يعيش مئات الآلاف من النازحين داخل قطاع غزة في خيام بين ركام المباني المدمرة، وسط خطر مستمر جراء إطلاق الرصاص والصواريخ وإسقاط القنابل من المُسيرات الإسرائيلية بشكل يومي، رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
وباتت المُسيرات واحدة من أكبر المخاطر التي تواجه النازحين في القطاع، لاسيما أنها تنفذ هجمات وغارات يومية، تستهدف خيام، ومارة، ومركبات، ومنازل.
نيران المُسيرات تلاحق النازحين
ومؤخراً كثف جيش الاحتلال من اعتماده على المُسيرات الصغيرة "كواد كابتر"، المزودة برشاشات وبنادق قنص، وقنابل يتم اسقاطها على المواطنين، خاصة في مناطق شرق مخيمي البريج والمغازي وسط القطاع، وشق مدينة غزة، وشمال القطاع.
وباتت تلك المُسيرات من أكبر الأخطار التي تواجه المواطنين والنازحين، لاسيما أنها تصل فجأة ودون إصدار أصوات ملفتة، وتطلق النار تجاه المواطنين دون سابق إنذار، وأحياناً تُسقط قنابل على المنازل، كما حدث قبل يومين في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة.
وخلال الأيام القلقلة الماضية جرى تسجيل عدد كبير من الضحايا، بعضهم شهداء، وآخرون جرحى، جراء إطلاق النار واسقاط القنابل من الطائرات المذكورة، بعضهم نساء.
ولوحظ أن المُسيرات المذكورة تفتح النار تجاه المارة، حتى في مناطق بعيدة عن "الخط الأصفر"، كما حدث قبل يومين في مناطق بمخيم النصيرات وسط القطاع.
واكد شهود عيان، أن الاحتلال يعتمد على هذه المُسيرات كبديل للدبابات، والجنود، وهي تُطبق على طول "الخط الأصفر"، شرق، وشمال، وجنوب القطاع، وتطلق النار تجاه المواطنين.
وأكد المواطن خالد عيد، من سكان وسط مدينة خان يونس، أنه لم يعد يخشى شيء كما يخشى تلك المُسيرات الصغيرة "كواد كابتر"، التي أساء الاحتلال استخدامها وحولها لأدوات قتل، إذ كانت قبل الحرب مصدر للفرح، من خلال استخدامها في تصوير الافراح والمناسبات السعيدة.
وبين أنه يمشي وعينيه لا تفارق الأجواء، خاصة الجهة الشرقية، وبمجرد الآن يرى إحداها قادمة، يهرب وتوارى عن الأنظار، وفي مرة فر تاركاً مكانه، بعد أن رأى طير قادم، ظناً أنه طائرة مُسيرة.
وأكد أن الناس يعيشون في حالة خوف بسبب هذه المُسيرات، مؤكداً أنها لم تعد تأتي للاستطلاع والتصوير، بقدر ما أصبحت تصل من أجل القتل وإطلاق النار المباشر.
وأفادت تقارير محلية بأن الاحتلال يستخدم "مُسيرات" تصدر أصوات استغاثة مزيفة (صراخ أطفال ونساء) لاستدراج المواطنين النازحين، ثم استهدافهم بدم بارد.
وقالت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، في تحقيق، إن المسيّرات الإسرائيلية بات لها حضور دائم في فضاء قطاع غزة، ما أثر على حياة ونفسيات الفلسطينيين، موضحة أن "المسيّرات الإسرائيلية تخترق كل لحظة من لحظات الحياة اليومية لسكان غزة وتلاحقهم في كل مكان، وتتحرك ذهابا وإيابا مسببة ضجيجا يعني شيئا واحدا لسكان غزة وهو: نحن نراقبكم".
حصيلة يومية للشهداء
ويواصل الاحتلال سياسة التصعيد اليومية في قطاع غزة، مستخدماً سلاح المُسيرات، في قصف أهداف متفرقة داخل القطاع.
