منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، عمد جيش الاحتلال لارتكاب أبشع الجرائم والفظائع بحق المدنيين، والفئات المشمولة بالحماية وفق القانون الدولي، معتمداً على الحماية الأميركية، التي ضمنت له حتى الآن عدم المحاسبة على تلك الجرائم.
ومن أبرز الجرائم الإسرائيلية التي تكررت مرات عديدة، هي استهداف المنقذين والمسعفين، ممن كانوا يحاولون انقاذ الضحايا من مواقع استهدافهم، بل وتحويل الضحايا من الجرحى والشهداء في بعض الأحيان لـ"فخاخ موت"، لجذب المنقذين وقتلهم.
قتل المنقذين
فقد استشهد عشرات إن لم يكن مئات الشبان، جراء استهدافهم خلال محاولتهم انقاذ الضحايا في مناطق متفرقة من القطاع.
وفي آخر جريمة قتل جيش قبل نحو أسبوع، الاحتلال ثلاثة شبان جراء استهدافين متتاليين، بينما كانوا يحاولون الوصول لمواطنة من عائلة القرا، استشهدت يوم في الثمن عشر من الشهر الجاري في بلدة بني سهيلا، شرق مدينة خان يونس.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن طائرة إسرائيلية مُسيرة استهدفت السيدة تمام القرا، ما تسبب باستشهادها على الفور.
وفي البداية حاول الشابان خليل أبو خطي، وناجي أبو خاطر الوصول للسيدة بهدف انتشالها، وجرى استهدفهما من طائرة إسرائيلية ما تسبب باستشهادهما على الفور، وبقي جثمانيهما إلى جانب جثمان المواطنة تمام.
وبعد ساعات وصل الشاب، أحمد الشامي، وحاول انتشال الشهداء الثلاثة، حيث جرى استهدافه أيضاً، وبقي الشهداء الأربعة في نفس المكان، والطائرات تحوم فوقهم، بانتظار ضحية جديدة، فيما يواصل الدفاع المدني والجهات الإغاثية، إجراء اتصالات بغرض التنسيق للوصول للمنطقة وانتشالهم.
وأكد المواطن إبراهيم حمدان، إن الاحتلال منذ بداية الحرب استخدم جثامين الشهداء كمصائد للقتل، حيث يتم استهداف الضحية الأولى، وانتظار المنقذين لقتلهم.
وأكد حمدان أن أحد أقاربه استشهد خلال محاولته انتشال صديقه الذي جرى استهدافه قبل عدة أشهر شرق خان يونس، حيث بقي جثمانيهما في المكان لفترة طويلة، حتى جرى انتشالهما.
وأكد أن ما يفعله الاحتلال بتحويل جثامين الشهداء لمصائد للقتل يعتبر جريمة، فالاحتلال يدرك أن الشخص الذي يتقدم تجاه الضحية هو مدني يريد انتشاله، مع ذلك يتعمد الجنود استهدافه.
وشدد على ضرورة فنح تحقيق في هذا النوع من الجرائم، الذي تكرر مرات عديدة، ولم يتم التطرق إليها بشكل كافي.
يذكر أن الاحتلال مازال يسيطر على مساحة تزيد على نصف قطاع غزة، ويستهدف أي شخص يحاول الوصول لـ"الخط الأصفر".
جرائم لا تُنسى
وما زالت مأساة الطفلة هند رجب، وطاقم الإسعاف الذي حاول إنقاذها عالقة في أذهان كل أحرار العالم، فالجريمة كانت من الجرائم المشهودة وغير المسبوقة، إذ استهدف الإحتلال طاقم اسعاف كان يحاول انقاذ الطفلة هند، من مدينة غزة، ما تسبب بقتلهم، قبل قتل الطفلة هند.
ففي 29 يناير 2024 قُصفت قوات الاحتلال سيارة تستقلها عائلة الطفلة أثناء محاولتهم النزوح، مما أدى لاستشهاد أفراد عائلتها، وظلت هند محاصرة في السيارة تتصل بالإسعاف، وتطلب النجدة.
وبعدها بفترة قصيرة استجاب فريق اسعاف لمناشدات الطفلة هند، وتوجه للموقع بواسطة سيارة اسعاف عليها شارات وعلامات توضح طبيعتها، في محاولة لانتشالها، غير أن قوات الاحتلال قصفت سيارة الإسعاف بشكل مباشر ومتعمد، ما تسبب باستشهاد فريق الإسعاف بالكامل، ثم جرى قصف المركبة التي تتواجد فيها الطفلة هند، ما تسبب باستشهادها.
ووفق تحقيقات دولية أجرتها كلا من صحيفة "واشنطن بوست"، و"سكاي نيوز"، وتقرير "للهندسة المعمارية الجنائية الدولية"، فإن دبابات إسرائيلية أطلقت النار على السيارة التي تتواجد فيها الطفلة ثم على سيارة الإسعاف، وأن جنود الجيش الإسرائيلي كانوا يرون المسعفين داخل سيارة الاسعاف، مما يُحمل الجيش الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن الحادث.
بينما خُلدت جريمة قتل الطفلة هند رجب، عبر إقامة مؤسسة حقوقية باسمها، تخصصت بملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين حول العالم سميت "مؤسسة هند رجب"، وتسببت بإجبار ضباط وجنود إسرائيليين على الفرار من بعض الدول التي زاروها، ومنعت آخرين من السفر للكثير من الدول حول العالم.
وبعدها بحوالي عام و3 أشهر، ارتكبت قوات الاحتلال جريمة أكثر بشاعة بحق طاقم إسعاف وإنقاذ في الحي السعودي غرب مدينة رفح، حيث جرى استهداف عدة سيارات اسعاف وإنقاذ تابعة للهلال الأحمر والدفاع المدني، بعد توجهها للحي السعودي لإنقاذ جرحى ومحاصرين، ما أدى الى استشهاد جميع طواقم السيارات، وفي محاولة لطمس معالم الجريمة، عملت قوات الاحتلال على دفن سيارات الإسعاف، ودغن جثامين المسعفين.
انتهاكات للقانون الدولي
وأثارت جريمة قتل المسعفين في رفح حينها إدانة دولية واسعة، واعتُبرت جريمة حرب وفقا للقانون الدولي والإنساني، كما وصفها خبراء في القانون الدولي، بأنها من أبشع الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في غزة.
ووصف الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، الهجوم بأنه "الأكثر فتكا" بعمّال الإغاثة منذ ما يقرب من عقد من الزمان.
وأوضح الاتحاد أن عدد قتلى الهلال الأحمر الفلسطيني وموظفيه بلغ 30 منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة "حتى شهر آذار الماضي.
ويقع هذا النوع من الهجوم والاعتداء ضمن ما يُعرّفه نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بـ"جرائم الحرب" لاستهدافه المتعمّد مدنيين ومقدّمي خدمات طبية لا يشاركون في الأعمال القتالية.
ووصفت جهات حقوقية ودولية، من بينها منظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومن رايتس ووتش:" ومنظمة "أطباء لحقوق الإنسان"، الحادث بأنه "مجزرة" انسجاما مع المفهوم المتداول في القانون الدولي الإنساني، والتي يُقصد بها "عملية قتل جماعي عنيف ومتعمد لأشخاص عزّل لا يشكلون أي تهديد عسكري مباشر"..
وتنص المادة 20 من اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12آب/أغسطس 1949 على: "يجب احترام وحماية الموظفين المخصصين كلية بصورة منتظمة لتشغيل وإدارة المستشفيات المدنية، بمن فيهم الأشخاص المكلفون بالبحث عن الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء النفاس وجمعهم ونقلهم ومعالجتهم."