أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

القدس

شرط السلامة الأمنية: توسع مقلق نحو سيطرة أمنية تشبه الدولة البوليسية

28 يناير 2025

تقرير: فاتن ضيف الله

بدأت الحكومة الفلسطينية بفرض "شرط السلامة الأمنية" لتقلد الوظائف الحكومية مع بداية تشكلها أواسط العقد الأخير من القرن الآفل في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة دولة الإحتلال، الذي نتج عنه قيام السلطة الوطنية الفلسطينية كأول سلطة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

 يعتبر شرط السلامة الأمنية إجراء يتم تنفيذه من قبل الأجهزة الأمنية " المخابرات العامة والأمن الوقائي" كشرط أساسي لتولي الوظائف العمومية، والحصول على تصاريح العمل، السفر، إنشاء الجمعيات الخيرية، الاستفادة من المنح الدراسية، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية. يتضمن الشرط عملية جمع معلومات عن المواطنين بما يشمل فحص خلفيات المواطنين السياسية- والدينية، اتصالاتهم، نشاطاتهم الشخصية.

برز تطبيق الشرط  بشكل واضح عقب الانقسام الفلسطيني عام 2007، ما أدى لفصل مئات المعلمين من وظائفهم لعدم استيفائهم متطلباته. وكانت أصدرت محكمة العدل العليا قرار قضائي وآخر عن مجلس الوزراء عام 2012 قرارًا بإلغائه وعدم قانونيته، إلا أنه لا يزال يُطبق بطرق غير مباشرة في العديد من المجالات الحيوية في حياة المواطنين.

 تذرعت السلطة في سنوات تطبيقه الأولى بضمان عدم وجود سجل جنائي أو أي نشاط قد يُعتبر تهديدًا للأمن الوطني أو العام للمتقدمين والمتقدمات للوظائف الحكومية، لاحقا أصبح جزءاً أساسيًا من الإجراءات المطلوبة، ليس فقط في الوظائف العمومية، إنما تجاوز ذلك ليشمل تراخيص للمهن والأنشطة المختلفة.

على الرغم من أن شرط السلامة الأمنية وُضع منذ بداية تشكيل السلطة الوطنية، إلا أن أسلوب تطبيقه وتفاصيله شهدت تطورات مستمرة على مر السنين، وذلك استجابة للتغيرات السياسية والأمنية. كما أن الأهداف التي استُحدث من أجلها تغيرت بتغير توجهات الحكومات المتعاقبة. لتشكل فجوة ما بين  المواطنين والحكومة وتزيد من الولاء للسلطة الحاكمة.

ففي حين كان يقتصر تطبيق الشرط على تقلد الوظائف العمومية، توسع وامتد تدخل الأجهزة الأمنية لمجالات عدة، مثل الحصول على رخصة قيادة عمومي، المنح الدراسية، إجازات المحاماة الشرعية، المشاريع الاقتصادية الصغيرة، إنشاء الشركات، وتأسيس الجمعيات الخيرية.

على سبيل المثال، يروي "س.ع"، أحد الأسرى المحررين الذي قضى 15 عامًا في الأسر وفقد شقيقيه شهيدين، أنه عند تقدمه للحصول على شهادة حسن السيرة والسلوك، قوبل طلبه بالرفض. وبررت السلطات هذا الرفض بانتمائه لفصيل سياسي معين، مما حال دون تمكنه من تحقيق مشروعه الخاص بافتتاح مدرسة لتعليم السواقة.

تعزيز هيمنة الأمن

أكد المستشار القانوني لإتلاف آمان بلال البرغوثي أن الشرط أحد مظاهر الفساد السياسي، الهدف الأساسي منه تعزيز هيمنة السلطة على الحكم، من خلال استخدامه كأداة لإقصاء المعارضين السياسيين، سواء في مجال التوظيف العام أو في مجالات أخرى مثل المشاركة السياسية، تشكيل الجمعيات الخيرية، والنقابات، حصر الإرث، إصدار جوازات، والمنح الدراسية، ولكن  الأخطر من ذلك هو امتداد هذا الشرط إلى قطاع الإعلام، كما يظهر في النظام الصادر عام 2022 لترخيص المؤسسات الإعلامية. وفقًا لإحصائية أعدها ائتلاف أمان،  حيث تم ذكر شرط السلامة الأمنية أكثر من 13 مرة.

