أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

تقارير بوست

الفيروسات تستوطن مخيمات النزوح وتتحول إلى قاتل صامت

9 مارس 2026 - بقلم: محمد الجمل

بعد نحو 30 شهراً من حرب الإبادة، والنزوح، والعيش في الخيام، بات أكثر من 1.7 مليون نازح يعيشون ما يشبه معركة يومية من أجل البقاء، ويبذلون جهوداً كبيرة لتوفير احتياجات عائلاتهم من المأكل، والمشرب، وتجهيز المأوى، وتوفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية.

لكن العيش في مخيمات مكتظة، تفتقر لمقومات الحياة، وانتشار التلوث وسط الخيام، سواء من خلال مياه الصرف الصحي التي تنشر بركها في كل مكان، أو أكوام النفايات الصلبة، التي تتكدس وسط الخيمات وبين الخيام، أو تلوث الطعام ومياه الشرب، يبدو أمراً قاسياً وشديد الخطورة.

ووسط الحياة القاسية، والبيئة الملوثة، وضعف الخدمات الصحية، ظهرت الفيروسات والطفيليات والميكروبات المعدية كواحدة من أكبر الأخطار التي تواجه النازحين، متسببة بأمراض عانى منها غالبية النازحين إن لم يكن جميعهم.

أمراض ومعاناة

على مدار نحو 30 شهراً، فتكت الفيروسات بالنازحين، منها التنفسية، والمعوية، إضافة لفيروس الإنفلونزا، وكذلك فيروس التهاب الكبد الوبائي، وفيروس "كورونا"، والتهاب السحايا، وفيروس تنسفي غامض، لمن يتم معرفة ماهيته، وبعضها وصف بأنه خطير مثل فيروس شلل الأطفال، الذي ظهر على نطاق ليس كبيراً.

وتشهد مراكز الرعاية الأولية والمستشفيات في غزة، ازدحام وتكدس للمراجعين، أغلبهم يعانون من إصابات فيروسية، وآخرون يعانون أمراضاً مزمنة، وجميعهم جاؤوا للحصول على الدواء والرعاية الصحية.

وفي مستشفيي ناصر والشفاء بمدينتي خان يونس وغزة، يتكدس المرضى في ممرات وأزقة المستشفيين، غالبيتهم دفعهم "فيروس غامض"، كما يقول الأطباء، إلى هذه المستشفيات المستنزفة أصلاً.

وتقول المواطنة مريم صلاح، إن الفيروسات المعدية باتت خطر لا يقل عن القصف والصواريخ، فهي عدو صامت، تتسلل للخيام بخفاء، وتصيب أفراد العائلة.

وأكدت صلاح أنها تعاني وعائلتها منذ أكثر من عامين من إصابات فيروسية، تارة تنفسية، وأخرى معوية، وأخطرها كان التهاب الكبد الوبائي، الذي عانى منه ثلاثة من أبنائها، وأحدهم كاد أن يفقد حياته بسبب هذا الفيروس.

وأوضحت أن شهري ديسمبر ويناير الماضيين شهدا ذروة الإصابات الفيروسية لعائلتها، حيث عانى أبنائها من مشاكل تنفسية وصدرية وحمى لا تعلم ماهيتها، لكنها كانت تسبب أعراض قاسية، مثل ارتفاع درجات حرارة الجسم، وآلام المفاصل، والسعال، وضيق التنفس وغيرها.

وأشارت إلى أنها وحين كانت تتوجه للمستشفيات والمراكز الصحية في خان يونس، كانت تشاهد عدد كبير من المواطنين، يصطفون في طوابير أمام غرف الأطباء والصيدليات، للحصول على العلاج والرعاية الصحية، بعد اصابتهم بالفيروسات.

خطر داهم

بينما يخشى أطباء من ظهور واسع لفيروسات أخرى، ربما تكون أشد فتكاً، خاصة في ظل هشاشة الوضع الصحي، وتلوث المياه، وتراكم مياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة في الشوارع.

