أكثر من عامين من الحرب التي مازالت مستمرة على قطاع غزة، شكّلت وضعاً اقتصادياً مشوهاً، أدى إلى ارتفاع معدلات الانفاق للأسر على نحو غير مسبوق، مقابل الحصول على سلع وخدمات تعتبر قيمتها أقل بكثير من تلك المعدلات.
ووفق خبراء ومحللون، فإن الأموال في قطاع غزة فقدت جزء كبير من قيمتها الحقيقية في ظل الحرب، ما أضاف أعباء كبيرة على المواطنين.
إنفاق كبير
فقد اضطرت الأسر في قطاع غزة، لإنفاق مبالغ مالية طائلة، للحصول على القليل من السلع والخدمات، خاصة خلال فترة المجاعة، وأثناء عمليات النزوح.
المواطن خالد عبد المنعم، أكد أنه لم يعش أصعب من عامي الحرب، التي كلفته مبالغ مالية كبيرة، كفيلة ببناء منزل من جديد، وشراء سلع وخدمات تكفيه لأربع سنوات.
وأكد عبد المنعم أنه أنفق على الخيام والشوادر، ومستلزمات الإيواء الأخرى أكثر من 40 ألف شيكل، فقد اشترى خيمة واحدة في ذات المرات مقابل 4000 شيكل، وكل عملية نزوح أجبر عليها، كان بحاجة للمال، من أجل دفع أجرة النقل، وشراء مستلزمات الإيواء، عدا عن حاجته لدفع بدل إيجار قطع أراضي أقام فيها، وقد نزح منذ بداية الحرب 8 مرات.
وبين أنه اشترى السلع الغذائية في فترات المجاعة بعشرات أضعاف ثمنها الحقيقي، وهذا زاد من معدلات الإنفاق لديه، موضحاً أنه صرف كل المال الذي يدخره، إضافة لاضطراره لبيع الذهب من حلي زوجته، وجميع الرواتب الشهرية التي تلقاها خلال الحرب، إضافة لصرف معونات عائلية وصلت له من أقارب في الخارج.
وكشفت مؤسسة "الدراسات الفلسطينية" أن ما أنفقته الأسر في قطاع غزة خلال فترة الحرب، الذي قُدر بنحو 1.8 مليار دولار، لا يعكس قيمته الحقيقية، إذ لا تتجاوز قيمته الفعلية 604.8 ملايين دولار فقط، ما يعني أن الأسر خسرت فعليًا نحو 1.21 مليار دولار نتيجة ممارسات الاحتكار والاستغلال.
وأوضحت المؤسسة أن المواطن في غزة خسر ما نسبته 66.7% من أمواله المنفقة خلال الحرب، بفعل عمليات الاحتكار والابتزاز، الأمر الذي أدى إلى فقدان الأسرة الفلسطينية ثلثي دخلها الحقيقي، وتحويله إلى دخل احتكاري وأرباح ابتزازية انتقلت من حسابات المواطنين، إلى فئة احتكارية استغلالية داخل المجتمع.
وبينت الدراسة أن هذه الخسارة تنطبق أيضًا على الأسر التي تلقت مساعدات نقدية خلال فترة الحرب، سواء من المؤسسات الدولية أو عبر التبرعات والتحويلات العائلية من الخارج، مشيرة إلى أن كل 100 دولار حصلت عليها الأسرة لم تكن تعادل فعليًا سوى نحو 33 دولارًا فقط من حيث القدرة الشرائية خلال الحرب.
معركة البقاء اليومية
منذ اندلاع حرب الإبادة، لم يعد اقتصاد غزة مجرد أرقام منهارة في تقارير، بل تحوّل إلى عبء يومي ثقيل يلاحق الناس في أدق تفاصيل حياتهم، فالحرب لم تدمر المباني فقط، بل ضربت جوهر الحياة الاقتصادية، فجردت الغالبية من مصادر دخلها ودفعت المجتمع بأكمله إلى حافة العوز والانكشاف.
