انسحاب الاحتلال من محافظة خان يونس، جنوب قطاع غزة، وعودة النازحين للمناطق التي قال الاحتلال عنها آمنة، فوجئ المواطنون بأوامر إخلاء جديدة، أصدرها الاحتلال، وشملت نحو نصف مساحة محافظة خان يونس، وأُجبر أكثر من ربع مليون مواطن على النزوح باتجاه منطقة المواصي الساحلية.
أوامر النزوح الجديدة، التي تبعها بساعات بدء هجوم واسع على مناطق بلدات بني سهيلا، خزاعة، عبسان الجديدة، عبسان الصغيرة، قيزان النجار، معن، جورة اللوت، السطر الغربي، الكتيبة، القرارة، والمحطة، ومنطقة السكة، وغيرها من المناطق، حيث وصف هذا الهجوم بالأوسع منذ أشهر.
إعدام للنازحين
العدوان الجديد ترافق مع جرائم واسعة ضد المدنيين، أبرزها ما حدث خلال الساعات الأولى من الهجوم الإسرائيلي، والتي جرى خلالها إعدام عشرات النازحين في الشوارع، خلال محاولتهم مغادرة المناطق التي طلب الاحتلال منهم إخلائها.
وبمجرد خروج الناس إلى الشوارع، بدأ الاحتلال بتنفيذ أوسع عمليات إعدام ميدانية تشهدها المحافظة منذ أكثر من خمسة أشهر، إذ أطلقت طائرة مُسيرة من طراز "كواد كابتر"، النار بشكل مباشر تجاه المواطنين، بينما قصفت الطائرات الحربية والمُسيرة تجمعات المواطنين، موقعة عدد كبير من الشهداء.
كما أطلقت مدفعية الاحتلال عشرات القذائف، التي جرى توجيهها الى الشوارع المكتظة، وتساقط الشهداء والجرحى في كل مكان، معظمهم، كانوا من النازحين، أغلبهم نساء وأطفال.
واستقبلت مستشفيات المحافظة، خاصة ناصر، عشرات الشهداء والجرحى، خلال ساعات معدودة، ما تسبب بأزمة ونقص حاد في الأسرة، والدم، دفعت المستشفى لإطلاق حملة من أجل التبرع بالدم، لإنقاذ الجرحى.
وقال المواطن عبد الله النجار، ويقطن في مناطق شرق خان يونس، إنه وبمجرد علمه بأوامر الإخلاء الجديدة بدأ على الفور بتجهيز حاجياته، واستعد للنزوح، وحين سمع أصوات الانفجارات فر وأسرته مشياً على الأقدام باتجاه الغرب.
وأوضح أنه وخلال سيره في الشارع بدأت عمليات قتل وإعدام النازحين، فقد شاهد تعرض النازحين لإطلاق نار من الطائرات، وإطلاق قذائف تجاههم.
وأكد النجار أنه شاهد عشرات الشهداء والجرحى في الشوارع، فهاذ يحمل ابنه الشهيد، وذلك يحاول إخلاء قريبه الجريح، وبعضهم كانوا يُنقلون الجرحى والشهداء على متن عربات كارو، ومركبات مدنية، وآخرون بقوا في الشوارع لم يتنس انتشالهم.
وأشار إلى أن ما حدث مع النازحين كانت جرائم وتعمد واضح في عمليات القتل، فطائرات "كواد كابتر"، كانت تصطاد النازحين، وتقتلهم واحداً تلو الآخر.
وأكد أن مشهد الناس وهي تجري في الشوارع محاولة النجاة من القصف والاستهدافات كان محزناً، فلم ينجُ من بقي في بيته، إذ جرى قصف عشرات البيوت، على رؤوس ساكنيها، ولم ينجُ كذلك من نزح، بعدما استُهدف النازحين في الشوارع.
وأكدت وزارة الصحة في قطاع غزة، أن الساعات إلـ 10 الأولى من العدوان على خان يونس، شهدت سقوط أكثر من 80 شهيداً ونحو من 280 مصاب، دون احتساب الشهداء ممن سقطوا في الشوارع، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من انتشالهم، بسبب كثافة النار.
وأعلن جيش الاحتلال عن بدء الفرقة 98 نشاط عسكري واسع "مزدوج فوق وتحت الأرض"، في محافظة خان يونس، حيث جرى تنفيذ عشرات الغارات الجوية، بالتزامن مع بدء تحرك بري تجاه تلك المناطق، وسط تقديرات إسرائيلية بأن تستمر العملية في خان يونس عدة أسابيع.
بينما قال المواطن يوسف شُراب، أنه نجا من موت محقق، بعد أن قرر وعائلته البقاء في المنزل، لاعتقاده بأن المنطقة التي يقطن فيها وسط خان يونس قد تكون بعيدة عن الاستهدافات، لكن ما حدث كان مروعاً، إذ كان هناك استهداف مباشر لكل شخص يتحرك، وقصف يستهدف المنازل المأهولة وغير المأهولة، وقد سقطت قذائف مدفعية في محيط منزله.