ويقول رئيس قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى الشفاء بغزة الدكتور معتز حرارة إن الفترة الماضية شهدت تردد ما معدله أكثر من 500 مريض إلى قسم الاستقبال والطوارئ بشكل يومي، نحو 200 منهم كانوا يعانون أمراضا تنفسية حادة، أبرز أعراضها ارتفاع في درجات الحرارة، وضيق التنفس، والإرهاق الشديد، والإسهال، والقيء المتواصل، والسعال وآلام الصدر.

ووفق أطباء يعملون في المستشفى المذكور فإن هناك ظهور ألمراض لم تكن شائعة بهذه الوتيرة، كـ"الليبتوسبيروز"، وهي عدوى بكتيرية تنقلها الفئران والقوارض، كانت تُسجل إصابة كل 3 أعوام، أما الآن فيسجل المستشفى حالتين أو ثلاثا كل شهرين.

 كما ظهرت حالات لافتة من "الشلل الرخو الحاد"، كان يُسجل سنوياً بضع حالات، لكن حرى تسجيل عدد كبير من الحالات بسببه.

بينما أكد الدكتور الصيدلاني ذو الفقار سوريجو إلى أن النزلات المعوية ونزلات البرد تتصدّر شكاوى المرضى، بفعل المياه غير الصالحة للشرب والأغذية غير المضمونة، وظروف التخزين السيئة داخل الخيام، ما يخلق سلسلة من حالات التسمم المتكرر.

وأكد سوريجو أن الاصابة بالفيروس يُفترض أن يُشفى خلال أيام، لكن في غزة فإن رحلة التعافي قد تمتد لأسابيع، وهو ما يُفسّره سوريجو بثلاثة عوامل، الأول طبيعة الفيروس غير المحددة بعد، والثاني ضعف مناعة الناس بعد عامين من سوء التغذية والإرهاق الجسدي، والثالث الحالة النفسية المنهكة التي تؤخّر قدرة الجسم على المقاومة.

 وبين عائلات تحاول حماية أبنائها من فيروس يتربّص بها، وطبيب يقف على خط الدفاع الأول في منظومة صحية متعبة، يبدو أن المرض لم يعد عارضاً مؤقتاً، بل امتداد آخر للحرب، يكشف هشاشة الجسد الجمعي، ويهاجم الهواء والأجساد وما تبقّى من قدرة الناس على الاحتمال.

تحذيرات دولية

وسبق وحذر تقرير صدر مرخراً عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا)، بأن الوكالة والشركاء الصحيين أشاروا إلى زيادة في عدد حالات الأمراض المعدية، بسبب الاكتظاظ، وسوء الظروف الصحية، ومحدودية الوصول إلى المياه النظيفة.

وأضاف التقرير: "حسبما أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، لا تزال التهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال المائي الحاد أكثر الحالات المبلغ عنها شيوعاً، وشكلتا 58% إلى جانب 41% على التوالي من جميع الأمراض المبلغ عنها".

وقالت المنظمة إن السكان في القطاع أنهكهم الجوع وسوء الأحوال المعيشية، ويعانون من الإسهال والتهاب السحايا ومتلازمة غيلان باريه وغيرها من الأمراض الخطيرة.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن الغارات الجوية ونقص الإمدادات الطبية والغذاء والماء والوقود - كل ذلك أدى إلى استنزاف النظام الصحي الذي يعاني أصلاً من نقص الموارد.

ومارست المستشفيات عملها بما يتجاوز طاقتها الاستيعابية بسبب ارتفاع أعداد المرضى، بالإضافة إلى المدنيين النازحين الباحثين عن مأوى، وبات تقديم الخدمات الصحية الأساسية عرضةً للخطر الشديد.

كما سبق وحذّر رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة "أدريان زيمرمان"، من أن النقص الحاد في الإمدادات الطبية "يضع حياة وسلامة سكان غزة ممن يحتاجون إلى خدمات الرعاية الصحية، في خطر".