على الرغم من أن العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة، لم يستثنِ أي فئة عمرية من المواطنين، إلا أن تأثيره بات أشد وأصعب على بعض الفئات، عل أبرزها المسنين، خاصة ممن يعانون أمراضاً مزمنة، وحالات صحية خاصة.
فبالإضافة لاستشهاد المئات منهم، وإعدام بعضهم بدم بارد، وثقت مراكز ومؤسسات حقوقية حوادث متعددة استهدفتهم، فقد توفي المئات منهم، جراء نقص الأدوية، وغياب الرعاية الصحية، وتكدس المستشفيات، وعدم وجود أسرة شاغرة.
مسنون يموتون في الخيام
وفي معسكرات النزوح التي تغص بآلاف الخيام، يبحث مسنون مرضى عن مناطق تسطع فيها الشمس، ويجلسون فيها في محاولة لتحسين وضعهم الصحي، غير أن تلك المعسكرات تشهد يومياً حالات وفاة لمسنين مرضى.
وعلى باب إحدى الخيام غرب رفح، كان يجلس المُسن الحاج عبد الله مصباح، وهو نازح من مدينة غزة، ويقيم في رفح منذ أكثر ممن ثلاثة أشهر، بينما بدا التعب واضحاً على وجهه.
إذ تقول ابنته منى، إن والدها الذي يبلغ من العمر "72 عاماً" يعاني ثلاثة أمراض مزمنة، وهي القلب، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، وكان قبل الحرب يعيش وضع صحي جيد، بفضل المتابعة الصحية، وتلقي الأدوية بانتظام، لكن بعد اندلاع العدوان، كل شيء تغير، فرحلة النزوح الطويلة والشاقة، والمتكررة أنهكته، ونقص الأدوية وانعدامها في بعض الفترات، فاقمت حالته الصحية، حتى بات متعباً لا يقوى حتى على المشي، وسبق ونقلوه للمستشفى أكثر من مرة، وكان يتلقى بعض العلاجات ثم يغادر، ويخشى أن يفارق والده الحياة، كما حدث مع مئات المسنين أمثاله.
في حين يقول المواطن أحمد الشيخ، إن والده الذي نزح من مدينة خان يونس، عاش معاناة، وتعرض للبرد والمجاعة، إضافة للقهر، حتى تزايد مرضه، وتوفي في خيمته.
وأكد الشيخ لـ"فلسطين بوست"، أن والده ورغم المرض، كان قبل الحرب يتمتع بصحة جيدة، ويتناول وجبات غذائية غنية بكل العناصر، ويحصل على متابعة صحية من طبيب خاص، لكن هذا لم يعد متاحاً في الحرب، ما تسبب بتدهور حالته الصحية، وصولاً للوفاة.
بينما يعلق مدير مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار برفح، الدكتور مروان الهمص على وضع المسنين والمرضى المقيمين في مدينة رفح، قائلا: إن المسنين خاصة من يعانون من الأمراض المزمنة، يواجهون معاناة مضاعفة خلال الحرب، لعدم توفر الأدوية، ضارباً المثل بالأدوية المركبة الخاصة بأمراض الضغط والسكري، وغالبيتها غير متوفر لدى القطاع الصحي، في حين أدوية الربو والسرطانات نادرة جداً، وعدم تلقي المريض لهذه الأدوية بانتظام، يؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.
وتشهد مدينة رفح، التي تؤوي حاليا أكثر من نصف سكان القطاع جراء موجات النزوح الكبيرة إليها، ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الوفيات، أغلبهم من المسنين.
وبحسب توثيق لجنة الطوارئ الصحية بالمدينة، فإنها تشهد من 30 إلى 40 حالة وفاة يومياً، فيما كان معدل الوفيات قبل الحرب 5 حالات يومياً.
تدهور الصحة النفسية للمسنين
ولا تقف معاناة النازحين من المسنين عند حدود الوضع الصحي المتردي، إذ انعكست ظروف الحرب، والحصار، وحياة الخيام، سلباً على صحتهم النفسية، التي تراجعت بصورة حادة، إذ يعاني الكثيرون منهم، من حالات اكتئاب حادة، وضيق، وفقد الشغف للحياة، والانطواء، والانعزال عن الآخرين.
ويقول المواطن أحمد المصري لـ"فلسطين بوست"، إن والده مُسن ومُقعد، لا يستطيع الحركة، ونقلوه معهم خلال نزوحهم من شمال القطاع، وكاد يصاب في إحدى المرات، بعد أن سقطت قذيفة بجانبهم، إذ استشهد أحد أشقائه جراء الحادث.
وأوضح أن والده المريض دخل بعد هذه الفاجعة في حالة اكتئاب، وعانى مشاكل نفسية، وبات منعزلاً، لا يحدث أحد، وشهيته للطعام تراجعت، ولا ينام سوى ساعات قليلة، وإذا ما حاول أحد التحدث إليه، لا ينطق سوى بكلمة واحدة "بقدرش أجري زيكو"، كناية عن صعوبة تحركه حال حدث هجوم إسرائيلي مفاجئ، واضطر النازحون للهرب.
وبين أنهم عرضوه على طبيب نفسي، وكتب لهم نوعين من العلاج، عثروا على نوع، والآخر غير متوفر في الصيدليات، وهم يشعرون أن صحة والدهم تنهار بشكل متواصل.
إعدامات وقتل
وبالإضافة لتحديات المرض، والجوع، كان المسنون هدفاً للقتل من آلة الحرب الإسرائيلية، إما من خلال القصف العشوائي، أو استهداف المنازل، وفي كثير من الحالات كان هناك إعدام مقصود، طال مسنين في منازلهم، وعند ممرات النزوح.
ووثقت مؤسسات حقوقية عمليات إعدام ميدانية لمسنين، فبحسب المرصد "الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإنه وثق إعدام قوات الجيش الإسرائيلي عشرات المسنين الفلسطينيين بعمليات إطلاق نار مباشرة دون أي مبرر.
وأبرز المرصد تلقيه شهادات صادمة عن تصفيات جسدية وإعدامات ميدانية تعرض لها عشرات المسنين ممن تزيد أعمارهم عن 60 عاماً، بما في ذلك عمليات إطلاق نار مباشرة من الجنود، بعد الطلب منهم مغادرة منازلهم، وفي بعض الحالات جرت إعدامات بعد لحظات من الإفراج عنهم، بعد ساعات أو أيام من الاحتجاز والاعتقال التعسفي.
وأشار المرصد في هذا الصدد إلى مقتل الدكتور أكرم أبو حصيرة، وزوجته، وهما مسنان، بعدما أخرجتهما القوات الإسرائيلية من منزلهما في شارع اليرموك بمدينة غزة، وأطلق الجنود الرصاص عليهما، وتركاهما ينزفان حتى الموت، قبل حرق منزلهما، كما وثق المرصد مقتل المُسن أحمد سليمان حسن محمد عبد العال (60 عاما)، وهو يعاني من مرض نفسي في منزله في مخيم جباليا بعد تعرضه لإطلاق نار من قوات الاحتلال، عقب اقتحامهم المخيم، ومن ثم المنزل بعد حصار المستشفى اليمني لعدة أيام.
وأشار الأورومتوسطي إلى توثيقه مقتل المسن عبد الناصر خضر حبوب (٦٢ عاماً)، إذ تعرض لإعدام ميداني باستهدافه بقذيفة مدفعية أطلقتها القوات الإسرائيلية تجاهه، بعد قليل من الإفراج عنه، عقب يومين من الاحتجاز، وغيرهم الكثيرون.
وبحسب "الأورومتوسطي" فإن الحصيلة المباشرة للهجوم الإسرائيلي ارتفعت إلى أكثر من 40 ألف شهيد، نحو 92% منهم من المدنيين، و7% منهم من كبار السن.
مسنون يدفعون فاتورة العدوان
كما وثق المرصد "الأورومتوسطي"، على نحو شبه يومي حالات وفاة في صفوف كبار السن، نتيجة جرائم التجويع والحرمان من العلاج، التي ترتكبها إسرائيل في القطاع على نحو منهجي وواسع النطاق، خاصة في مدينة غزة وشمالها.
وأوضح المرصد أن المُسنين يقتلون واحدًا تلو الآخر في شمالي قطاع غزة، بالقصف، والتجويع، والجفاف، والحرمان من الرعاية الصحية.
وأشار إلى أن الآلاف سقطوا ولم يوثقوا في المستشفيات، كونهم ضحايا غير مباشرين؛ نتيجة الجوع وسوء التغذية وغياب الرعاية الصحية.
ووفق المرصد فإن أغلب هذه الحالات لا تصل إلى المستشفيات التي تعمل بشكل جزئي في شمالي غزة، نظرًا لصعوبة الوصول، وخطورة الحركة في ظل الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة.
وقال المرصد :"المسنون في غزة دفعوًا ثمنًا باهظًا للهجوم الإسرائيلي، نتيجة هشاشة حالتهم، وعدم قدرتهم على الحركة، إلى جانب إصابة 70% منهم بأمراض مزمنة، جعلتهم عرضة بشكل أكبر للتأثر بتداعيات الاعتداءات الإسرائيلية والوضع الإنساني المتردي".
وأضاف المرصد :"أشكال الاستهداف للمسنين تعددت بين الاستهداف المباشر خلال قصف المنازل على رؤوس ساكنيها، وقتل العشرات منهم في عمليات إعدام خارج نطاق القضاء مباشرة".
وأردف المركز الحقوقي :" تأثر المسنون بالإصابات مع صعوبة تعافيهم لتقدمهم في السن، مع عدم توفر الرعاية الصحية الملائمة، فضلاً عن معاناة النزوح، وقلة الغذاء والمياه الصالحة للشرب".
وحذر من أن حياة مئات الآلاف من المدنيين، وخاصة المسنون والأطفال، تواجه خطرًا حقيقيًّا ومحدقًا بالموت بسبب الجوع والجفاف، نتيجة تداعيات أزمة المجاعة المتفشية بفعل استمرار إسرائيل في فرض حصار شامل غير قانوني على قطاع غزة.
كتب: محمد الجمل