مع اقتراب الحرب على قطاع غزة من انهاء شهرها 21 على التوالي، باتت الحياة في عموم القطاع بائسة، وثمة صعوبات تواجه المواطنين والنازحين في شتى مجالات حياتهم اليومية.
وتسبب العدوان وما رافقه من حصار وتدمير مُمُنهجين، في إعادة الحياة في غزة سنوات، بل عقوداً للوراء، وجعل غزة تتخلف عن ركب الحاضرة والتقدم، وأجبر الناس على إتباع أنماط بدائية من الحياة، تُشابه ما عاشه أجدادهم في بداية القرن الماضي.
فقد مظاهر الحياة الحديثة
وتسبب الحصار والتدمير المُتواصلين على القطاع بفقد غالبية مظاهر الحياة الحديثة، إذ توقفت الأجهزة الكهربائية عن العمل، ولم تعد المياه النظيفة تصل للمنازل كما السابق، وتوقفت خدمات الصرف الصحي، وغابت خدمات جمع وترحيل النفايات الصلبة، ولم تعد وسائل المواصلات متاحة كما السابق.
وأمام هذا الوضع الكارثي بات سكان القطاع مُجبرون على استخدام أنماط قديمة وبائسة من الحياة، لا تعتمد بالمطلق على الحداثة والتطور، فبات المشي أو ركوب عربات الكارو هي وسائل النقل والمواصلات الوحيدة في القطاع، بينما أضحت الأعمال المنزلية مُعتمدة بالكامل على الجهود اليدوية، مثل الغسيل، وتنظيف الأواني، في حين بات الحطب والخشب هو الوقود الوحيد المتوفر من أجل طهي الطعام وتجهيز الخبز.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فتوفير الحد الأدنى من السلع الضرورية للحياة لا يمكن دون المغامرة بالحياة، عبر الاضطرار للتوجه إلى مراكز المساعدات الأميركية الخطيرة، في ظل عدم توفر بديل، ما يسهم في فقد العشرات لحياتهم يومياً، حتى يؤمنون القوت لعائلاتهم.
ويقول المواطن عبد الله رمضان، إنه وغيره من المواطنين في قطاع غزة فقدوا جميع مظاهر وأشكال الحداثة، وعادوا في حياتهم إلى 8 أو 9 عقود للوراء، فحياة الأجداد إبان النكبة كانت أسهل وأفضل من حياتهم الآن.
وأكد أنه يبدأ يوميه بحمل الجالونات الفارغة والتوجه لمصدر مياه بعيد، لجلب عشرات اللترات، وبمجرد وصوله تبدأ زوجته بغسل الملابس وتنظيف الأواني يدوياً، ثم تُشعل النار للطهي وإنضاج الخبز، قبل أن يتوجه هو لمركز المساعدات الأميركية لجلب بعض الطعام رغم الخطر.
وأوضح أن استمرار الحرب تفقدهم المزيد من مظاهر الحياة الحديثة، فلا يوجد أجهزة كهربائية يمكن استخدامها، فحتى التلفاز حُرموا منه، في حين مازال التعليم بجميع أشكاله متوقف، وكل يوم يمر يعود وغيره من سكان القطاع سنوات للوراء، حتى بات قطاع غزة من أكثر المناطق تخلفاً مقارنة بالمحيط الي يتواجد فيه.
حياة قاسية
بينما تقول المواطنة إيمان عبد الله، إنها كانت وهي صغيرة تستمع لحكايات جدتها عن أشكال الحياة القديمة، كتنظيف الأواني المنزلية باستخدام الرمل، والسكن في خيمة، والطهي على النار، ولم تكن تتوقع أن تعيش هي ذات الحياة بل أصعب.
وأوضحت عبد الله لـ"فلسطين بوست"، أنها تعيش في خيمتها حياة أصعب وأعقد من تلك التي عاشتها جدتها إبان نكبة العام 1948، وقد تركت جميع الأجهزة الحديثة في منزلها برفح، مثل الغسالة، الهوايات، الثلاجة وغيرها، وحتى لو توفرت لديها لن تستطع تشغيلها لغياب الكهرباء.
