فرضت الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها قطاع غزة، وندرة السيولة المالية في أيدي المواطنين، ثقافة شرائية جديدة، أنتجت ما يعرف بـ(سلعة الشيكل)، وهي سلوك تجاري لجأ له الباعة والتجار، يتمثل بتجهيز عبوات صغيرة من كل سلعة، على أن تباع مقابل شيكل واحد.
وبعد أن كانت التجزئة المذكورة تشمل سلعا صغيرة، باتت تلك الظاهرة عامة، تشكل كافة أنواع السلع تقريباً، بدءاً بالقهوة، الشاي، زيت الزيتون، المحارم، خميرة، طحينية، وقائمة طويلة أخرى.
طلب كبير
المواطنون فضلوا هذا النوع من البيع خاصة الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، واعتبره البعض منقذ للعائلات التي لا يمكنها شراء السلع بكميات تجارية.
وقال المواطن أحمد عاشور، إنه كثيراً ما يلجأ لشراء سلعة الشيكل، خاصة في الأيام الأخيرة من الشهر، فيشتري القهوة، والشاي، والجبنة، وغيرها.
وأكد عاشور أن "سلعة الشيكل"، تحفز الأسرة على التوفير، فمثلا شراء باكو شاي صغير سيجعل ربة الأسرة تتردد قبل صنعه مرتين وثلاثة في اليوم، وتجعله على قدر مرة واحدة، مع بقاء عدد من الفتلات للضيوف، وبالعكس لو كان لديها وفرة من الشاي في المنزل.
وأوضح أنه اعتمد سلعة الشيكل بشكل كبير، ويشجع على توسعها لتشمل قائمة أكبر من السلع، داعياً التجار لجعل الكمية متناسبة مع حاجة الناس.
ظاهرة خطيرة
أما المواطن يوسف حسونة، فأكد أن هذه الظاهرة هي أسوأ ما عرفته غزة، فهي جاءت لتخدم شجع التجار، وتزيد أرباحهم، موضحاً أنها تظلم المستهلك بشكل كبير، فمثلا لو فرضنا أن كيلو جرام من سلعة معينة يبلغ ثمنه خمسة شيكل، يتم تجزئته لـ 10 عبوات صغيرة، وبهذا يبيع التاجر الكيلو بضعفي ثمنه.
وأكد أنه هناك بعض السلع مثل زيت الزيتون، يكاد يكون المغلف يحوي على قطرات قليلة من الزيت، فلو افترضنا أن ثم "تنكة الزيت" تباع مقابل ٣٥٠ شيكل، فإن التجار يقومون بتجزئتها لأكثر من ٥٠٠ باكو صغير، إضافة لان كميات الشيكل قد تفتح باب الغش واسعاً، وبالتالي بيع سلع أقل جودة.
ودعا حسونة وزارة الاقتصاد لمراقبة الكميات، وفحص الجودة، وعدم ترك التجار يتحكمون في الكميات كما شاؤوا.
ظاهرة فرضت نفسها
بينما يقول البائع عبد الله حمدان، إن ظاهرة "سلعة الشيكل"، ظاهرة مستحدثة فرضت نفسها، وأول من بدئها هم المواطنون، واصبحوا يطلبون شراء كميات محدودة من السلع، مثلا كيلو السكر يباع الآن مقابل ٤ شيكل،
فأصبح بعض المستهلكين يطلبون شراء كمية محدودة مقابل شيكل، لافتا إلى أن بعض الباعة كانوا يفتحون عبوات كبيرة من السلعة لبيعها مجزأة، ومع الوقت تنبه كبار التجار لتلك الظاهرة، وباتوا يجهزون عبوات معلفة لتباع مقابل شيكل.
وأكد أن صغار التجار وأصحاب البقالات مجبرون على مجاراة الوضع الراهن، لذلك من الطبيعي أن تجد محالهم وبسطاتهم تحوي كميات كبيرة من سلعة الشيكل، وأرفف البضائع لا تخلو منها.
وتوقع أن تدخل سلع جديدة ضمن تلك القائمة، مثل السكر، وغيرها، وأن تستمر هذه الظاهرة وتتنامي في المستقبل.
