استقبل غالبية سكان قطاع غزة تشكيل لجنة إدارية جديدة لإدارة شؤون القطاع بارتياح كبير، وسط آمال بأن تسهم تلك اللجنة في تحسين حياة الناس، وعلاج مشاكلهم، ورفع المعاناة عنهم.
لكن اللجنة المذكورة وقبل أن تتسلم رسمياً أعمالها، بدأ الاحتلال بمهاجمة أعضائها، والاعتراض على بعض الأسماء، لاسيما حسني المغني، ومطالبة استبداله.
وبالتوازي مع تشكيل اللجنة الفلسطينية، جرى تشكل "مجلس سلام"، يضم شخصيات دولية وإقليمية بارزة، من بينها المبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، ووزير الخارجية التركي "هاكان فيدان"، ورئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، ومسؤول قطري رفيع، ووزيرة الخارجية الإماراتية ريم الهاشمي، إضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لكن هذا المجلس لم يسلم من انتقادات ورفض "نتنياهو".
آمال كبيرة
وعلق المواطنون في قطاع غزة آمالا كبيرة على اللجنة الإدارية الجديدة، التي أُسند إليها تسيير أمور قطاع غزة خلال الفترة الحالية، وسط آمال بأن تسهم تلك اللجنة في تحسين حياة المواطنين، وحل مشكلة الإيواء، والمساهمة في فتح معبر رفح.
وأعرب مواطنون عن ارتياحهم لتشكيل اللجنة، التي يحظى أعضائها بقبول من جميع الجهات، مؤكدين أن الحكم على اللجنة يجب أن يكون من خلال الأفعال لا الأقوال، وأن الوضع يجب أن يشهد تحسين كبير في ظل اللجنة المذكورة.
وقال المواطن أحمد الخطيب إن تشكيل اللجنة خطوة على الطريق الصحيح، وثمة الكثير مطلوب منها، وفي مقدمة ذلك تحسين حياة الناس، ومعالجة ملف الإيواء والإعمار، والانتقال الفعلي للمرحلة الثانية من اتفاق التهدئة في غزة.
وأكد الخطيب أنه يعي التحديات والصعوبات التي تواجه أعضاء اللجنة، لكن الجميع ينتظرون ويترقبون ما ستقوم به تلك اللجنة من إجراءات تحسن حياتهم، وسط مخاوف من أن يُفشل الاحتلال عملها.
وبين أن المطلوب في البداية أن تعمل اللجنة على إيواء الناس، وترحمهم من عذابات الخيام، وأن تتمكن من إيصال المساعدات بشكل عادل للجميع.
في حين قال المواطن عبد الله الشاعر، إن الوضع سيء والنازحين في المخيمات كما الغريق الذي يتعلق بقشة، لذلك الجميع ينتظر من اللجنة الكثير، منهم من يريد الإيواء، ومنهم من يريد المعونات، وثمة من يتمنون أن تسهم اللجنة في الدخول الفعلي للمرحلة الثانية من الاتفاق، بما يشمل الانسحاب، وعودة الناس لمدنهم أحيائهم التي أُجبروا على النزوح عنها.
وأكد أن ثمة موظفين لا يعرفون مصيرهم، وهناك عالقون داخل وخارج القطاع ينتظرون فتح المعبر للمغادرة أو المجيء للقطاع، والكل ينتظر ما ستقدمه اللجنة لهم.
وقال المحلل السياسي إياد القرا إن الإعلان المرتقب عن تشكيل اللجنة الإدارية لقطاع غزة يمثّل أول اختبار عملي للمرحلة الثانية، ومحاولة للانتقال من منطق التفاهمات والتهدئة الهشّة إلى إدارة واقع إنساني وميداني بالغ التعقيد.
وأوضح القرا، أن نجاح اللجنة يبقى مرهونًا بخطوة جوهرية تتمثل في بدء انسحاب جيش الاحتلال من المناطق المصنفة صفراء وفق التفاهمات الأمنية، معتبرًا أن استمرار وجود قوات الاحتلال مكانها، يفرغ أي جهد إداري أو إغاثي من مضمونه، ويعطّل القدرة على التحرك الميداني الفعلي لإغاثة النازحين وتنظيم الاستجابة الإنسانية.
