مازالت حياة الخيمة بكل تفاصيلها القاسية والمؤلمة تفتك بالنازحين، وتزيد معاناتهم مع طول فترة النزوح، وتعذر العودة للبيت من جديد.
وكثيرا ما تناقلت وسائل الإعلام المختلفة، أوجه كثيرة لصعوبات الحياة في الخيمة، مثل معاناة البحث عن الماء، والوقود، ولهيب الشمس والأمطار القادمة، وغيرها من المتطلبات التي باتت معروفة، لكن ثمة وجه آخر للمعاناة داخل الخيمة، ربما يكون أكثر صعوبة، لم يتطرق إليه الكثيرون، تحاول "فلسطين بوست"، التعمق فيها في سياق التقرير التالي.
حياة في صندوق ملتهب
فالخيمة الصغيرة التي لا تزيد مساحتها في أحسن الأحوال على 18 متر مربع، تعتبر مكان للنوم، والطهي، والمبيت، ووضع الملابس، والاستحمام، ووضع الفراش والأغطية، والجلوس في النهار، وحتى استقبال الضيوف.
وهذه المتطلبات والاحتياجات الكثيرة يبدو من غير المنطقي القيام بها في هذه المساحة الضيقة، ولو حدث فقد يكون لفترة وجيزة، لكن أن تصبح هذه الخيمة مكان للإقامة الطويلة، فهذا أمر بات في غاية الصعوبة، وأثر بشكل كبير على النازحين.
ويقول المواطن حاتم عيسى، إنه كان يعيش في بيت كبير تزيد مساحته على 160 متر مربع، به مطبخ مُتسع، وحمامين، وغرفة للضيوف، وأخرى للجلوس، وثلاث غرف للنوم، وكانت حياتهم تسير وفق نظام معين، لكن فجأة وجدوا أنفسهم جميعاً في وضع استثنائي صعب، يعيشون جميعاً داخل خيمة لا تزيد مساحتها على 16 متر مربع، وكل ما كانوا يفعلونه في المنزل، يجب أن يعيشونه في الخيمة.
وأكد عيسى لـ"فلسطين بوست"، أن زوجته تضع ملابس أبنائها في كراتين في زاوية الخيمة، وبجانبها الأغطية والفراش، متراص بشكل عمودي، حتى توفر متسع للجلوس في ساعات النهار، وفي الليل تقوم بتغيير كل النظام، من أجل وضع الفراش المتلاصق، إذ ينام 8 من أفراد عائلتها بجانب بعضهم البعض متلاصقين، وحال استيقظ أحدهم للذهاب إلى الحمام ليلاً، من المؤكد أنه سيضطر للمشي من فوق أشقائه، وقد يدوس على طرف أحدهم بالخطأ، فيستيقظ الأخير فزعاً من الألم، وهذا المشهد يتكرر تقريباً في كل ليلة.
وبين أنهم يستعدون لاستقبال ضيوف سواء من الأقارب أو المعارف في نفس الخيمة، ويشعلون الموقد فيها لإعداد الطعام والشاي والقهوة، وتناول الطعام، وحتى جلي الأواني، وتنظيف الملابس يحدث في الخيمة.
وبين أن الأصعب في كل ذلك، أنهم يعيشون في صندوق مُلتهب، عديم التهوية، وهذا أدى إلى مشاكل صحية ونفسية قاسية لأبنائه، أقلها حرق الجلد، وتغير لون البشرة، عدا عن أعراض ضيق واكتئاب.
ولفت إلى أنه ورغم كل هذا الضيق وهذه المعاناة، إلا أنهم حتى في الخيمة القاسية يفتقدون الاستقرار، واضطروا للنزوح أكثر من مرة، ويبقون على الكثير من الأمتعة جاهزة ومحزمة للاستعداد للانتقال إلى المجهول، حال صدرت أوامر نزوح إسرائيلية جديدة.
واللافت أن الكثير من الخيام لا يمكن أن يُطلق عليها خيمة بالمفهوم الحقيقي، فهي مجرد أخشاب مكسوة بقطع من القماش البالي، أو النايلون، الذي لا يُشكل أي حماية أو سترة عن المحيط الخارجي.