ظاهرة دخيلة
ويقول المحلل والباحث في الشأن الاقتصادي أحمد ابو قمر، إن هذه الظاهرة تعتبر من الظواهر الجديدة والدخيلة على قطاع غزة، ونجمت عن سوء الوضع الاقتصادي، وندرة السيولة المالية.
وأوضح ابو قمر لـ"فلسطين بوست"، أن ثقافة الشراء في غزة منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى الآن مرت بثلاث مراحل، كل مرحلة تعكس وضع معيشي واقتصادي معين، ففي البداية كانت الثقافة السائدة تتمثل بشراء السلع الغذائية بكميات كبيرة، مثل شوال سكر، شوال رز، كرتونة زيت طعام، والخضروات يتم شراؤها بـ"البكسة"، وهي عبارة عن حاوية بلاستيكية تضم ما بين ٨-١٢ كيلو من كل صنف من الخضروات، خاصة أن الاحتلال خلال الفترة ما بين 1987-1994 كان يفرض نظام منع تجوال على مدن ومخيمات القطاع، ويمنع الخروج من المنازل لفترات قد تزيد على أسبوع، وأحياناً أكثر، وهذا كان يتطلب من الأسر الحفاظ على مخزون استراتيجي من السلع الأساسية لاستخدامه عند الطوارئ، مع التأكيد بأن تلك الفترة كانت تشهد وضع اقتصادي جيد، مع وجود فرص عمل داخل الخط الأخضر، خاصة بعد مجيء السلطة الفلسطينية.
ووفق أبو قمر فإن الوضع مع مرور الوقت تغير، والثقافة الشرائية تبدلت مع بدء انتفاضة الأقصى، وتردي الوضع الاقتصادي وأصبح الشراء بالكيلو أو أكثر بقليل، لكن بعد الحصار الإسرائيلي الذي فرض على قطاع غزة عام 2007، تغيرت هذه الثقافة مرة ثالثة، وأصبحت سلعة الشيكل الاكثر رواجاً.
مزايا وعيوب
وبين أبو قمر أن هذا النمط من الثقافة الشرائية له مزايا وعيوب، وأهم مزاياها هي خدمة التاجر، فالكمية التي تباع بالشيكل قليلة جدا مقارنة بما لو اشترى المواطن كمية أكبر من نفس السلعة، مثلا باكو الشاي الذي يباع بشيكل واحد يحوي 10 فتلات، لكن لو اشترى الشخص مغلف كبير يحوي 100 فتلة يحصل عليه مقابل 5 شيكل، وكذلك الحال بالنسبة للقهوة، والطحينية، والجبنة، وسلطات الحمص، وغيرها.
أما على صعيد المشترين فأكد أبو قمر أن هذا النمط التجاري مريح للمواطنين ويحل أزمة في المنازل، فربة الأسرة التي لا تمتلك مالاً كافياً، ممكن أن تشتري كمية محدودة من الطحينة، أو الشاي، أو السكر لتدبر أمورها مقابل شيكل واحد.
ولفت إلى أن الوضع الجديد يبدو أنه أعجب صغار الباعة، فباتوا يجلبون كميات أكبر من سلعة الشيكل، ويفضلونها عن العبوات الكبيرة، فهي أنها تعطيهم هامش ربح أعلى.
ولفت إلى أن هذه الثقافة آخذة في الرواج أكثر فأكثر، فبعض الباعة ممن يتجولون على عربات كارو، باتوا يقوموا بتعبئة السلع في مغلفات صغيرة بأنفسهم، بمعنى أن الأمر أصبح سلوك فردي للباعة، وتعدى كونه تخصص مصانع.
وأشار أبو قمر إلى أن أسواق الضفة الغربية والداخل المحتل لا تشهد مثل هذه الظاهرة، مشدداً على أنها انعكاس للوضع الاقتصادي، فلو تحسن الدخل، وزادت السيولة المالية في ايدي المواطنين، قد نشهد ثقافة شرائية مختلفة تماماً.
وارتفعت معدلات الفقر في قطاع غزة إلى أكثر من 50%، بينما وصلت معدلات البطالة في القطاع لأرقام قياسية تجاوزت 73%، في حين فإن أكثر من 1.2 مليون لاجئ يحصلون على معونات غذائية منتظمة تقدمها لهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا".
كتب: محمد الجمل