ويقول الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر: "اليوم يعتمد نحو 95% من سكان القطاع على المساعدات بعد أن كان الاعتماد قبل الحرب بحدود 55%، وهذا التحول الخطير لا يعكس سخاء المساعدات بل انهيار القدرة على العمل والإنتاج، موضحاً أن المساعدات مهما بلغت لا يمكن أن تكون بديلاً عن اقتصاد حقيقي، بل تتحول مع الوقت إلى شريان هش قد يُقطع أو يُسيس في أي لحظة، وهذا ما حدث خلال الشهور الماضية.
وأكد أبو قمر أن سوق العمل شبه مشلول؛ والبطالة تحوم حول 80% ونسبة المشاركة في القوى العاملة انخفضت بشكل حاد، ما يعني أن آلاف الغزيين لم يعودوا يبحثون عن عمل أصلاً بعد أن فقدوا الأمل.. هذا ليس مجرد ركود بل انهيار بنيوي يهدد رأس المال البشري ومستقبل أجيال كاملة.
وتابع أبو قمر: في المقابل، يتآكل الدخل لمن بقي لديه راتب، مع صرف جزئي لا يواكب تضخماً جامحاً، حيث قفزت الأسعار لمستويات غير مسبوقة بسبب شح السلع وتدمير سلاسل التوريد، فتحولت رحلة التسوق إلى معادلة مستحيلة وأصبح الاختيار بين الأساسيات قاسياً ومهيناً.
وأشار أبو قمر إلى أن اقتصاد غزة اليوم عالق في حلقة خانقة، بطالة مرتفعة، ودخل متآكل، وأسعار ملتهبة ومساعدات لا تصل، وفي النهاية، يدفع المواطن ثمن هذا الانهيار الشامل، إذ يعيش تحت ضغط دائم لتلبية أساسيات الحياة في واقع يفتقر لأي استقرار اقتصادي.
وجاء في بيان مشترك صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة النقد الفلسطينية، ضمن الحصاد الاقتصادي لعام 2025، أن البطالة في قطاع غزة لم تعد ظاهرة اجتماعية مؤقتة، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تهدّد الاستقرار المعيشي والاقتصادي للمجتمع بأسره.
وحسب البيانات الرسمية، تجاوز معدل البطالة في قطاع غزة 80% خلال عام 2025، في مؤشر يعكس الشلل شبه الكامل في سوق العمل.
خسائر كبيرة
كشف المكتب الإعلامي الحكومي عن حصيلة أولية صادمة لحجم الخسائر التي لحقت بالقطاعات الحيوية في القطاع، إذ قدّر مجموع الخسائر المباشرة لـ "الإبادة الجماعية" بنحو 70 مليار دولار، في واحدة من أكبر الكوارث الاقتصادية والإنسانية في التاريخ الحديث.
وفق البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب، جاءت القطاعات الخدمية والإسكانية والصحية على رأس قائمة المتضررين، إذ بلغت خسائر القطاع الإسكاني نحو 28 مليار دولار نتيجة الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والمساكن، فيما وصلت خسائر القطاع الصحي إلى قرابة 5 مليارات دولار بسبب تدمير المستشفيات والمراكز الطبية وانقطاع الخدمات الأساسية، أما القطاع التعليمي، فقد تكبّد خسائر تقارب 4 مليارات دولار جراء تدمير المدارس والجامعات ومرافق التعليم.
من جهته أكد المحلل الاقتصادي الفلسطيني، الدكتور نصر عبد الكريم أن ما يجري في غزة لم يعد مجرد عدوان عسكري، بل إبادة اقتصادية شاملة قضت على مقومات الحياة الاقتصادية في القطاع، فقد خسر اقتصاد غزة أكثر من 90 بالمئة من قيمته، وتوقفت جميع القطاعات الإنتاجية تقريباً من زراعة وصناعة وتجارة وسياحة، فيما لم تتبق سوى أنشطة محدودة مرتبطة بالإغاثة أو الإنتاج المنزلي البسيط.