حول الاحتلال قطاع صيد الأسماك، لواحداً من أهدافه خلال حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، إذ عملت بحريته وطائرته وحتى جرافاته على تدمير مقدرات هذا القطاع الحيوي.
وجراء هذا التدمير الممنهج، خسر قطاع الصيد غالبية مقدراته وإمكاناته، وتراجعت كميات الأسماك التي يتم صيدها من البحر لتصبح أقل من 5% قياسا لما كان عليه الحال قبل الحرب، بينما كان الصيادون هدفاً لنيران قوات الاحتلال على الدوام.
خسائر وحصار
من جهته أكد نقيب الصيادين في قطاع غزة نزار عياش إن الخسائر التي لحقت بقطاع الصيد البحري في غزة نتيجة الحرب الإسرائيلية تجاوزت 75 مليون دولار، محذراً من انهيار هذا القطاع الحيوي الذي يعد مصدر الدخل الرئيسي لآلاف العائلات.
وأوضح عياش، أن القصف الإسرائيلي أدى إلى تدمير شامل للبنية التحتية للموانئ البحرية، بما في ذلك ميناء غزة الرئيسي، وميناء شمال القطاع، إلى جانب أضرار لحقت بنحو 70% من مرافق الموانئ في المنطقة الوسطى والجنوبية.
وأضاف عياش أن الدمار طال المراكب ومعدات الصيد ومخازن الصيادين، فضلًا عن فقدان أدوات الملاحة والاتصال، ما جعل من الصعب على الصيادين استئناف عملهم أو إصلاح ما تبقى من ممتلكاتهم في ظل الإمكانيات المحدودة.
وأشار عياش إلى أن إسرائيل لا تزال تفرض قيود مشددة على حركة الصيد داخل المياه قبالة قطاع غزة، ويواصل اغلاق البحر أمام الصيادين.
أما زكريا بكر، منسق لجان الصيادين في قطاع غزة، فأكد له أنه منذ اللحظات الأولى للحرب "مارست قوات الاحتلال ا عمليات قصف ممنهجة على مراسي ومراكب الصيادين من خلال الزوارق والطائرات الحربية، ما أدى إلى تدمير نحو 95% من ممتلكات الصيادين، بما في ذلك مصانع الثلج، وغرف بيع الأسماك، والحسبة الرئيسية داخل الميناء".
وقال بكر إن الهجمات الإسرائيلية طالت جميع المراكب في مدينة غزة "ولم يتبق سوى قارب واحد تم قصفه مؤخرا"، وأضاف: "الاحتلال قضى بشكل كامل على قطاع الصيد وحرم أكثر من 6,000 شخص من العمل، الأمر الذي أثّر بشكل مباشر على الأمن الغذائي لنحو مليوني فلسطيني في القطاع".
وشدد بكر على ضرورة أن يكون قطاع الصيد حاضراً في أي مفاوضات ومؤتمرات المانحين من أجل إعادة بناء ميناء غزة وتشييد غرف جديدة للصيادين، وإدخال معدات ثقيلة لانتشال كل المراكب الغارقة في قاع الميناء، كما أن الصيادين بحاجة إلى استيراد مراكب جديدة وإدخال فنيين لصناعتها وكذلك معدات الصيد.
ويعمل 6 آلاف صياد في قطاع الصيد، في حين تقلص العدد حاليا إلى 400 يعملون على قوارب صغيرة جداً ضمن نطاق بحري لا يتجاوز 800 متر تحت تهديد يومي مستمر من البحرية الإسرائيلية.
صيادون خسروا مصادر دخلهم
ويقول الصياد محمود الهسي، الذي فقد ثلاثة مراكب صيد كبيرة خلال الحرب، وهذا حدث مع الكثير من الصيادين، موضحاً أن قطاع الصيد بات عاجزا عن تلبية الطلب المحلي على الأسماك.
وأكد أن حوالي 47 "حسكة صغيرة" – وقوارب وشبه قوارب صغيرة - تخرج من حوض الميناء، وننتج يوميا من 200 إلى 500 كيلوغرام فقط من السمك.
وأضاف: "في السابق، كان سعر الكيلو يتراوح بين 20 و25 شيكلا، أما اليوم فقد وصل إلى ما بين 100 و300 شيكل، وهو ما يفوق قدرة المواطن على الشراء في ظل الأزمة الخانقة".
