بينما يتواصل انتشار القوارض والحشرات في مخيمات النازحين وخيامهم، بدأت أوسع عملية مكافحة لتلك الآفات، باستخدام طرق ووسائل مختلفة، في محاولة للقضاء عليها، والحد من انتشارها.
غير أن وسائل المكافحة المتاحة -وهي محدودة- في ظل الحصار، باتت بحد ذاتها تشكل خطراً على النازحين، وتعرض حياتهم وسلامتهم للخطر، كون معظم المبيدات مصنعة من مواد كيميائية عالية الخطورة، غالباً ما تستخدم في بيئات صغيرة، ومغلقة مثل الخيام، ما يزيد من مخاطرها.
مخاطر مكافحة الفئران
بعد أن بلغ انتشار القوارض خاصة الفئران حده، وتفاقمت معاناة النازحين جراء ذلك، انطلقت في قطاع غزة حملات مكافحة واسعة لتلك الآفة، معتمدة على وسيلتين لا ثالث لهما، الأولى استخدام المصائد، سواء الشبكية المصنوعة من المعدن، أو اللاصق، أو الفخاخ، والثاني استخدام السم، وأحدثه نوع من المعجنات المخلوطة بالسم يطلق عليه محلياً "جل حلقوم"، وهو ذات رائحة تجذب الفئران إليها.
ومؤخراً سُجل العديد من حالات التسمم في صفوف الأطفال جراء استخدام السم، أحدثها وفاة الطفل جاسر علي الحية، حيث فارق الحياة جراء تناول كيس صغير من السم، ظنه حلوى، بعد وضعه بين الخيام دون تنبيه للأهالي في "مخيم المفتي"، شمال مخيم النصيرات، وسط القطاع.
وتعالت أصوات المواطنين بضرورة توخي الحذر عند استخدام سم الفئران، خاصة الأنواع الحديثة، التي تبدو وكأنها حلوى قد تجذب الأطفال، وقد طالب مواطنون الجهات الإغاثية، والمبادرين، ممن يحاولون مساعدة الناس في مكافحة الفئران، تنسيق جهودهم مع الأهالي، لوضع السم في مناطق آمنة، يعرفها الناس، وتكون بعيداً عن متناول الأطفال.
وأكد المواطن علي طلال أن السم الحديث "جل"، جيد وفعال في مكافحة الفئران، لكن استخدامه ينطوي على عدة مخاطر، الأول تناوله أو العبث به عن طريق الخطأ، وهذا قد يؤدي إلى تسمم أشخاص، وربما وفاتهم، كما حدث في مخيم النصيرات، والأمر الثاني أن استخدامه قد يتسبب في مكرهة صحية، فالفئران عندما تأكله تموت وسط الملابس، وبين الأمتعة، وتبدأ بالتحلل متسببة بتلوث بيئي خطير، ورائحة كريهة، تضر بالنازحين، خاصة وأن الخيام مناطق مكتظة بالأمتعة والفراش، يصعب الوصول للفئران الميتة وسطها.
وأوضح طلال أن موت الفئران وسط الخيام، وبين الطعام، قد ينشر أمراض، ويزيد من صعوبة الأمور، موضحاً أن القوارض باتت تضر بالنازحين سواء كانت حية أو ميتة.
وبين أن هناك مخاطر أخرى لاستخدام هذا النوع من السم، مثل نقل الفئران له إلى مناطق الطعام، وتلويث الأخير دون أن يشعر أصحاب الخيمة، إضافة لاحتمال نفوق قطط منزلية بعد تناولها فئران مسممة، وهذه الحوادث تكررت كثيراً مؤخراً.
وشدد طلال وغيره من النازحين على وجوب التعامل مع أدوات المكافحة بطرق سليمة، تحمي الأطفال والكبار، وتؤدي الغرض المطلوب دون ترك أضرار.
وسبق وخذر مختصون من تغير ملحوظ في سلوك القوارض والحيوانات الضالة، حيث أصبحت أكثر جرأة وبدأت بمهاجمة المواطنين، وتسجيل حالات عض داخل الخيام.
مبيدات سامة
ويلجأ النازحون لاستخدام مبيدات حشرية زراعية، لمكافحة الحشرات التي انتشرت في الخيام، خاصة "البراغيث، و"البعوض، والذباب، والعناكب السامة، وكذلك العقارب".
ومن أبرز أنواع المبيدات التي شاع استخدامها في الآونة الأخيرة، مبيد حشري زراعي يسمى "سيبرين 20، ومبيد آخر يطلق عليه "كونفدور"، وثالث "دروسبان"، وغيرها، وجميعها مبيدات سامة وخطيرة، لها طرق استخدام، وفترات أمان، ويجب أن يتم رشها بعد اتخاذ سلسلة من التدابير، لكن في حال الخيام، تتم عمليات الرش بصورة عشوائية، وبدون طرق احترازية.
ووفق خبراء فإن عمليات رش المبيدات في الخيام، يشكل خطر كبير على النازحين، ويحمل مخاطر صحية وبيئية جسيمة بسبب ضيق المكان، وضعف التهوية، والقرب الشديد من الأسطح.
ووفق شهادات من نازحين، فإن استنشاق المبيدات خلال أو بعد رشها ينتج عنه جملة من المشكلات الصحية الآنية واللاحقة، منها السعال، تهيج الحلق، وصعوبة في التنفس، خاصة للأطفال، كما أن ملامسة المواد الكيميائية للجلد أو العينين تؤدي إلى الحكة الشديدة، الاحمرار، ناهيك عن مخاطر التسمم الحاد والمزمن، فإن ابتلاع المبيد عن طريق الخطأ أو تراكمه في الجسم يهدد الحياة ويؤثر على الجهاز العصبي.
كما أكد أطباء ومختصون، أن تكرار التعرض للمبيدات، سواء من خلال اللمس، أو الشم، أو تسللها للجهاز الهضمي من خلال تلويث الطعام والماء بها، يؤدي إلى أمراض خطرة، منها السرطانات بمختلف أنواعها، وأمراض الكبد، وكذلك أمراض الكلى، التي قد تصل لفشل كلوي كامل.
بينما أكد نازحون أنهم يدركون مخاطر المبيدات التي يستخدمونها، لكن رشها بات أمراً لا مفر منه، بعد أن تحولت الحياة داخل المخيمات إلى معاناة مستمرة مع الحشرات، حيث ينتشر الذباب والصراصير والبعوض بكثافة، وحتى الفئران ولم يعد النازحون قادرون على النوم بسببها.
ودعا نازحون لضورة جلب مبيدات آمنة، تقوم بالقضاء على الآفات، دون أن تترك أثر على الصحة العامة، وقد تناقل نازحون طرق مكافحة غير كيميائية، تعتمد على خلطات منزلية، مثل الصابون، والخل، غير أن فعاليتها تبقى محدودة، مقارنة بالمواد الكيميائية.