سلب للخصوصية
بينما تتسبب الخيام في سلب خصوية أفراد العائلة، خاصة الفتيات والسيدات، اللواتي كن يعشن في غرف منفصلة، ويتمتعن بقدر عال من الخصوصية، بعيداً عن باقي أفراد العائلة
في حين قال المواطن بلال سلامة، إن أسوأ ما في الخيمة أنها تعدم الخصوصية لأفراد العائلة، ففي المنزل ثمة غرفة لكل فتاة، وغرفة أخرى للأبوين، وثالثة للأبناء الذكور، وهناك قدر من الخصوصية ممنوح لكل فرد، لكن في الخيمة لا يوجد أي نوع من الخصوصية.
وأكد أن الحمام المتوفر عام وصغير جداً، يخدم نحو 20 خيمة، وهذا يُجبر أفراد عائلته على الاستحمام داخل الخيمة، وكل شخص يريد الاستحمام من أفراد العائلة تحدث حالة الطوارئ، بحيث يتم تفريغ الخيمة بالكامل، ويجلس شخص على بابها كحراسة، خشية دخول فرد عن طريق الخطأ، وهذ أمر مرهق للعائلة، ويتسبب بإحراج الأفراد.
وأكدت أكثر من فتاة وسيدة عشن في الخيام، لـ"فلسطين بوست"، أنهم لا يحصلن على حريتهن في الجلوس أو النوم، ويضطررن في غالبية الأوقات لارتداء ثوب الصلاة، ويحرمن حتى من الاهتمام بأنفسهم، كتسريح شعر الرأس والاهتمام به، أو القيام بأمور أخرى.
وتقول المواطنة "أم يوسف"، أنها تضطر في معظم الأوقات لوضع فاصل داخل الخيمة، حتى تحصل وابنتيها على بعض الخصوصية، في ظل الحياة المزدحمة داخل الخيمة، وصعوبة الجلوس أو النوم بحرية.
وأكدت لـ"فلسطين بوست"، أن بناتها يعانين الضجر ومللن من حياة الخيمة، وكل يوم يسألنها عن موعد العودة لبيتهن في محافظة رفح، لكنها للأسف لا تمتلك إجابة، وتطلب منهن الصبر، وتدعو الله أن تنتهي المحنة الحالية في أسرع وقت.
في حين يقول المواطن وليد عبيد، إن الخيام في الكثير من المخيمات متلاصقة، لدرجة أن بين الجار وجارة قطعة قماش رقيقة جداً، وهذا أمر صعب، فلا يوجد خصوصية للحديث، فإذا ما همس شخص داخل خيمته سمعه جاره.
وأكد عبيد أن لكل عائلة خصوصياتها في الحديث، أو غيره، وأن تشعر أنك مراقب أو مسموع في كل ما تقوله او ما تفعله، فهذا أمر بالغ الصعوبة، لدرجة إذا ما رغب في التحدث إلى زوجته في أمر ما، أخذها وخروجا للتحدث بعيداً عن الخيمة، ويطلب من أبنائه دائما خفض صوتهم، وعدم الضحك بصوت عال، أو الصراخ كتعبير عن الغضب، ويشعر أن الأمر أصبح بمثابة قمع حرية، لكنه لا يجد بديلاً عن ذلك.
وبين عبيد لـ"فلسطين بوست"، أن الخيمة سيئة من الناحية النفسية، فقد أصبح حلمه وحلم أي نازح الاتكاء على جدار، أو النوم تحت سقف من الخرسانة، أو قضاء في حاجته في حمام مخصص للبشر، فأصعب شيء أن تعيش في بين أربع قماشات تحيط بك، لا تسترك، ولا تمنحك الخصوصية، ولا حتى تحميك من محيطك الخارجي، فلو وضع طعام يشتم الجيران رائحته، ولو وضع أحد الأشخاص القليل من العطر داخل الخيمة يشتمه كل الجيران، ولو أُلقي حجر وسقط على الخيمة، يمكن أن يصيب القاطنين فيها بأذى، أو يؤدي إلى تضرر الخيمة، وممكن هبة رياح قوية تقتلعها.
وبالإضافة لكل ما سبق ثمة تفاصيل أخرى قاسية لحياة الخيمة، منها عدم التحكم في مستوى الإضاءة، ما يجبر أفراد العائلة على الاستيقاظ مبكراً، في حين أن البعض كانوا يفضلون النوم بضع ساعات من النهار، وسرعة فساد الأطعمة بسبب الحر الشديد، وشرب المياه الساخنة، عدا عن ضغط المكان، وما يشكله من تأزم نفسي كبير لسكان الخيمة.
كتب: محمد الجمل