تجاوزت جرائم الاحتلال في قطاع غزة كل التوقعات، وباتت تستهدف الأطقم الطبية، والمؤسسات الصحية والمستشفيات، إما عبر الاستهداف المباشر، أو التهديد، أو الطلب من الطاقم الطبي إخلائها.
ففي خلال الأسبوعين الماضيين، تلقت جميع المشافي الحكومية والخاصة في القطاع، أوامر وإنذارات إسرائيلية بالإخلاء، فيما جرى تنفيذ إحدى التهديدات، بعد قصف المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" بصورة مباشرة، وارتكاب مذبحة مروعة، راح ضحيتها نحو 500 مواطن جلهم من المدنيين الأبرياء.
رفض التهديدات
وعقدت المستشفيات الحكومية والأهلية في قطاع غزة مؤتمراً صحافياً مؤخراً، بخصوص تهديدات الاحتلال لها بالإخلاء، مؤكدةً بأنه وعلى الرغم من كافة التهديدات والتحذيرات التي تصلهم من الاحتلال، إلا أنهم متمسكون بأداء رسالتهم الصحية والإنسانية، تجاه أبناء شعبهم الفلسطيني، وعدم ترك المرضى والجرحى مهما كانت الظروف.
وأدانت المستشفيات المجزرة التي حدثت بمستشفى الأهلي المعمداني ووصفته بالمجزرة والجريمة مع سبق الإصرار والترصد، محذرةً العالم بأن الاحتلال ماض في تهديداته إن لم يكن هناك من يلجمه.
وقالت إدارة المستشفيات إن جميع مستشفيات قطاع غزة الحكومية والأهلية وصلتها رسائل تهديد من الاحتلال الإسرائيلي بضرورة الإخلاء، وإن هذا الأمر بالإضافة إلى كونه مخالفاً لجميع الأعراف والقوانين الدولية، فهو من الناحية العملياتية لا يمكن تنفيذه، لأنه يهدد حياة المرضى.
تحدي الاحتلال
في حين أكد الدكتور صهيب الهمص، رئيس مجلس إدارة المستشفى الكويتي التحصصي برفح، إنه تلقى أكثر من تهديد وتحذير من الاحتلال بإخلاء المستشفى، لكنه وباقي الطواقم الطبية يرفضون الانصياع لتلك التحذيرات، ويواصلون العمل، ولن يغادروا المستشفى إلا جثامين.
وأوضح الهمص ل"فلسطين بوست"، أنه وزملائه لن يخضعوا لتهديدات الاحتلال، وسيواصلون العمل كالمعتاد، ولن يخرجوا من المستشفى إلا شهداء، فالرسالة الإنسانية أسمى من الروح.
وأوضح أن المستشفى الكويتي هو المشفي الخيري الوحيد برفح، ويعمل مسانداً لمستشفى النجار، ويستقبل يوميا عدداً كبيرا من الشهداء والجرحى، ففي حال قصف أو تعرض للإخلاء هذا يعني كارثة ستحل بمحافظة رفح التي يزيد عدد سكانها على نصف مليون نسمة حالياً، بعد نزوح مئات الآلاف إليها.
بينما أكد الدكتور أحمد مهنا، مدير مستشفى العودة منطقة جباليا شمال قطاع غزة، أن الطواقم الطبية ترفض إخلاء المستشفى رغم طلب جيش الاحتلال الإسرائيلي ذلك، تمهيداً لقصفه، مضيفاً تلقينا اتصالاً من الجيش الإسرائيلي يطلب إخلاء المستشفى، ولكن هذا غير ممكن، هناك مرضى من الصعب نقلهم لخطورة حالتهم الصحية.
وأضاف مهنا، "الطاقم الطبي مكون من 35 طبيباً ومسانداً، مصرّون على البقاء وتقديم الخدمة للمرضى، والاستمرار بواجبهم دون توقف".
جريمة مروعة
من جهته أكد وكيل وزارة الصحة بغزة الدكتور يوسف أبو الريش أنه وقبل مجزرة مستشفى المعمداني، وتحديداً في الرابع عشر من الشهر الجاري قصف الاحتلال المستشفى بقذيفتين وألحقت أضراراً فيها، تلاها اتصال من ما يسمى "جيش الدفاع" بأن هاتين القذيفتين كانتا للتحذير وتساءل لماذا لم يتم اخلاء المستشفى.
وبين أبو الريش أنه تبع هذا التحذير جهود متواصلة من قبل إدارة المستشفى، حيث تم التواصل مع مطران الكنيسة الإنجيلية ببريطانيا، والذي اتصل بالمؤسسات الدولية، وبعث برسالة اطمئنان بأن المستشفى بإمكانها أن تعمل.
وأكد أبو الريش أن الاحتلال الذي يهدد المستشفيات ولا يتم اتخاذ بحقه إجراءات، قائلا: " عقب ارتكاب الجريمة تم اخبار قسم الطوارئ، وكنت من بين من نزل لاستقبال الحالات هناك والمشهد لم أرى له مثيل في حياتي، وفاق حتى كل التخيلات... رأيت أطفالاً بقرت بطونهم، وبترت رؤوسهم، في مشهد ليس له مثيل في عصرنا الحاضر، وإنما سمعنا عنها في العصور البائدة، والتي تحكي قصص الوحشية والفاشية."
