اختلفت وجوه وأفكار وجنسيات وأعمار المبحرين على متن أسطول الصمود المتجه لغزة، لكنهم التقوا جميعا عند قناعة واحدة، وهي أن الصمت أمام ما تعيشه غزة من مأساة ليس في حساباتهم.
هناك، بين شابة أوروبية، وطبيب عربي، ومتقاعد آسيوي، وناشط قطع آلاف الكيلومترات من أقصى الأرض، تتشكل قصة إنسانية تتجاوز الحدود والهويات، عنوانها الوقوف في وجه الظلم والإصرار على إبقاء غزة حاضرة في ضمير العالم.
إحدى المشاركات في الأسطول، هي امرأة بحرينية تجاوزت السبعين من عمرها، لم تكن هذه رحلتها الأولى، إذ سبق أن تعرضت للاحتجاز مرتين خلال محاولات سابقة، لكنها عادت مجدداً، تاركة منزلها ومتجهة إلى تركيا للمشاركة للمرة الثالثة في محاولة الوصول إلى غزة.
وعلى بعد أمتار منها، شاب إيرلندي يناقش احتمالات اعتراض الأسطول كما حدث في مرات سابقة، بدا مدركاً تماماً لما قد ينتظره في عرض البحر، لكنه يؤكد بهدوء: "حتى لو كانت القيمة الوحيدة للأسطول هي إشغال البحرية الإسرائيلية عن صيادي غزة ليومين أو ثلاثة، فهذا يكفينا".
أما المخرج الأسترالي الذي حمل كاميرته معه إلى السفينة، وأدرك أن المعركة اليوم لم تعد عسكرية أو سياسية فقط، بل إعلامية أيضاً، أكد أن الأجيال الجديدة باتت تعرف حقيقة ما يجري في غزة عبر النشطاء ومنصات التواصل، لا عبر القنوات الرسمية التي يعتبر أن كثيراً منها منحاز لإسرائيل، لذلك، قرر أن يكون جزءاً من الأسطول.
وفي زاوية أخرى، كانت امرأة إندونيسية تجاوزت الخمسين تتحدث عن أطفال غزة وتغلبها دموعها، مؤكدة أنها تشعر بحسرة وخجل شديدين كلما شاهدت صور الأطفال الممزقين تحت القصف، وأنها تشارك في الأسطول حتى تعذر نفسها أمام الله.
الرحلة لم تكن مقتصرة على النشطاء السياسيين، بل ضمت أيضاً أطباء ومتخصصين من دول عدة. طبيبة مغربية وأخرى تونسية تعملان منذ أسابيع على مشروع سفينة طبية خاصة بالأطباء المتجهين إلى غزة، تحمل اسم الطبيب حسام أبو صفية، وتضم كوادر من مختلف أنحاء العالم، في محاولة لتقديم دعم إنساني مباشر للقطاع المحاصر.
ومن نيوزيلندا، جاء شاب قضى أسابيع طويلة في البحر، تاركاً حياته اليومية خلفه، وعندما سُئل عن سبب مشاركته، قال: "ربما نكون نحن الشرارة التي توقظ العالم وتلفت انتباهه إلى أن المأساة في غزة ما زالت مستمرة".
بينما كان ناشط تركي يستعد للإبحار للمرة الثانية خلال شهر واحد، بعد أن تعرض للاعتقال والضرب والتعذيب في أسطول سابق انطلق من برشلونة، هذه المرة لم يأت وحده، بل برفقة زوجته.
وعلى متن السفن، يختلط شبان وشابات من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا والمكسيك وماليزيا وإندونيسيا والجزائر والبحرين وعُمان، يجمعهم إيمان مشترك بأن العمل النضالي تراكمي، وأن ما لا يحققه الأسطول اليوم، قد يتحقق بعد أشهر أو سنوات.
ورغم أن كثيرين منهم تكفلوا شخصياً بتكاليف السفر والإقامة والتنقل، وتحملوا مخاطر خسارة وظائفهم وأعمالهم بسبب طول الرحلة والانتظار، إلا أنهم يعتبرون أن ما يفعلونه أقل بكثير من حجم المأساة التي يعيشها سكان غزة.
وبالنسبة للعديد من المشاركين، لم تعد فكرة أسطول الصمود مجرد مبادرة بحرية عابرة، بل مشروع لحركة تضامن عالمية آخذة في التوسع. فانتشار الفكرة ووصولها إلى شبان من مختلف دول العالم، يعكس تحولها إلى مساحة سياسية وإنسانية مفتوحة، تبحث باستمرار عن وسائل جديدة لإبقاء غزة حاضرة في ضمير العالم.