بدا واضحاً أن الصحافيين في قطاع غزة، كانوا ومازالوا هدفاً مباشراً لآلة الحرب الإسرائيلية، التي تواصل ملاحقتهم وقتلهم، بهدف إخماد صوتهم.
فعلى مدار نحو 22 شهراً، جرى قتل العشرات منهم، بعضهم قضوا مع عائلاتهم، بعد قصف منازلهم وخيامهم، وآخرون استشهدوا جراء استهدافهم في مركبات، أو في خيام صحافية مقامة في محيط المستشفيات.
ولوحظ أن الاحتلال يتعمد استهداف الصحافيين الأكثر نشاطاً، وعادة ما يسبق استهدافهم بحملة تحريض ضدهم، يتهمهم فيها أنهم عناصر مقاومة يتخفون في عملهم الصحافي، كما حدث مع الصحافيون الشهداء إسماعيل الغول، حسن إصليح، وأنس الشريف وغيرهم.
وحتى لحظة إعداد التقرير بلغ عدد الشهداء الصحافيين في قطاع غزة منذ بدء العدوان 244 صحافياً.
أحدث المجازر
وفي شهر أغسطس/آب الحالي، تصاعد استهداف الصحافيين، إذ ارتكبت قوات الاحتلال مجرتين كبيرتين بحق الصحافيين، راح ضحيتهما نحو 10 منهم، إحداهما في مجمع الشفاء بمدية غزة، وأخرى في مجمع ناصر الطبي.
وفي أحدث الجرائم، ارتكب الاحتلال مجزرة مقصودة ومروعة داخل مجمع ناصر الطبي بمحافظة خان يونس، راح ضحيتها صحافيين وعناصر دفاع مدني، وموظفون في المستشفى.
وبدا أن المجزرة كان مخطط لها بإحكام، إذ بدأت فصولها باستهداف السلم الخلفي لمنى الاستقبال والطوارئ في المجمع، ما تسبب باستشهاد مواطنين أحدها الصحافي حسام المصري، وتدمر جزء من السلم.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن عناصر الدفاع المدني، وصحافيين، وعاملين في المستشفى هرعوا إلى مكان الاستهداف لانتشال الضحايا، وبينما كان الجميع يعملون على رفع الأنقاض التي انهارت فوق جثتي الشهيدين، جرى استهداف المكان مرة اخرى بطائرة انتحارية مُسيرة، ما تسبب بوقوع مجزرة، راح ضحيتها 15 شهيداً، بعضهم من عناصر الدفاع المدني، إضافة للصحافي محمد سلامة، والصحافية مريم أبو دقة، ومعاذ أبو طه، كما أصيب أكثر من 15 آخرون، بينهم صحافيون.
وعلى الفور بدأت عملية إنقاذ ثانية لطاقم الإنقاذ الذي تعرض للاستهداف، وواجه المنقذون مشكلات وصعوبات، بسبب انهيار جزء آخر من السلم، وتحليق طائرات الاستطلاع فوق المبنى، ما خلق تخوفات من احتمال قصفه من جديد.
وأكد شهود عيان أن استهداف المبنى في المرتين كان من طائرات مُسيرة، وفي كلاهما لم يكن يتواجد سوى الدفاع المدني وصحافيون.
وتجمع عشرات الصحافيين والنشطاء داخل المجمع، وسط حالة من الغضب العارم بعد ارتكاب الجريمة والمجزرة، التي وثقتها عدسات الصحافيين، وجرى نشرها أمام العالم، وكان واضحاً أن القصف الآخر أراد الاحتلال منه قتل المسعفين وعناصر الدفاع المدني، وكذلك قتل الصحافيين ممن كانوا يحاولون توثيق القصف الأول.
وطالب إعلاميون بتحرك دولي عاجل لوقف المجازر والجرائم الإسرائيلية التي تستهدفهم، خاصة بعد أن بدا واضحاً من خلال المجزرة الأخيرة أن الهدف هو قتل أكبر عدد من الصحافيين.
يذكر أن الاحتلال استهدف مجمع ناصر الطبي ومحيطه عدة مرات في السابق، غالبيتها كان القصف لصحافيين، حيث قضى جراء ذلك العديد منهم، من بينهم الصحافي حسن اصليح، الذي اغتيل بينما كان يخضع للعلاج داخل المجمع.