بحسب ائتلاف آمان، تم تسجيل 6 قضايا متعلقة بشرط السلامة الأمنية في عام 2022، تنوعت بين حصر الإرث، إنشاء نادٍ رياضي، تأسيس جمعية خيرية، الحصول على رخصة المهن والحرف، العمل كمأذون شرعي، ممارسة مهنة المحاماة الشرعية، وتولي وظائف عامة. في عام 2023، تم تسجيل قضيتين؛ الأولى تتعلق بتولي وظيفة عامة، والثانية باستصدار جواز سفر لمواطن من قطاع غزة. أما عام 2024 فقد شهد ارتفاعًا ملحوظًا، حيث تلقت الشبكة 12 قضية شملت حصر الإرث، استصدار جوازات سفر لمواطنين من غزة، الحصول على رخصة لفتح مشروع خاص، تقلد وظائف عامة، العمل كمعلمة قرآن كريم، بالإضافة إلى قضية مرتبطة بالمنح الدراسية.

تعكس هذه البيانات تصاعد تأثير الشرط وتزايد سيطرته على مختلف جوانب حياة المواطنين، من خلال تدخل الأجهزة الأمنية فيه، ليتم تقديم الولاء السياسي على الكفاءة المهنية، ما يؤدي لتراجع جودة الخدمات العامة، وتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات، وخلق بيئة مؤسسية قائمة على الولاءات الشخصية بدلاً من الشفافية والكفاءة. هذه الممارسات قد تشكل خطوة نحو تحويل البلاد لدولة بوليسية تسيطر فيها الأجهزة الأمنية على مفاصل الحياة اليومية للمواطنين.

الأصل براءة الذمة

 قال مستشار القانون الدولي الإنساني ناصر الريس إن شرط السلامة الأمنية يفتقر لأساس قانوني واضح في الإطار التشريعي الفلسطيني، حيث أن قانون الخدمة المدنية والقانون الأساسي الفلسطيني أو أي تشريع آخر، لا تتضمن نصوصًا تدعمه، كمطلب أساسي للتوظيف أو الحصول على الحقوق المدنية.

تنص القوانين المكتوبة على أن المتقدم للوظيفة العامة يجب ألا يكون محكومًا بجناية أو جريمة تمس الشرف أو الأمانة، دون التركيز على انتماء المواطن السياسي او العرقي او الديني، في حين يعتبر الشرط أداة لتقييم الانتماء السياسي للأفراد، مما يشكل انتهاكًا صريحًا للإطار القانوني، حيث يتم رفض طلبات الأفراد بناءً على مواقفهم السياسية بدلاً من التركيز على السوابق الجنائية.

أوضح البرغوثي أن الأصل في تطبيق القانون يكمن في شهادة عدم المحكومية الصادرة عن وزارة العدل، حيث إن تطبيق شرط "السلامة الأمنية" ينتهك العديد من الأحكام الدستورية المنصوص عليها في القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003. من أبرز هذه الأحكام: الحق في المساواة، مبدأ براءة الذمة، الحق في تقلد الوظائف العامة، الحق في التجمع، حرية المشاركة السياسية، وحق ممارسة النشاط الاقتصادي. كما أضاف أن التشريعات الفلسطينية تخلو من أي تعريف قانوني واضح لمصطلح "السلامة الأمنية"، الذي يتم استخدامه كشرط للحصول على شهادة حسن السيرة والسلوك من وزارة الداخلية، ما يفتقد إلى معايير قانونية أو مرجعية محددة تحدد شروط الحصول على هذه الشهادة.

