يعيش قطاع غزة أوضاعاً كارثية على كافة الصعد منذ بدء العدوان الاسرائيلي، ويُحرم الاحتلال سكانه من أبسط حقوقهم الإنسانية والدينية.
وللعام الثالث على التوالي، مازال سكان القطاع محرومين من أهم الشعائر الدينية، وهي أداء فريضة الحج، ومناسك العمرة، وكذلك تأدية شعيرة الأضحية في أيام عيد الأضحى المبارك.
حرمان من الحج
للعام الثالث على التوالي، يُحرم سكان قطاع غزة من حقهم في أداء فريضة الحج، جراء الحصار وإغلاق المعابر.
وأعرب مواطنون عن حزنهم لاستمرار منع غزة من الحج والعمرة، إذ قال المواطن الستيني عبد الله حماد إنه يرغب في الحج، وكان ينتظر دوره حتى يسافر لأداء الفريضة، لكن للعام الثالث على التوالي يصاب بخيبة أمل، جراء استمرار منع سكان غزة من أداء المناسك.
وأكد أن ما يحدث في غزة ظلم كبير، فلم يكتف الاحتلال بالقتل، والنزوح، وتدمير المنازل والبنية التحتية، إذ يواصل تقييد الحركة، ويمنع السفر، ويحرم الحجاج من حقهم في أداء مناسكهم الدينية، وهذا يعتبر خرق فاضح لكل الاتفاقات والقوانين الدولية.
ووفق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، فإن إجراءات الاحتلال الإسرائيلي وإغلاق معابر قطاع غزة يحولان دون تمكّن حجاج القطاع من السفر لأداء فريضة الحج وعودتهم هذا العام.
وأوضحت الوزارة أنها بذلت جهوداً مكثفة، بالتنسيق مع جهات إقليمية ودولية ذات صلة، لتأمين سفر حجاج غزة وضمان عودتهم بأمان، إلا أن تلك المساعي لم تسفر حتى الآن عن ضمانات فعلية تكفل حرية تنقلهم، في ظل استمرار القيود المفروضة على حركة المواطنين، لا سيما عبر معبر رفح البري.
وأشارت إلى أن ضيق الوقت المحدد وفق بروتوكول الحج الموقّع مع وزارة الحج والعمرة السعودية، والذي حدد يوم 20 آذار الحالي موعداً نهائياً لإصدار آخر تأشيرات الحج، إضافة إلى استمرار إغلاق المعابر والتضييق على حركة السفر، دفع الوزارة إلى اتخاذ قرار استثنائي ومؤقت يقتصر على موسم الحج لهذا العام، حيث تقرر تحويل ما تبقى من حصة قطاع غزة – بعد فتح باب التسجيل والسداد لأبناء القطاع المقيمين خارج غزة – إلى نظام القرعة لأبناء القدس والمسجد الأقصى والمحافظات الشمالية، وذلك لضمان عدم فقدان حصة دولة فلسطين من تأشيرات الحج للعام الجاري.
وأكدت الوزارة أن القرار جاء في ظل ظروف قاهرة وخارجة عن الإرادة، معربة عن أملها في أن تتغير الأوضاع بما يمكّن حجاج قطاع غزة من أداء المناسك في المواسم المقبلة دون عوائق.
عيد بلا أضاحي
ويحل عيد الأضحى المبارك الثالث على التوالي دون أن يتمكن سكان القطاع من تأدية شعيرة الأضحية، جراء الحصار والعدوان المُستمرين.
فلم يسمح الاحتلال منذ بدء العدوان بدخول المواشي بمختلف أنواعها "خراف وأبقار" إلى قطاع غزة، كما تسبب الاحتلال بقتل عشرات الآلاف من الأبقار والماشية الصغيرة، إما من خلال استهدافها بالصواريخ والقنابل، أو دهسها بجنازير الجرافات، أو من خلال تجويعها بمنع إدخال الأعلاف.
ووفق مربو مواشي سابقون فإن الماشية المتبقية في غزة، والتي نجت من الحرب والتجويع محدودة، وأسعارها عالية جداً، حيث يتجاوز ثمن الخروف الواحد 20 ألف شيكل، بينما يصل ثمن الجمل 70 ألف شيكل وأحياناً أكثر، وهذا يجعل شراء الأضحية أمر لا يقدر عليه سكان القطاع.
