أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

مقالات

عن الأمومة والريلز والحرب.. أطفالنا ليسوا ترنداً بل أمانة

18 مايو 2026

أقلب الفيسبوك بحثاً عن معلومة مفيدة أطبقها مع أطفالي وأسير بها على نهج التربية الحديثة الخالية من العنف والعصبية.. لعلني أنجح أخيراً.. ولكن للأسف مرت الساعات وانتهى اليوم، ووجدت المعلومة ولم أطبقها.. فكيف حصل ذلك؟

تعج مواقع التواصل الاجتماعي بالفيديوهات القصيرة “الريلز”، فما إن تفتح واحداً حتى يأخذك لعشرات الفيديوهات بل المئات، وتجد نفسك مع أطفالك تقلب في هذا وذاك وينتهي اليوم بلا فائدة تُذكر!

قررت أن أدقق في الوقت الذي أترك فيه نفسي وراء الريلز، فوجدت أنني أضعت ساعتين ودخلت في الثالثة، فانتفضت واتخذت القرار ألا أفتح الريلز أبداً.. هل كان ذلك سهلاً؟

اليوم لم تعد الريلزات موجهة لعقولنا فقط، فنحن أصحاب القرار والقادرون عليه في كل وقت ما دمنا نملك الإرادة، بل باتت سيوفاً تُوجَّه نحو أبنائنا، لسلبهم الوقت وجعله مستباحاً بلا فائدة.

الفراغ عدونا الأول، ولعلني أصنفه في المرتبة الأولى، كونه من وجهة نظري يفوق الوساوس الأمّارة بالسوء.. لأنه لولا الفراغ لما حضرت الوساوس. فالإنسان المتخم بالأحداث والخطط والمتطلبات لن يجد وقت فراغ، وبالتالي يظل مشغولاً بالإنجاز والعمل، ويغلبه النوم في نهاية المطاف وهو عاكف على كتاب يقرؤه أو عمل يصنعه.

أبناؤنا أمانة، ونحن في زمن لا يرحم.. اجتمعت فيه إفرازات الحرب البشعة من سلب الناس الدين والحياء والعزة مقابل المال، وعدو آخر لا يرحم ألا وهو شبكة الإنترنت المشوهة التي تبث السموم واحداً تلو الآخر، وأبشع السموم التي بثتها حتى اللحظة هو الريلز والترندات التي تجذب فئة الشباب اليانع، ويُقحمون الأطفال بها بلا طلب أو معرفة، من باب اللطافة والجمال الذي ينزعونه عنهم بلا وعي.

لم يُخلق الطفل ليكون أداة لنا نحقق منه مشاهدات ونجري به وراء ترندات، بل خُلق ليتعرف على صنع الله في أرضه، فيجتهد ويتعلم علوماً نافعة نوجهه نحوها ليصبح فاعلاً مؤثراً يعرف حقه ومستحقه من الحياة.

للأسف مظاهر الحياة الوردية التي عشناها في صغرنا لم تعد أمام أعيننا، نلعب ونتشاجر ويُصلح بيننا قطعة حلوى.. الألفاظ تغيرت، والنظرة اختلفت، ومعايير البراءة باتت تضمحل.. والسبب نحن!

وعلى الصعيد الشخصي، فصغيراي لم يكونا على علم بالجمال وضده أبداً، كان الجميع بنظرهما فاتنين ومبهرين، يعودان من الروضة ليخبراني عن جمال صديقتهما وروعة فستانها، وأناقة حقيبة صديقهما الجميل، وأُبهر أنا دون أن أرى، ويصران عليّ أن أحضر للروضة لأرى هذه الفتنة الطاغية، فأسير معهما وأثبت لهما بردة فعلي أن كلامهما حقيقة، وأُصدم بجمال ما يرونه.

لكن للأسف، لم تتركهم الحرب هكذا.. نزحنا مرات عديدة واختلطت الأفكار والآراء ومعايير الجمال، وبات طفلي يخبرني أن هذه الفتاة شعرها مجعد بإشارة منه أنه غير جميل، وهذا الولد بشرته سمراء.. كان الأمر ينغرس كسكين في صدري، لكنني في غمرة حرب طاحنة لم أستطع منع ذلك.

صحيح أنني عدلت وقومت، وسأظل أسعى لبناء مرجع متصل بينهم وبين الله.. حبل قوي من خلاله يرون ويعرفون، لكنها أبسط حقائق الواقع المتخم بأفكار ما يُعرض على الإنترنت ويشاهده الأطفال دون رقابة.

فالطفل يولد بنقاء لا يشوبه شيء.. نقاء في الفكرة والنظرة والقول والفعل، ونحن من نغزوه أو نسمح للغزو أن يسيطر عليه من أجل راحتنا.

تقول صديقة لي:
“بتعرفي يقعدوا عالجوال ساعة ولا ساعتين أحسن الي من طلوع الروح طول النهار، عالأقل فترة راحة”.

صحيح أننا الأمهات نعاني من ضغط كبير في المهام المنوطة بنا، خاصة مع وجود الأطفال في زمن كهذا، لكنني لا أستطيع الاستسلام، أنازعهم في كل مرة يأخذون الجوال خلسة وأنا غارقة في عمل المنزل، وأجلس جوارهم في مرة أخرى أتابع معهم وأقدم لهم التفسير والمعلومة الكافية، وأرفض في أغلب المرات راحتي مقابل سكوتهم القاتل أمام الجوال.

واجبنا اليوم أن نبعد أبناءنا عن فخ الإنترنت القاتل، وإن لم نستطع، فعلى الأقل نجلس جوارهم، نقيم ما يشاهدونه ونعدل عليه بكلمة جميلة ومثل قويم.

العدو لا يرحم، والعقل خُلق ليستطيع، ومهما تعذرنا بالظروف والواقع فهناك حتماً مخرج صغير نستطيع بقوة وإرادة أن نحشر أنفسنا للخروج منه إلى طريق أوسع، وإن بدا ممتلئاً بالحفر والعثرات.