أكد البرغوثي أن الأصل هو براءة الذمة، حيث يجب التعامل مع المواطن على أنه حسن السير والسلوك ما لم يكن هناك حكم قضائي بحقه. ومن المفترض أن شهادة عدم المحكومية هي الوثيقة التي تُثبت براءة الشخص من أي حكم جزائي، وتصدر عن وزارة العدل. وبناءً عليه، يعد استخدام شهادة حسن السيرة والسلوك الصادرة عن وزارة الداخلية بدلاً من شهادة عدم المحكومية تعديًا على صلاحيات وزارة العدل، التي تملك الاختصاص القانوني في تقرير الحالة الجنائية للشخص.

تسبب شرط السلامة الأمنية  بالعديد من المشاكل والعراقيل للمواطن "م.ض" في حياته المهنية، فعلى الرغم من سنواته الطويلة في مجال التعليم وقيادته لأجيال من الطلبة، كان ضحية لهذا التمييز. فقد حُرم من ممارسة حقه في النضال النقابي لتحقيق مطالب عادلة لموظفي القطاع التعليمي بسبب انتماءه السياسي، الأمر الذي حرمه من الترقية وتنفيذ عقوبات عديدة بحقه، أبرزها النفي والنقل التعسفي لأكثر من مرة.  "م.ض" ليس المتضرر الوحيد في هذا السياق، بل  إن هناك الآلاف من المعلمين الذين عانوا من هذا الشرط الذي يعوق حياتهم الطبيعية ويعرضهم للظلم والإضطهاد.

أوضح الريس: أنه على مدار سنوات الإنقسام الأولى واللاحقة تم إنهاء عقود المئات من الموظفين تعسفيا وبناءا على إنتمائهم السياسي، وكذلك منع آخرين من تقلد مناصب مختلفة لأسباب مشابهة في الضفة وقطاع غزة على حد سواء.

وسيلة تمييز وإقصاء

تم حرمان "ف. ب" من العودة إلى عملها بعد تركه للالتحاق ببرنامج الماجستير، حيث اضطرّت لتقديم استقالتها بدلاً من الحصول على إجازة دون راتب. في المقابل، حصل زميلها على تسهيلات لاستكمال دراسته دون أن يفقد وظيفته أو راتبه، ما اعتبرته تمييزًا بناءً على انتمائه السياسي.

أكد الريس أن تطبيق شرط السلامة الأمنية يُضعف مبدأ المساواة، حيث تُمنح الأفضلية للأفراد بناءً على انتمائهم السياسي بدلاً من كفاءتهم المهنية، ويُعرقل التوظيف والترقيات للمعارضين، مما يُفسد مفهوم المهنية. ويتم استخدامه كوسيلة تمييز وإقصاء.

وأشار البرغوثي إلى أن التدخل الأمني في التعيينات القضائية يشوّه نزاهة المسابقات، حيث يتم إرسال أسماء المرشحين إلى الأجهزة الأمنية للمراجعة، ما يؤدي إلى استبعاد الأكفأ لصالح مرشحين أقل كفاءة بناءً على تصنيف الأجهزة الأمنية.

 التعدي على الحريات

خاض نادر العويوي نضالًا طويلًا لتحقيق حلم ابنته فاطمة بتأسيس معهد لتعليم تصميم الأزياء والخياطة، وهو حلم كان يواجه تحديات قانونية وإدارية كبيرة. فاطمة، التي استوفت جميع المتطلبات القانونية، بما في ذلك تجهيز المبنى وفتح الملف الضريبي، واجهت عقبة غير متوقعة عندما طُلب منها الحصول على "شهادة حسن السير والسلوك". وعلى الرغم من حصولها على الموافقة المبدئية من الأمن الوقائي، تعرضت لمقابلة مع جهاز المخابرات، حيث تم تحويل النقاش بعيدًا عن المشروع إلى التركيز على النشاط السياسي لوالدها، ما أدى في النهاية إلى رفض طلبها دون أي تفسير رسمي.