إسرائيل تحاول إفشال اللجنة
وادعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تشكيل "لجنة قطاع غزة" تم دون تنسيق مع إسرائيل ويتعارض مع سياستها، في بيان وصف بغير المألوف والعدواني حتى تجاه الإدارة الأمريكية، ما يمهد لمحاولة افشالها اسرائيلياً.
من جهته، قال الكاتب والباحث السياسي محمد القيق إن ما يجري لا يتعدى كونه إدارة أزمة، وليس حلًا للمسار القائم، مشيرًا إلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لمح بوضوح إلى وجود جزء أخير يسعى لاستعادته، وربط ذلك بمعبر رفح، في ظل موقف أمريكي يبدو متوافقًا مع هذا التوجه.
وأضاف القيق، أن الأطراف المعنية تحاول تجميل المشهد عبر تحريك أسماء إدارية فقط، دون الذهاب فعليًا إلى استحقاقات المرحلة التالية، وفي مقدمتها انسحاب قوات الاحتلال وفتح المعابر وتنظيم تفاصيل الحياة اليومية وضمان تدفق المساعدات.
واعتبر أن هذه التعقيدات مقصودة وتشكل جزءًا من سياسة "إسرائيل" المدعومة أمريكيًا، لتمكينها من الادعاء بالانتقال إلى المرحلة الثانية بأسلوب قائم على المماطلة، مؤكدًا أن هذه السياسة تهدف إلى إفراغ المرحلة من مضمونها الحقيقي.
الاقتصاد رهينة المرحلة الثانية
في حين أكد الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن تشكيل اللجنة المطروحة لإدارة المرحلة الحالية في قطاع غزة يجب أن يُفهم ضمن إطاره الحقيقي، لا كما يروج له أحيانا، فهذه اللجنة، حتى لو نجحت تنظيميا وحظيت بتوافق واسع، ستبقى لجنة إغاثية بالدرجة الأولى، هدفها إدارة الوضع الإنساني وليس حل الأزمات الكبرى المتراكمة.
وأوضح أبو قمر أن الرهان الأساسي على اللجنة سيكون في ملف المساعدات، من ناحية تنظيم التوزيع وتقليل الفوضى وضمان وصول الإغاثة إلى أكبر عدد ممكن من الناس وإدخال المأوى وخصوصا الكرفانات، وهذا بحد ذاته أمر مهم خصوصاً بعد حالة الارتباك التي شهدها هذا الملف خلال الأشهر الماضية، وأي تحسن في هذا الجانب قد يخفف جزئياً من معاناة المواطنين، لكنه لا يغيّر الواقع الاقتصادي جذريا.
وأشار أبو قمر إلى أن المشاكل الكبيرة في غزة، مثل إعادة الإعمار والبطالة والفقر، لا تملك اللجنة أدوات لمعالجتها حاليا، موضحاً أن إعادة الإعمار تحديدا ليست قرارا إداريًا أو فنيا فقط، بل ملف سياسي بامتياز، مرتبط برفع القيود وفتح المعابر وإدخال المواد الخام، وهي أمور ما زالت خاضعة لفيتو إسرائيلي واضح.
وتابع: قد نشهد بعض التحسن المحدود في الأسواق، كزيادة دخول البضائع أو انخفاض نسبي في الأسعار، لكن هذه آثار جانبية مؤقتة، وليست مؤشرات تعافٍ اقتصادي حقيقي. العمل الإغاثي، مهما توسع لا يصنع اقتصادا، بل يدير حالة طوارئ.
وقال أو قمر: " الخلاصة أن اللجنة في هذه المرحلة، يمكن أن تُخفف من حدة الأزمة الإنسانية، لكنها لا تمثل حلاً للمشاكل الجوهرية، وأي حديث عن تغيير اقتصادي أو إعمار شامل هو حديث مؤجل إلى أن تتغير المعادلة السياسية القائمة،
..ببساطة، أي تحسن اقتصادي حقيقي في غزة يبدأ من السياسة، لا من الإغاثة فقط".