ما زال الاحتلال يمارس جرائمه بحق فئات عدة من المواطنين في قطاع غزة، من بينهم أطفال ومدنيون، وحتى سائقو شاحنات حاصلون على تصاريح إسرائيلية، ويمرون عبر مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال بالكامل.
فللمرة الثانية خلال فترة قصيرة، يقدم الاحتلال وميليشياته العميلة على استهداف سائقي شاحنات المساعدات خلال سيرهم داخل مدينة رفح، المحتلة والمحاصرة بالكامل.
جرائم مستمرة
ومازالت قضية قتل سائقي شاحنات المساعدات على يد جنود الاحتلال وميليشياته داخل مدينة رفح، تخلف ردود فعل غاضبة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، وسط مطالبات بتوفير حماية عاجلة للسائقين.
وأكد سائقون ومواطنون أن ما يحدث جرائم إسرائيلية ترتكب بحق سائقين مديين عزل، يسيرون في طريقات حددها لهم الاحتلال، ووفق تنسيق مسبق، لكن ورغم ذلك يدفعون حياهم ثمن لجرائم الاحتلال.
فبعد أسابيع قليلة على استشهاد السائقين محمود نافذ عوض، ومحمد عبد الفتاح الحيلة، أعدم الاحتلال يوم الأربعاء الماضي، السائق أحمد نصر سليم، جراء إطلاق نار مباشر ومن مسافة قصيرة استهدفه داخل مدينة رفح المحتلة والمحاصرة، جنوب القطاع، وقد وصل جثمانه إلى جمع ناصر الطبي بخان يونس، بعد تركه عدة ساعات ينزف داخل شاحنته.
ووفق مصادر متعددة فإن عملية اعدام السائق اسليم كانت مقصودة وغير مبررة، خاصة أنه يسير على طريق سبق وحدده الاحتلال، وحصل وشاحنته على تنسيق وموافقة إسرائيلية، ورغم ذلك جرى تصفيته في رفح.
وقد رافق الحادثة المذكورة اعتقال عدد من السائقين من قبل الاحتلال، حيث جرى لاحقاً الإفراج عن كلا من ضياء منصور، علاء شعت، فارس محيسن.
وأكدت مصادر مطلعة أنه وبعد ورود تأكيدات على استهداف السائق، جرت اتصالات مع جهات إنسانية، جرى بعدها إدخال سيارة اسعاف، ونقل الجثمان من داخل رفح.
كشف تفاصيل الجريمة
وكشفت صحيفة "صحيفة الغارديان" البريطانية،نقلا عن شهادات شهود عيان واتحاد سائقي الشاحنات في قطاع غزة تفاصيل حول حادثة ارتقاء السائق الفلسطيني أحمد ناصر سليم برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء مشاركته في نقل مساعدات إنسانية لصالح منظمة "المطبخ المركزي العالمي" (WCK) بمدينة رفح جنوب القطاع.
وبحسب الشهادات، فإن الحادثة وقعت خلال مهمة لنقل مساعدات إلى غزة، حيث كانت القافلة الإنسانية تضم أربع شاحنات وسارت ضمن تنسيق مسبق مع الجهات المعنية.
وأكدت الشهادات أن القافلة توقفت على محور فيلادلفيا بعد تعطل إحدى الشاحنات.
وأفاد شهود عيان بأن الجنود الإسرائيليين أجبروا السائقين على مغادرة شاحناتهم، قبل أن يعتدوا عليهم بالضرب ويخضعوهم لإجراءات وصفوها بالمهينة.
وأضافت الشهادات أن الجنود أطلقوا النار على السائق أحمد ناصر سليم بعد إجباره على النزول من شاحنته، رغم وقوفه ويداه مرفوعتان.
وقال السائق ضياء منصور، الذي كان ضمن القافلة، إن مركبة عسكرية إسرائيلية وصلت إلى المكان، وأمر الجنود أحمد اسليم وضياء منصور وعلاء شعث بالنزول من شاحناتهم، فيما بقي السائق الرابع، فارس محيسن، داخل شاحنته.
وأضاف أن الجنود أجبروا السائقين على الوقوف إلى جانب الطريق، وأمروا بعضهم بخلع ملابسهم والجلوس تحت أشعة الشمس، ثم اقتادوا أحمد اسليم جانبًا، حيث بدأ أحد الجنود بالتحدث معه بينما كان رافعًا يديه.