بإصرار ووعي، استخدم نادر العويوي منصته على "فيس بوك" لتسليط الضوء على ما تعرضت له ابنته، مما ساعد في حشد الرأي العام حول قضيتهما. هذا الضغط أجبر الأجهزة الأمنية على التراجع عن موقفها، فتمت الموافقة على منح فاطمة الرخصة لافتتاح مشروعها بعد أشهر من المماطلة، مما أتاح لها استكمال حلمها المهني رغم التحديات السياسية التي واجهتها بسبب انتماء والدها.

يتعدى هذا الشرط تأثيره على حقوق المرأة، كما يظهر في حالة سيدة مطلقة كانت قد تعاملت مع قضيتها شبكة آمان ، والتي كانت ترغب في الحصول على إجازة لمزاولة المحاماة الشرعية. فقد تم رفض منحها الموافقة الأمنية بحجة ارتباط طليقها بحركة معارضة، مما يشكل تعديًا على مبدأ المساواة وحرمانًا غير مبرر من حقها في تحقيق طموحاتها المهنية.

أكد البرغوثي أن شرط السلامة الأمنية يشكل تهديدًا للمؤسسات الإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني، التي تعد آخر معاقل للرأي الآخر في البلاد. هذا الشرط يُستخدم لخنق عمل هذه المؤسسات وتقويض دورها في النقد والمساءلة، مما يعزز من تقييد الحريات ويزيد من هيمنة الأجهزة الأمنية على مختلف جوانب الحياة دون وجود مرجعية قانونية تبرر ذلك.

التأثير على المشاريع الصغيرة

أوضحت فاطمة العويوي أنها تأثرت اقتصاديًا بشكل كبير بسبب تعطيل الموافقة على مشروعها، حيث اضطرت لدفع إيجار وفواتير الكهرباء والماء للمكان الذي استأجرته منذ يونيو، دون أن تتمكن من العمل فيه لستة أشهر. كما أنها تحملت رواتب سكرتيرة وعاملة نظافة من يونيو حتى ديسمبر، دون أن تتمكن من تقديم أي دورات تدريبية بسبب عدم الحصول على الترخيص، بالإضافة إلى توقيعها ورقة تمنعها من العمل دون ترخيص، مما كلفها حوالي 25 ألف شيكل.

قال المستشار البرغوثي إن استخدام شرط السلامة الأمنية أصبح مع الوقت يشمل إجراءات مثل حصر الإرث، الانتماء للجمعيات، وتشكيل الجمعيات الخيرية. ومن بين هذه الجمعيات، الشركات غير الربحية التي تُعتبر شكلاً من أشكال الجمعيات الخيرية، لكنها تخضع لنظام مختلف. مؤخرًا، صدرت تعديلات تنظيمية تخص هذه الشركات، حيث أصبح تمويلها يتطلب موافقة إضافية. على سبيل المثال، إذا تجاوز التمويل مبلغ 100 ألف دولار، يُرفع الطلب إلى مجلس الوزراء، الذي بدوره يحيل الأمر للأجهزة الأمنية، وهذا التوجه يخلق قيودًا إضافية غير مبررة حتى لدى الدول المانحة التي اعترضتب بدورها على ذلك.

إلغاء الشرط  واجب

أكد البرغوثي أن شرط السلامة الأمنية يجب أن يُلغى بشكل قاطع، معتبرًا إياه شكلاً من أشكال الفساد السياسي، مشيرًا إلى أن قرار وقف العمل به في الوظيفة العمومية منذ عام 2012 يجب أن يُنفذ، إذ يعد هذا الشرط غير قانوني وغير دستوري. مضيفا أن شهادة عدم المحكومية هي الوثيقة القانونية الوحيدة المعتمدة، وأن هذا الإجراء يتعارض مع المعايير الدولية والقوانين المحلية، ما يعني أنه يتجاوز اختصاصات الأجهزة الأمنية ويجب إلغاؤه.