وكان لافتاً أن عدد الضحايا ارتفع خلال الشهرين الماضي والجاري، بسبب تزايد الهجمات تحت غطاء انشغال العالم بالحرب الدائرة على جبهات أخرى، حيث لم تعد قوات الاحتلال تركز على المناطق الواقعة خلف "الخط الأصفر" التي تتبع لسيطرتها الكاملة، إذ تتواصل هناك يومياً عمليات القصف المدفعي وإطلاق النار الكثيف، بل وامتدت تلك الاعتداءات إلى ما تبقى من مناطق ضيقة يقيم فيها السكان بكثافة كبيرة تفوق أكثر مناطق العالم ازدحاماً.
وينجم عن القصف والغارات الإسرائيلية سقوط عدد يومي من الشهداء، يتراوح ما بين 5-10، غالبيتهم يسقطون جراء استهداف مجموعات من المواطنين، أو مركبات للشرطة، أو حتى خيام للنازحين.
ويؤكد هذا الرقم اليومي للضحايا، أن ثمة تعمد إسرائيلي باستمرار التصعيد في المرحلة الحالية ضمن حدود معينة، بحيث لا يمر يوم دون غارات وقصف توقع هذا الرقم من الشهداء.
ووفق مواطنون فإن الاحتلال يريد أن يحول القتل والموت اليومي في غزة إلى أمر واقع على الناس، بهدف سلبهم أي شعور بالأمان أو الاستقرار، فأصوات الانفجارات، وصافرات سيارات الإسعاف، ومشاهد الدماء والأشلاء، كلها عوامل تعمل على بقاء التوتر والترقب والقلق، وتجعل الناس يعيشون في دوامة من الخوف المستمر، ويتوجسون من تجدد الحرب بشكل واسع في أية لحظة.
ووفق خبراء ومطلعون فإن كل الوقائع تشير إلى أن إسرائيل ذاهبة نحو فرض المزيد من الوقائع على الأرض في قطاع غزة، مستغلة استمرار انشغال العالم بالحرب على جبهة لبنان، والتهديدات المستمرة بتجددها على جبهة إيران، وذلك لتمرير مخططاتها العسكرية، التي تهدف إلى استمرار احتلال أغلب مناطق قطاع غزة، من خلال الخطة التي عرضها "مجلس السلام" وتتلاءم مع مطالبها بشأن "سلاح المقاومة"، والتي أبدت فصائل المقاومة بشكل مبدئي الاعتراض عليها.
عدوان لم يتوقف
ووفق متابعة المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن قوات الاحتلال لم تتوقف منذ إعلان وقف إطلاق النار، عن تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي وإطلاق نار، إلى جانب عمليات نسف متكررة داخل المناطق الواقعة ضمن ما يعرف بـ "الخط الأصفر"، بهدف تدمير ما تبقى من منازل ومبانٍ.
ويؤكد المركز أن استمرار قوات الاحتلال في عمليات القتل الواسعة واستهداف المدنيين، بالتزامن مع سياسة التجويع والحصار، "يشكل نمطاً متكاملاً من الأفعال التي ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية وفق أحكام القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948".
من جهتها أكدت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة، إن الانتهاكات الجسيمة والمنهجية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين تتواصل، وقالت إنها لا تقتصر على القتل والاستهداف المباشر، بل امتدت لتشمل تدمير الأحياء السكنية بشكل واسع، وفرض حصار خانق، وتهجير السكان قسراً من مناطقهم.
وتطرقت المؤسسة في تقرير أصدرته إلى تواصل سياسات السيطرة على الأراضي في قطاع غزة بوتيرة متصاعدة، من خلال فرض ما يُعرف بـ"المناطق العازلة"، وعلى وجه الخصوص "المنطقة الصفراء.
تهديد بعودة الحرب
وأسفرت الخروقات الإسرائيلية اليومية عن استشهاد 795 فلسطينياً، وإصابة 2250، بحسب أرقام وزارة الصحة في غزة.
وكشفت القناة 14 الإسرائيلية أن جيش الاحتلال يستعد للعودة لقتال مكثف في قطاع غزة مطلع الشهر المقبل، في حين جدد وزير المالية اليميني المتطرف "سيموتريتش"، دعوته إلى إعادة الاحتلال الكامل لقطاع غزة وإقامة مستوطنات فيه.
وذكرت القناة الخاصة -المقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي "بن يامين نتنياهو"– أن "قرار عودة الحرب على غزة جاء عقب إعلان حركة "حماس"، التمسك برفض نزع سلاحها وتفكيك قدراتها العسكرية".، وفق القناة.