وأوضح منصور أن إسليم لم يكن يتحدث العبرية، وبدا أن الجنود لم يفهموا لغته العربية، قبل أن يُطلق أحد الجنود النار عليه بشكل مفاجئ، ما أدى إلى إصابته برصاصة في الرأس واستشهاده في المكان.
جرائم غير مبررة
من جهته قال جهاد اسليم نائب رئيس جمعية أصحاب شركات النقل الخاص بغزة، إن القافلة كانت "منسقة بنسبة 100%" عبر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ومنظمة "المطبخ المركزي العالمي"، وإنها دخلت القطاع عبر معبر كرم أبو سالم، وهو المنفذ الوحيد الذي لا يزال يُستخدم لإدخال شحنات المساعدات.
وأضاف أن ضابطًا إسرائيليًا وعددًا من الجنود اقتربوا من السائقين، وسألوهم عن سبب وجودهم في المكان، قبل أن يأمروهم جميعًا بالنزول من الشاحنات، ويعتدوا عليهم بالضرب ويجبروهم على التجرد من ملابسهم.
وأكد أن أحمد اسليم كان يرتدي سترة السلامة البرتقالية الخاصة بالعاملين في نقل المساعدات، ويحمل جميع التصاريح والتنسيقات الأمنية المطلوبة، مشيرًا إلى أن أحد الجنود أطلق النار عليه مباشرةً في الرأس بينما كان رافعًا يديه.
وقال اسليم إن ما جرى "يمثل إعدامًا ميدانيًا وقتلًا متعمدًا لسائق مدني امتثل لجميع التعليمات".
وقال نائب رئيس جمعية أصحاب شركات النقل الخاص بغزةـ إن هناك توجه نحو إغلاق المعابر وتعليق العمل عليها احتجاجًا على استمرار استهداف السائقين، موضحا أن السائق أحمد ناصر اسليم استشهد برصاص الجيش الإسرائيلي في الجانب الإسرائيلي من معبر كرم أبو سالم، وأن الشهيد كان يعمل سائقًا على المعبر، واستُهدف بعد انتهاء عملية تحميل البضائع وخروجه باتجاه قطاع غزة.
وأكدد أن ما جرى يمثل جريمة نكراء بحق سائق مدني كان يؤدي عمله، مطالباً بتوفير حماية دولية للسائقين ومنع احتكاكهم بالجيش الإسرائيلي أثناء عملهم.
وأوضح أنه وبالإضافة لإعدام السائق، تم اعتقال عدد من السائقين رغم خضوعهم للفحوصات والإجراءات الأمنية، لافتاً إلى أن استمرار استهداف السائقين يهدد حركة نقل البضائع ويستدعي تدخلاً دوليًا عاجلًا.
وقال جهاد إسليم إن سائقي الشاحنات يتعرضون يوميًا لانتهاكات تشمل الضرب والإذلال وإجبارهم على الوقوف لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، مضيفًا أن الجندي الذي أطلق النار على أحمد اسليم هدّد السائقين الثلاثة الذين نجوا من الحادث بأنهم سيلقون المصير نفسه، وهو ما اعتبره دليلًا على أن إطلاق النار كان متعمدًا.
وأضاف أن خمسةً من سائقي شركته قدموا استقالاتهم عقب الحادث، وأبلغوه أنهم لن يعودوا للعمل في نقل المساعدات عبر المعبر تحت أي ظرف، فيما يواصل آخرون العمل فقط بسبب حاجتهم إلى إعالة أسرهم.
تورط المليشيات
وبحسب تحقيقات سابقة أجرتها "قوة رادع"، التابعة للمقاومة، فإن مقتل سائقي الشاحنات عوض والحيلة في 20 أيار الماضي، سبقها تعرضهما لاحقًا للاعتقال من قبل عناصر تابعة للعصابات العميلة، قبل أن يتم تنفيذ عملية إعدام بحقهما "بدم بارد" وفق ما ورد في نتائج التحقيقات الأولية.
وبحسب إفادة بعض السائقين فإن إطلاق النار يتواصل في محيطهم طوال سيرهم داخل رفح، وفي كثير من الأحيان تصيب الرصاص الشاحنات والبضائع التي ينقلونها.