وأوضح شراب أن شهيدين سقطا في الشارع على بعد أمتار من باب المنزل، وفي اليوم التالي "الثلاثاء"، تيقن بأن البقاء في المنزل يعني موت الأسرة، خاصة بعد قصف الطائرات عدد من المنازل في الحي الذي يقطن فيه، فقرر النزوح وعائلته، وقسموا أنفسهم ثلاث مجموعات، كل مجموعة تخرج بفارق زمني ربع ساعة عن الأخرى، وكل مجموعة تسلك طريق مختلف عن الأخرى، على أن يلتقوا في نهاية شارع 5 غرب خان يونس.
وأكد أنه خرج في المجموعة الثانية، ولاحقتهم طائرة مُسيرة، وأطلقت النار تجاههم، وأصيب ابنه بجرح سطحي جراء خدش رصاصة ذراعه، وظلوا يركضون حتى وصلوا الى نهاية شارع 5، وانتظروا إلى أن تجمعت العائلة هناك، ثم انطلقوا في اتجاه منطقة المواصي.
وبين أن المجموعتين الأخيرتين تعرضتا لإطلاق نار وقذائف، لكن عناية الله حفظتهم، ولم يصب سوى نجله، موضحاً أن الجميع شاهدوا جثامين في الشوارع.
نزوح جديد
وأجبر العدوان الإسرائيلي البري الثاني على محافظة خان يونس، مئات الآلاف من المواطنين والنازحين على الفرار من منازلهم، مع تجدد المأساة، خاصة مع حشر المزيد من النازحين في منطقة المواصي الضيقة.
وبدا مشهد النازحين وهم يملؤون شوارع محافظة خان يونس مُحزناً، فالجميع خرجوا من بيوتهم يبحثون عن مأوى، في ظل عدم توفر وسائل نقل تقلهم إلى حيث يريدون.
واضطرت العائلات النازحة، التي نجت من القصف وإطلاق النار، للسير مسافات طويلة، وصلت إلى أكثر من 10 كيلو متر، في ظل أجواء شديدة الحرارة، وهم يحملون ما استطاعوا نقله من أمتعتهم.
ويقول المواطن أشرف جهاد، من سكان شرق خان يونس، إن تكرار النزوح أنهكه نفسياً ومادياً، فقد نزح حتى الآن 4 مرات، وكل مرة يحتاج مركبة نصف نقل لنقل أغراضه، يدفع مقابلها مبلغ يصل إلى 600 شيكل، وهذه المرة جاء النزوح الجديد، وهو لا يمتلك أي مال.
وأشار إلى أنه وعائلته تعبوا من النزوح، فكلما عادوا لبيتهم الذي نجا من التدمير، وبدؤوا بالاستقرار أجبرهم الاحتلال على النزوح من جديد.
وشوهد آلاف النازحين يحلسون في الشوارع، وينتشرون على شاطئ البحر، في ظل عدم وجود مكان يؤويهم، أو مساحة لوضع خيمة فيها، وسط مناشدات بتوفير مأوى للنازحين الجدد.
بينما قال المواطن عبد الرحمن صبح، إنه كان نازح في منطقة المواصي، وعاد إلى منزله الكائن في منطقة وسط خان يونس في شهر حزيران/يونيو الماضي، لكنه رفض تفكيك أو نقل خيمته، وأبقاها في عهدة شخص قريب له، خشية أن يجبره الاحتلال على النزوح مرة أخرى.
وأكد أنه وبعد حوالي الشهر، بدأ بالاستقرار، وأعاد صيانة بيته، وظن أن الأمور أصبحت جيدة، خاصة بعد تصنيف الاحتلال منطقة وسط خان يونس على أنها إنسانية آمنة، فقرر تفكيك خيمته، ونقلها للمنزل، حتى فوجئ بأوامر النزوح.
وبين أن عائلة نازحة وضعت خيمة مكان خيمته القديمة، ولا يعرف أين يذهب، فلا يوجد أي مكان لإقامة الخيمة، وقد بات ليلة في الشارع، ولجأ إلى خيمة أحد أقربائه، إلى حين يجد مكان.
تدمير ما تبقى في خان يونس
ولم يكتف الاحتلال بما أحدثه من دمار كبير في محافظة خان يونس، التي مكث جيشه فيها ما يزيد على 5 شهور، بل عاد لتنفيذ عمليات عسكرية جديدة فيها، قد تتسبب بتدمير ما بقي من منازل، وبنية تحتية.
ووفق مواطنون فإن ادعاءات الاحتلال بأن عمليته في خان يونس، لملاحقة مقاومين، كذب وتضليل، والهدف الحقيقي هو إكمال مهمة التدمير، ومسح ما بقي في المحافظة من مباني.
وأكد المواطن محمود حسونة، إن المقصود من هذه العملية تدمير ما بقي من خان يونس، وحرمان السكان من أي نوع من الاستقرار والأمان، فحتى المناطق التي حددها الاحتلال "إنسانية"، يتم إعادة اجتياحها وتدميرها.
وأوضح حسونة أن قدرة الناس في خان يونس على التعايش، وتأهيل بيوتهم، وإعادة افتتاح الأسواق، يبدو أنها أغاظت الاحتلال الذي استغرق أشهر طويلة حتى يحدث كل هذا الدمار، لذلك قرر توسعة الدمار هذه المرة، متوقعاً أن يخلف هذا الاجتياح مستويات تدمير عالية جداً، تقضي على ما تبقى من فرص للحياة في المحافظة
كتب: محمد الجمل