وأكد المواطن إبراهيم عبد الرحمن، إنه اعتاد منذ كان صغيراً على ذبح أضحية في كل عيد، حيث كان والده يؤدي الشعيرة وهو صغير، ثم أصبح هو يؤديها بعد أن تزوج وأصبحت له أسرة، موضحاً أن الأضاحي ليست مجرد عادة بل هي تُمثّل جزءاً لا يَتجزَّأ من الشعائر والعبادات التي يحتفل بها المسلمون مع حلول عيد الأضحى المبارك، ويتقربون بها إلى الله.
وأكد أن الاحتلال بمنع وصول الأضاحي يحارب المسلمين في عقيدتهم، وهو جزء من سياسة التجويع والعقاب الجماعي، فالأضاحي توفر في كل عام لحوم حمراء لمن لا يستطيعون شرائها، حيث يعطي كل مضحٍ الفقراء من لحوم أضحيته.
وأوضح أنه كغيره من عشرات آلاف أرباب الاسر، يتمنى تأدية هذه الشعيرة، ولو أتيحت له الفرصة فلن يتردد في فعل ذلك، آملاً أن يكتب الله له أجر أضحية حرم قسراً من شرائها وذبحها.
وأشار إلى أنه يأمل بأن تتوفر اللحوم المجمدة في العيد، حتى يشتري بعضاً منها، ويطهوها لأبنائه حتى يشعروا ببعض البهجة، فخلال العامين الماضيين، مر عيدا الأضحى في مجاعتين، ولم يكن وقتها أي لحوم في السوق.
ومنذ بداية الحرب، أغلقت إسرائيل معابر قطاع غزة ومنعت دخول البضائع، بينما سمحت بدخول كميات قليلة ومحدودة جداً من المساعدات الإنسانية، مع فترات إغلاق طويلة تسببت بمجاعات أكبرها كانت ما بين آذار الى تشرين أول من العام الماضي 2025.
حصار يطال الشعائر الدينية
من جهتها قالت وزارة الزراعة الفلسطينية في قطاع غزة إن أكثر من مليوني فلسطيني سيستقبلون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي بلا أضاحي، بسبب الدمار الذي طال قطاع الثروة الحيوانية جراء حرب الإبادة الجماعية واستمرار الحصار الإسرائيلي.
وأضافت الوزارة أنه ومع اقتراب عيد الأضحى (الذي يحل في 27 مايو/ أيار الجاري)، يدخل أكثر من مليوني فلسطيني في غزة العيد للعام الثالث على التوالي دون أضاحي، في مشهد غير مسبوق يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلقتها الحرب والحصار المستمران على القطاع".
وأوضحت أن الحرب الإسرائيلية المتواصلة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 تسببت بـ"تدمير ممنهج لقطاع الثروة الحيوانية، بعدما استهدفت مزارع الإنتاج الحيواني والحظائر والمنشآت البيطرية ومخازن الأعلاف بشكل مباشر".
وذكرت أن هذا الاستهداف تسبب بنفوق أعداد كبيرة من المواشي وانهيار شبه كامل لهذا القطاع الحيوي بغزة.
وبيّنت أن قطاع غزة كان يستقبل سنويا، قبل الحرب، من 10 إلى 20 ألف عجل، إضافة إلى ما بين 30 و40 ألف رأس من الأغنام لتلبية احتياجات موسم الأضاحي، فيما توقفت اليوم عمليات الاستيراد بشكل كامل.
وتابعت في هذا الصدد: "وصل استيراد الأضاحي الحية إلى صفر، في ظل استمرار إغلاق المعابر، ومنع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية".
وأشارت إلى أن شح الأعلاف وارتفاع أسعار المتوفر منها تسببا في "القضاء على ما تبقى من الثروة الحيوانية"، وسط خسائر وصفتها الوزارة بـ"الكارثية" تهدد بخروج مربي المواشي بالكامل من هذا القطاع.
وأكدت أن غياب الأضاحي هذا العام "لا يمثل فقط فقدان شعيرة دينية، بل يعكس حجم المجاعة والمعاناة التي يعيشها فلسطينيو غزة، خاصة مع اعتمادهم قسرا على كميات محدودة من اللحوم المجمدة، في ظل غياب أي مصادر إنتاج محلية".
وطالبت المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والإنسانية بالتحرك العاجل للضغط من أجل الفتح الفوري للمعابر، والسماح بإدخال المواشي والأعلاف ومستلزمات الإنتاج الزراعي والبيطري، و"إنقاذ ما تبقى من هذا القطاع الحيوي الذي يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي".