مع تواصل العدوان الإسرائيلي لليوم الثالث عشر على التوالي، باتت الأوضاع في قطاع غزة شديدة الصعوبة، خاصة مع تواصل القصف والمجازر الإسرائيلية على مدار الساعة، وفي كل مكان، وما يتبعها من تشييع مئات الشهداء.
ولليوم الثالث عشر على التوالي، يجري يومياً تشييع ما بين 300-500 شهيد في كافة محافظات القطاع الخمس، وفي بعض الأيام فاق العدد 700 جنازة في يوم واحد.

تكدس للجثامين
المشافي الحكومية تغص بمئات الجثامين، وثلاجات الموتى تكدست بها، وفق ما أكده الدكتور أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة، الذي أوضح أنه جرى وضع الجثامين في ساحات المستشفيات، وفي خيام، بينما ناشد أطباء ذوي الشهداء بسرعة نقل جثامين أبنائهم، ومواراها الثرى على وجه السرعة.
ونظرا لندرة المركبات، وعدم قدرة سيارات الإسعاف على نقل الجثامين، استعان مواطنون بشاحنات، ودرجات توك توك، وحتى عربات تجرها حيوانات، لنقل جثامين أقربائهم للمساجد، والمستشفيات والمقابر.

وجرى الاستعانة بمتطوعين، اللذين يواصلون حفر وتجهيز عشرات قبور جماعية وفردية على مدار الساعة، لاستقبال جثامين جديدة، بينما أكد حراس مقابر وجود مشكلة في توفر مقابر جديدة، خاصة مع خروج بعض المقابر التي تقع في أماكن خطرة عن الخدمة، واقتصار الدفن، في مقابر محدودة في القطاع.
وجرت معظم الجنازات على عجل وفي طقوس مختصرة، وبحضور عدد محدود من الأقارب، ولم تقم بيوت للعزاء، خشية أن تستهدف طائرات الاحتلال التجمعات.
ورغم دفن المئات، مازالت المستشفيات الحكومية والخاصة تغص بمئات الجثامين، مع تواصل المجازر وعمليات القصف على مدار الساعة، إذ اضطرت إدارة مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع، لإقامة خيام في ساحاته لوضع الجثامين فيها.
1300 مفقود
في حين قال سلامة معروف رئيس المكتب الإعلامي الحكومية، إن هناك أكثر من 1300 مفقود تحت أنقاض المنازل المدمرة، يعتقد أن معظمهم قضوا، لكن لم تتمكن الفرق من انتشالهم حتى اللحظة، بسبب ضعف الإمكانات، وكثرة الركام، واستمرار الغارات، محذرا من العواقب الصحية التي قد تترتب على وجودهم تحت الأنقاض، وسط أحياء سكنية مكتظة، نظرا لبدء تحلل الجثث.

وسادت حالة غضب شعبي واسع رفضاً لجرائم الاحتلال، وسط دعوات لفضائل المقاومة بتصعيد الضربات ضد الاحتلال، انتقاماً لأرواح الشهداء، خاصة الأطفال.
ألم الفقد
ويقول الشاب عبد الرؤوف الجمل، إن شقيقته لبنى وخمسة من بناتها، فقدن بعد قصف منزل عائلتهم في حي تل السلطان غرب رفح، وبعد ساعتين جرى انتشال الأم وثلاثة من بناتها شهيدات، وجرى مواراتهن الثرى على عجل، وفي جنازة صغيرة، لم يستطع الكثيرون المشاركة فيها بسبب شدة القصف.
وأكد أنه وبعضاً من أشقائه عملوا لساعات في موقع القصف، بحثاً عن ثنتين من البنات، وقد جرى انتشالهن بعد اكثر من 24 ساعة، وكن شهيدات، وجرى مواراتهن الثرى إلى جانب والدتهن وشقيقاتهن.
بينما يعمل الشاب المتطوع إبراهيم نصر إلى جانب فرق الإنقاذ في محاولة لانتشال من تبقى من مفقودين تحت الركام، موضحاً أن الوضع صعب جداً، وفرق الإنقاذ ذات الإمكانات الضعيفة، لا تستطيع تلبية كل الاستغاثات التي لا تتوقف على مدار الساعة، وتتنقل من موقع لموقع، لذلك لا بد من جهود لمتطوعين، رغم أنهم لا يمتلكون خبرات كافية في هذا المجال، لكنهم يحاولون الاجتهاد قدر المستطاع.
وأوضح نصر، أنهم نجحوا في انتشال العشرات من العالقين، للأسف كان أغلبهم شهداء، وجرى اشتمام روائح ناتجة عن تحلل جثث من بعض المواقع، وهذا مؤشر سيء، قد يتصبب بانتشار الأمراض في محيط المواقع التي قصفت.
موت بلا بيوت عزاء
في حين يعيش الحاج خليل سليم، حالة من الحزن، بعد أن فقد عدداً من افراد عائلته، موضحاً أنه وبسبب الظروف الراهنة لم يستطع فتح بيت عزاء، وعجز عن استقبال المعزين، ومعظم التعازي وصلته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو رسائل نصية واتصالات هاتفية.
وأكد أنه من الصعب أن تفقد اعزاء، ولا تجد من يواسيك، وأن تدفنهم على عجل، وحياتك مهددة، هذا أمر لم أتصور حدوثه في حياتي، إننا في كارثة على كل المستويات.
وأكد سليم، أنه لا يمتلك سوى الصبر، والدعاء لمن رحلوا، وأن يثبت الله من بقوا احياء، ويمدهم بالصبر، وان يزيح عن القطاع هذه الغمة.
وهو ما حدث مع عائلات برهوم، زنون، زعرب، زنون، وغيرها من مئات العائلات التي فقدت العشرات من أبنائها، ولم يستطيعوا أيضا فتح بيوت عزاء، أو حتى إقامة قبور تليق بالشهداء، فمعظمهم اضطروا لدفن ذويهم على عجل، وفي قبور متلاصقة، واحياناً جماعية.
قصف يلاحق المشيعون
وأكد الشاب محمد زعرب، أن الاحتلال بعد أن قصف، والقتل، الترويع، لاحقا الموتى والمشيعون، فخلال تشييع الجنازات، كانت الغارات الجوية تتواصل في محيط المقابر، ما يجعل المشيعون يختصرون مراسم الدفن، ولا يؤدونها كاملة.
وقال من أصعب الأشياء، حين تمتزج مشاعر الحزن مع القهر والخوف، فتعطى مزيجاً يفتك بصاحبها، ويتمنى لو كان مع الأموات.
شهداء مجهولي الهوية
وتواجه المشافي معضلة نظراً لوجود عدد كبير من الضحايا مجهولي الهوية، إذ ناشدت وزارة الصحة المواطنين ممن فقدوا أعزاء، التوجه للمشافي في محاولة التعرف عليهم، وأخذ جثامينهم، بينما اضطرت بلدية غزة لإقامة مقبرة جماعية، دفن فيها نحو 100 جثمان، بعضهم مجهولي الهوية، نظرا لعدم وجود أماكن يتم وضعهم فيها، وخشية تحلل الجثامين.
وإلى جانب الضحايا تحت الركام، والشهداء مجهولي الهوية، فقد العشرات في اليوم الأول من العدوان، بعد قصف الطائرات تجمعات المواطنين على الحدود الشرقية للقطاع، حيث يعتقد أن ثمة شهداء يتواجدون في مناطق خطرة، لم يستطع أحداً الوصول اليهم حتى الآن.
كتب: محمد الجمل