لا يتوقف قادة الاحتلال عن إطلاق تهديدات مستمرة بحق قطاع غزة، متوعدين بتجدد الحرب على نطاق واسع، واحتلال مناطق جديدة في القطاع.
ويبدو من خلال الأحداث المتتابعة أن الاحتلال يستخدم من خلال تصعيده العسكري ما يُعرف باسم "سياسة كرة الصلج المتدحرجة"، التي تكبر كلما مر الوقت، في إشارة إلى تصعيد تدريجي يصل في نهايته لعودة الحرب.
تهديدات مستمرة
وقبل عدة أيام، قالت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إن الجيش يستعد لاستئناف القتال في قطاع غزة على نطاق واسع.
وقالت الصحيفة إن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير وافق على خطط عملياتية في إطار مناقشات استئناف العمليات البرية في غزة.
وأشارت إلى أن مصادر إسرائيلية أكدت أن الحكومة لم توافق بعد على توسيع القتال في القطاع الفلسطيني المحاصر، غير أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حث الجيش على الاستعداد.
وتابعت "هآرتس": "يسعى كبار المسؤولين في قيادة المنطقة الجنوبية إلى تسريع تنفيذ الخطط المعتمدة.
وبخلاف ما نقلته صحيفة هآريتس، تشير التقارير والتسريبات الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة بوضوح إلى وجود استعدادات عسكرية وخطط جاهزة للعودة إلى القتال إذا ما انهارت المفاوضات أو إذا لم يتحقق تقدم في ملف نزع سلاح "حماس". وبحسب ما أكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" فإن الجيش الإسرائيلي تلقى توجيهات من المؤسسة السياسية بالاستعداد لاستئناف الحرب على غزة، غير أن التقديرات السائدة في إسرائيل تشدّد على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن يصادق على استئناف الحرب ضد غزة قبل أن يتخذ قراره بشأن المسألة الإيرانية.
وبحسب الصحيفة فإن التهديد بالحرب وإعلان الاستعداد لها يُستخدمان أيضًا كورقة ضغط تفاوضية، خصوصًا فيما يتعلق بنزع سلاح حركة "حماس"، وترتيبات ما يوصف بأنه "اليوم التالي" في غزة المرتبط أكثر شيء بشكل الإدارة الأمنية والسياسية للقطاع.
وذكرت وسائل اعلام عبرية أن كبار المسؤولين في قيادة المنطقة الجنوبية يسعون إلى تسريع تنفيذ الخطط المعتمدة، كاشفة أن قيادات في الجيش الاسرائيلي ذكروا في مناقشات مغلقة أن اسرائيل لا يمكنها الاكتفاء بالوضع الراهن، في ظل النشاط على طول الخطوط العازلة (الخط الأصفر) في غزة.
ارتباط بساحات إقليمية
ووفق محللون وخبراء فإن ثمة شبه إجماع في إسرائيل على أن ما سيحدث في قطاع غزة مرتبط أيضًا بالساحة الإقليمية الأوسع، وبالتالي فإن قرار الحرب على غزة لم يعد منفصلًا عن إيران وحزب الله والعلاقة مع الولايات المتحدة، وهناك قناعة لدى البعض بأن إدارة دونالد ترامب غير متحمسة بالضرورة لانفجار إقليمي مفتوح، وهذا يقيّد هامش المناورة الإسرائيلية.
وعلى الأرض، تستمر الخروقات اليومية الإسرائيلية، ويتواصل توسعة "الخط الأصفر"، ومؤخرا جرى الإعلان عن إنشاء "خط برتقالي"، مع استمرار تنفيذ أعمال هندسية مكثفة لتسوية البنى التحتية على طول مسار الخط الجديد، وهي خطوة تؤدي إلى تقليص كبير في مساحة القطاع.
وبحسب التقديرات، فإن الأمر يتعلق بترسيخ واقع أمني جديد من شأنه عرقلة إعادة إعمار القطاع.
وشددت حركة "حماس" في المفاوضات مع ملادينوف والوسطاء، على ضرورة أن تطبق إسرائيل المرحلة الأولى من الاتفاق، خاصة وقف القصف والاغتيالات، لافتة إلى أن عدد المواطنين الذين قتلوا في هذه العمليات منذ وقف الحرب في 11 أكتوبر الماضي، شارف على 1000 مواطن.
وطالبت أيضاً بتطبيق البنود الأخرى مثل إدخال 600 شاحنة يومياً من السلع والمواد، والانسحاب إلى الخط الأصفر المتفق عليه.
ساحة تعويضية
ورأى الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة أن غزة تحولت إلى "ساحة تعويضية" لرئيس الحكومة الإسرائيلية بن يامين نتياهو.
وقال هلسة إنه "كلما استعصى على نتنياهو تحقيق نصر مطلق في لبنان أو إيران، يعود لتصعيد آلة الموت في غزة لإرضاء شركائه من اليمين المتطرف، مثل السياسي الإسرائيلي اليميني سيموترتش، ولردم الهوة مع الرأي العام الداخلي عبر إظهار اليد الطولى للجيش".
وهذا ما أكده أستاذ العلوم السياسية والقانون العام بجامعة القدس، أمجد شهاب، بقوله إن نتنياهو يشعر بأن قطاع غزة هو الحلقة الأضعف، مشيرا إلى أن المبررات الإسرائيلية لعودة الحرب دائما جاهزة.
ثلاث سيناريوهات
وحسب مصادر مطلعة فإن الأزمة المستمرة في المفاوضات تضع قطاع غزة أمام ثلاث سيناريوهات: الأول، هو مواصلة التفاوض دون اتفاق، مع بقاء الوضع القائم القاسي في قطاع غزة على ما هو عليه، حيث يعيش 1.4 مليون مواطن في خيام تفتقر لأدنى الشروط الصحية، وتسيطر إسرائيل على أكثر من نصف مساحة القطاع، وتفرض قيوداً على كل ما يدخل إليه من سلع ومواد، وتواصل عمليات الاغتيال والقصف.
أما السيناريو الثاني، عودة الحرب الإسرائيلية على القطاع خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات العامة في إسرائيل المقرة في أكتوبر المقبل.
والسيناريو الثالث، الإعلان عن فشل المفاوضات، وقيام إسرائيل وامريكا بخطوات أحادية الجانب مثل بناء مدن جديدة خارج المناطق التي تسيطر عليها "حماس"، مع مواصلة القيود والقصف على المناطق التي تسيطر عليها الحركة.
ومؤخراً، تصاعدت المخاوف في صفوف سكان القطاع والقلق بعد صدور تقارير إسرائيلية تؤكد موافقة رئيس الأركان على خطط عملياتية لاستئناف العمليات العسكرية الشاملة في غزة، وسط استمرار التضييق ومحاولات السيطرة الميدانية على أجزاء واسعة من القطاع، تزامناً مع تعثر مفاوضات الهدنة.
وأعرب مواطنون من سكان القطاع عن مخاوفهم من إجراءات الاحتلال على الأرض، وتوسيع إسرائيل لمدى الخط الأصفر، ليبتلع 70% من مساحة القطاع، ويخشى السكان من أهداف إسرائيلية ترمي إلى احتلال دائم لهذه الأراضي، وتضييق المساحات والخدمات.