في حين قال الناطق باسم وزارة الصحة الدكتور أشرف القدرة، إنه في الوقت الذي باتت فيه المستشفيات تلفظ أنفاسها أمام المجازر التي يرتكبها الاحتلال الاسرائيلي في قطاع غزة، ونفاذ المخزون الطبي والوقود بشكل متسارع، جاءت سياسة إخلاء المستشفيات، لتخلق إرباك كبير في المنظومة الصحية، وتزيد الضغط على المستشفيات العاملة، التي استقبلت نحو 13 آلاف جريح، ونحو 4000 شهيد في الأيام إل 13 الأولى من العدوان.
ووفق القدرة فإن إخلاء المستشفيات يثبت مجدداً كذب ادعاءات الاحتلال فيما يسمى المناطق الآمنة، ويوضح مدى إجرامه ولا مبالاته في استهداف المدنيين والأعيان المدنية.
ورحب معروف بدعوة رئيس المجلس الأوربي للتحقيق الدولي في مجزرة المعمداني مطالباً بالتحقيق على أعلى مستوى في مجزرة المعمداني وكل الجرائم المرتكبة من الاحتلال منذ بداية العدوان، فليس لدينا ما نخشاه.


قتل أطباء
وإلى جانب التدمير، أضطر الأطباء لإخلاء مستشفى الدُرة للأطفال شرق مدينة غزة، إذ أكد القدرة أن إخلاء المستشفى المذكور جاء بعد استهدافه من قبل الجيش الإسرائيلي بقنابل الفسفور الأبيض، ووقع العديد من الغارات في محيطه، في حين توقف مستشفى الكرامة عن العمل، بعد تعرضه لقصف مماثل، أجبر الأطباء على إخلائه.
ولم يكتف الاحتلال بتهديد المستشفيات وقصفها، والضغط على النظام الصحي وتهديه بالتوقف عن العمل، إذ لاحقت طائراته الأطباء المهرة، خاصة التخصصات
في حين قال سلامة معروف رفض محاولة الاحتلال التنصل من جريمته في مجزرة المعمداني، وكل الأكاذيب التي يسوقها لا يمكن أن تنطلي على أحد، فقد تعودنا على كذبه وإدعاءاته منذ اليوم الأول للعدوان وسرعان ما يظهر زيفها.
لا يمكن توصيف ما جرى إلا بالمحرقة، وإن اعتراف الاحتلال لوسائل الإعلام الغربية أن استهدافه لكل الأماكن في قطاع غزة موافق عليها سياسياً وعسكرياً، يؤكد مجدداً تعمد قتله المدنيين والأطفال والطواقم الصحية والصحفية ورغبته بارتكاب هولوكست ضد شعبنا يفوق في إجرامه ما سجلته النازية.
ووفق القدرة فقد قتل الاحتلال خمسة أطباء منذ بدء العدوان، منهم طيب الحروق بمجمع الشفاء الطبي الدكتور مدحت صيدم ظهر الرابع عشر من الشهر الجاري، والذي غادر مجمع الشفاء الطبي ليقضي احتياجات أسرته عقب سبع أيام من العمل المتواصل، حيث عمد الاحتلال إلى تدمير منزل الطبيب صيدم وقتله وجميع أفراد أسرته، كما قتلت الطائرات الطبيبة رزان الرخاوي، وطبيب التخدير في المستشفى الإماراتي تامر الخياط.
وأوضح القدرة أنه ومنذ بدء العدوان استشهد 51 كادراً صحياً، وأصيب 87 آخرين بجراح مختلفة، بعد استهدافهم وهم على رأس عملهم، أو خلال تواجدهم في منازلهم.
كما أكد القدرة خروج 7 مستشفيات، و25 مركزاً صحياً عن الخدمة بسبب الاستهداف ونفاد الوقود.
ووفق معروف فقد بلغ آخر إحصاء فيما لعدد شهداء الطواقم الصحية 37 شهيداً، موزعين بين أطباء ومسعفين وممرضين وغيرهم.
جرائم حرب
وبحسب معروف، تثبت هذه الجريمة للعالم أن الاحتلال لن يتوقف عن القتل والدمار ولا زالت شهيته مفتوحة لمزيد من المجازر، دون خشية من عقاب أو محاسبة أو لوم، بعدما لم يستطع العالم حتى فرض ممرا إنسانيا لإدخال الحاجيات الأساسية من دواء وغذاء ووقود إلى غزة لمواجهة النكبة الإنسانية والعدوان المتواصل.
بينما يقول المحامي يحيى محارب من مركز الميزان لحقوق الإنسان، إن التهديد بإخلاء المستشفيات او قصفها يعتبر جرائم حرب، تخالف المواد15، 16، 17، 18، 19، 20، من اتفاقية جنيف الرابعة، وجميعها نصوص واضحة تتحدث على أهمية أن تحافظ أطراف النزاع على المستشفيات، التي تحظى بحماية خاصة في القانون الدولي، بحيث لا يجوز استهدافها، أو إخلائها، أو تهديد حياة العاملين، مع تجريم المساس بها، كطواقم، أو أبنية، بأي شكل من الأشكال، خاصة أن هذه المباني تحمل إشارات واضحة تحدد معالمها، وفق والاحتلال يمتلك إحداثيات واضحة بأماكن وجودها.


اقرأ/ي أيضًا: غزة المكلومة.. جنازات التشييع لا تتوقف وعائلات الضحايا عاجزة عن فتح بيوت عزاء
العدوان على غزة يتسبب بشلل قطاعات اقتصادية واسعة وينذر بأزمات مستقبلية