بينما يقول الصياد الفلسطيني علي العامودي إن ميناء غزة كان يعج بقوارب الصيد، لكن الاحتلال الإسرائيلي دمره خلال الحرب، مؤكداً أن حياة الصيادين كلها في البحر فهو مصدر الرزق الوحيد.
وأشار العامودي إلى أن الصيادين عادوا إلى حياة بدائية بسيطة، وبات وضعهم صعبا للغاية بعد تدمير كل المراكب الصالحة للإبحار.
تقارير دولية
ووفق تقرير صدر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أفادت المنظمة بأن قطاع الصيد في غزة كان يشكل قبل الحرب مصدر رزق رئيسي لنحو 6,000 شخص، بينهم 4,200 صياد مسجل، وكان يعيل قرابة 110 آلاف نسمة في المجمل.
وأوضحت المنظمة أن الصيادين كانوا يواجهون قيودا مشددة حتى قبل التصعيد الأخير، إذ كانت المناطق التي يسمح بها الصيد تقتصر على ستة أميال بحرية شمالا و15 ميلا جنوباً، أما اليوم، فأصبح الصيد يجري على بعد أمتار قليلة من الشاطئ، ما يجعل حياة الصيادين في خطر دائم.
وذكرت منظمة الفاو أن مرفأ غزة البحري، شمال وادي غزة، تعرض لأضرار جسيمة أدت إلى تدمير الغالبية العظمى من القوارب، مما فاقم أزمة الأمن الغذائي في القطاع.
" قوارب بلا أمان وصيادون تحت النار"
وأصدر تجمع المؤسسات الحقوقية "حرية" ورقة حقائق بعنوان:" قوارب بلا أمان وصيادون تحت النار"، تناولت تفاصيل الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع الصيد في غزة.
ووفقاً لأعمال التوثيق التي قام بها "حرية" واستناداً للمعلومات التي حصل عليها من الجهات المختصة في غزة، فقد قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي (60) صياداً بشكل مباشر، كما وثق "حرية" إصابة (50) صياد منهم"15" صياد يحتاجون للسفر للخارج لتلقي العلاج، وسجل "حرية" اعتقال قوات الاحتلال "20" صياداً لا يعرف مصيرهم.
كما وجاء في الورقة التي أعدها "حرية" أن قوات الاحتلال دمرت"1800" قارب صيد تنوعت ما بين "حسكات ماتور"، و"حسكات مجداف"، و"لنشات"، كما وثق "حرية" مصادرة واستلاء بحرية الاحتلال على "10" قوارب خلال عملها على شواطئ غزة. وسجل "حرية" كذلك تدمير قوات الاحتلال خلال حربها على قطاع غزة مقرات نقابة الصيادين في محافظات القطاع الخمس، بالإضافة لتدمير موانئ الصيد، ومصنع للثلج، وشبكة طاقة بديلة، و"310" غرفة صيد، هذا ورصد "حرية" انتهاج قوات الاحتلال لسياسة إطلاق النار بشكل يومي تجاه شاطئ البحر.
وخلص تجمع "حرية" إلى أن قوات الاحتلال تعمدت توجيه هجماتها صوب الصيادين وقوارب الصيد في سياق الإغلاق الشامل، وفرض الحصار المطبق على القطاع، في أخطر صور العقاب الجماعي في العصر الحديث.
وانتهت أعمال التوثيق التي قام بها "حرية" إلى أن قوات الاحتلال جعلت استهداف قطاع الصيد وتدميره هدفاً من أهداف الحرب.
وجاء في ورقة "حرية": " إن سلوك قوات الاحتلال خلال حرب الإبادة على قطاع غزة شكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان، وأن استهداف قطاع الصيد يشكل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، وفقاً لما بينته أحكام "نظام روما"، الناظم لعمل المحكمة الجنائية الدولية، كما ويشكل توجيه قوات الاحتلال لهجماتها صوب المرافق والأعيان والمنشآت التابعة لنقابة الصيادين جريمة ضد الإنسانية، باعتبارها أعياناً مدنية وتتمتع بالحماية في أوقات النزاعات المسلحة.