كما أن نفاذ غاز الطهي يُجبرها على استخدام النار لطهي الطعام وتجهيز الخبز، عدا عن معاناة غسل الملابس يدوياً هذا لو توفرت مساحيق التنظيف المفقودة من القطاع.
وأشارت إلى أن المعاناة الأكبر هي العيش في خيمة، على الرمل، الذي يتسلل للطعام، والملابس، فحى رؤوس بناتها اللواتي فقدن رونقهن، ولم يعد شعرهن كما كان سابقاً، تمتلئ بالرمال، عدا عن مشكلة فقد الخصوصية جراء تلاصق الخيام، وسماع الجيران كل كلمة وهمسة ينطقون بها في خيمتهم.
اختفاء المواصلات
ومن أسوأ مظاهر فقد الحداثة تدمير وتوقف قطاع المواصلات في غزة، إذ عمل الاحتلال من أجل استكمال هذا التدمير عبر عدة مسارات متوازية، الأول تدمير أكبر عدد من المركبات، إما من خلال القصف من الجو، أو تدميرها بواسطة الجرافات، والمسار الثاني يتمثل في تدمير متعمد لشبكات الطرق والمواصلات، من خلال تجريف وتدمير الشوارع المعبدة، والثالث منع وصول الوقود الضروري لتحرك السيارات، وآخرها منع توريد المركبات وقطع غيارها، وهذا كله أدى إلى تدمير نحو نصف المركبات المتواجدة في القطاع، وتوقف النصف الآخر عن العمل.
ويقول المواطن حازم شقفة، إنه كان يملتك مركبة حديثة، يستخدمها في تحركاته وعائلته، وهي كانت من وسائل الراحة لهم، لكنه اضطر لبيعها بنصف ثمنها بعد أن تعطلت، ولم يتمكن إصلاحها، وبسبب نفاذ الوقود، وظل لفترة يعتمد في تحركه على المركبات العمومية، حين كانت البعض منها مازالت تعمل، لكنه الآن يتحرك على قدميه، وفي أحسن الحالات يستقل عربة كارو يجرها حيوان.
واكد شقفة لـ"فلسطين بوست"، أنه في أكثر الدول تخلفاً حتى في إفريقيا، هناك شبكة مواصلات، ومركبات وحافلات تنقل الناس، لكن الاحتلال يُصر على إفقاد سكان غزة كل مظاهر الحياة الحديثة.
انعزال عن العالم
بينما يسعى الاحتلال منذ بداية الحرب على عزل القطاع عن العالم، من خلال أمرين، الأول التحكم الكامل بشبكات الاتصال، سواء الاتصالات الهاتفية الخلوية، أو من خلال شبكة الانترنت، وقد تكرر انقطاعها مرات عديدة، أو من خلال منع وصول الهواتف الذكية، وأجهزة الحاسوب، وقطع غيارها وملحقتها، وهي الوسيلة التي يمكن للمواطنين التواصل مع العالم من خلالها.
وأكد المواطن ياسر عوض إن قدرة الناس في غزة على التواصل مع العالم، والبقاء على متابعة مستمرة لما يدور حولهم تراجعت كثيراً مقارنة بالسابق، وعشرات الأجهزة الخلوية تعطلت، وإعادة شحن المتوفر منها أمر صعب جداً بسبب ازمة الكهرباء، كما أن خدمات الانترنت تنقطع، ويتم فصلها أكثر من وصلها.
وعبر عوض عن اعتقاده في حديث لـ"فلسطين بوست"، بأن الاحتلال يريد عزل غزة عن العالم، وإفقاد الناس كل مظاهر الحياة الحديثة، بغية الضغط عليهم، ودفعهم للهجرة، وهذا الأمر لم يعد سراً، فقد صرح به وزرائهم، ومن بينهم رئيس الحكومة بن يامين نتنياهو أكثر من مرة في السابق، لذلك يجب العمل على إفشال هذه الخطوات، وعلى المحيط العربي والإسلامي نصرة غزة والتحرك لمنع تصفية القضية الفلسطينية قبل فوات الأوان.
كتب: محمد الجمل