قتل مقصود
من جهته أكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن الاحتلال ارتكب جريمة مروّعة بقصف مجموعة من الصحفيين كانوا في مهمة تغطية صحفية بمستشفى ناصر بمحافظة خان يونس، وراح ضحية هذه الجريمة العديد من الشهداء.
ودان المكتب الإعلامي الحكومي بأشد العبارات استهداف وقتل واغتيال الاحتلال "الإسرائيلي" للصحفيين الفلسطينيين بشكل ممنهج، داعياً الاتحاد الدولي للصحفيين، واتحاد الصحفيين العرب، وكل الأجسام الصحفية في كل دول العالم إلى إدانة هذه الجرائم الممنهجة ضد الصحفيين والإعلاميين الفلسطينيين في قطاع غزة.
كما حمل المكتب الإعلامي الحكومي الاحتلال "الإسرائيلي" والإدارة الأمريكية والدول المشاركة في جريمة الإبادة الجماعية مثل المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا؛ نحملهم المسؤولية الكاملة عن ارتكاب هذه الجرائم النَّكراء الوحشية.
ودعا المكتب الاعلامي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والمنظمات ذات العلاقة بالعمل الصحفي والإعلامي في كل دول العالم، إلى إدانة جرائم الاحتلال وردعه وملاحقته في المحاكم الدولية على جرائمه المتواصلة وتقديم مجرمي الاحتلال للعدالة، كما ونطالبهم بممارسة الضغط بشكل جدي وفاعل لوقف جريمة الإبادة الجماعية، ولحماية الصحفيين والإعلاميين في قطاع غزة، ووقف جريمة قتلهم واغتيالهم.
وأكد اعلاميون في وقفات سابقة داخل مجمع ناصر الطبي، ومستشفى الشفاء، رفضهم واستنكارهم لاستمرار قتل زملائهم، مؤكدين أن الاحتلال يواصل قتل الصحافيين، بهدف إسكات صوت الحقيقة، ومنع إطلاع العالم على جرائمه، خاصة أن العالم كله شعوب وحكومات انقلب على إسرائيل، وأدرك حقيقة ما تفعله في قطاع غزة.
وعلق مدير مجمع الشفاء الطبي الدكتور محمد أبو سلمية على جريمة اغتيال الصحافيين داخل مجمع الشفاء "أنس الشريف وزملائه"، قائلاً: "الاحتلال يحاول إخفاء حقيقة مجازره في القطاع باستهدافه الصحفيين.. نخشى أن يموت سكان غزة في صمت دون أن يسمعهم أحد".
وبعد أن أدان تكرار قتلهم، قال المتحدث باسم المفوضية الأممية لحقوق الإنسان إن على إسرائيل احترام الصحفيين وحمايتهم وليس استهدافهم.
كما أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير، "أيرين خان"، على أن "التحريض العلني ضد الصحفيين في مناطق النزاع يضاعف من احتمالات تعرضهم للاستهداف، ويقوّض قدرة وسائل الإعلام على القيام بدورها الرقابي".
وأشارت إلى أن القانون الدولي الإنساني يفرض على أطراف النزاع ضمان حماية الصحفيين والعاملين في الإعلام، وعدم استهدافهم أو التحريض عليهم، باعتبارهم مدنيين يقومون بمهمة مهنية أساسية.
ولخداع العالم، قال رئيس حكومة الاحتلال أنه سيسمح للصحافيين الأجانب بدخول غزة، لكن هذا لم يحدث، ولم يصل أي صحفي، ولم يحدث حتى تنسيق لوصول الصحافيين الاجانب لغزة.
وحدة لشرعنة القتل
ووفق الصحفي الاستقصائي الاسرائيلي "يوڤال ابراهام"، فإن جيش الاحتلال وبعد السابع من تشرين الأول، أُنشئ في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" فريق سُمّي "خلية الشرعية"، يضم عناصر استخبارات يبحثون عن معلومات تساعد على منح "شرعية" لأفعال الجيش في غزة، والمهمة رئيسية لخلية الشرعية هي العثور على صحفيين غزيين يمكن تقديمهم في الإعلام كعناصر في حماس متخفين، وقد بحثوا بشكل نشط عن صحفيين بهذه الصفة، وأمضوا أياماً كاملة في الأمر، ولم يجدوا، متسائلاً لماذا البحث عن صحفي متخفٍ؟ على حد فهمي، لأن ذلك يمنح "شرعية" إعلامية للقتل القائم للصحفيين بشكل عام، وفق ما يقول الصحافي أبراهام.
كتب: محمد الجمل