منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة حاول الاحتلال تنفيذ مشروعات كبرى، هدفت إلى خلق وقائع جديدة على الأرض، تؤسس لإفناء الفلسطينيين، أو ترحيلهم عن أرضهم، لكن كل هذه المشروعات فشلت أمام إرادة الفلسطينيين وصمودهم، وذهبت أحلام إسرائيل وأميركا أدراج الرياح، بل وتحولت "إسرائيل"، إلى دولة منبوذة في العالم جراء تصرفاتها.
إفشال مشروع الميناء العائم
وكان مشروع الميناء العائم أول وأخطر تلك المشروعات، الذي خطط الاحتلال والولايات المتحدة الأميركية لتنفيذه ليكون بديلاً عن المعابر، وربما بوابة لتهجير الفلسطينيين لاحقاً، لكن الطقس والبحر تحالفا من أجل غزة، وأفشلا المشروع، بعد أن دمرا الرصيف العائم عدة مرات، وألقت أمواج البحر بأجزائه بعيداً عشرات الكيلو مترات، حتى وصلت إلى سواحل مدينة أسدود المحتلة، التي تبعد عشرات الكيلو مترات عن موقع الميناء.
فقد جلبت الولايات المتحدة الأميركية معدات تقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات، وأقامت ميناء عائم، خصص لاستقبال سفن ادعت أميركا أنها ستحمل معونات غذائية.
ولم يدم المشروع المذكور كثيراً، حيث فشل مشروع (الرصيف البحري المؤقت) وتوقف نهائياً في يوليو 2024 بعد أن بلغت تكلفته نحو 230 مليون دولار وعمل لفترة قصيرة جداً لا تتجاوز شهرين.
فشل تقسيم القطاع
وبعدها بوقت قصير، خطط الاحتلال لفصل القطاع إلى نصفين، وأقام محور "نتساريم"، وضغط على سكان شمال القطاع لإخلاء بيوتهم وأحيائهم، ودفعهم نحو جنوب القطاع، ومن أجل ذلك ارتكب الاحتلال المجازر، ونفذ مجاعات، لكن صمود سكان شمال القطاع أفشل المشروع، وأجبر الاحتلال على الانسحاب من محور نتساريم بعد تفكيكه، بعد أن أقام فيه بنية تحتية كبيرة، بنية البقاء الطويل هناك.
وقال محللون وخبراء في حينه، أن الاحتلال حاول ترسيخ وجود دائم في المنطقة، لكنه اضطر للتراجع تحت وطأة المعارك وضغوط الاتفاقات السياسية.
وشكل انسحاب الاحتلال من المحور المذكور ضربة لمخططات الاحتلال بتقسيم القطاع، حيث قالت صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية في حينه، إن محور نتساريم كان يمثل نقطة إستراتيجية للمناورة العسكرية الإسرائيلية، فضلا عن أهميته لدى المستوطنين الذين كانوا يطمحون للعودة إلى الاستيطان في شمال القطاع.
هندسة التجويع والقتل
ولم يكتف الاحتلال بذلك، بل راح يهندس الجوع والقتل بمخططات جديدة، أفرزت ما يُسمى "المؤسسة الأميركية"، سيئة السمعة، التي كان ظاهرها توزيع الطعام، وباطنها خلق الفوضى، وارتكاب المجازر، وقد أفشلها الغزيون بصمودهم، ومقاطعة أكثر من 90% من سكان القطاع لها، حتى فككت مواقعها ورحلت عن غزة.
ولم يكتف سكان القطاع بإفشال مخطط المؤسسة الأميركية، فمازالوا يناضلون من أجل مقاضاتها، على ما تسببت به من مجازر في القطاع.
وأكد نشطاء وحقوقيون أن هذه المؤسسة "دخلت غزة باسم الإغاثة، وغادرتها متهمة بأنها كانت أشد قسوة من القذائف" بعدما تركت خلفها "آلاف الشهداء وصورا لا تُمحى من الذاكرة" معتبرين أن ما حدث "ليس نهاية القصة، بل بداية مرحلة عنوانها المحاسبة وكشف الحقائق"..
وأكد نشطاء أن المؤسسة المذكورة كانت مكاناً للموت، سقط داخلها الشهداء والجرحى دون مبرر، وكأنهم أهداف يتدرب جنود الاحتلال على اصابتها من بعيد.
وقال المواطن إبراهيم شقفة، إن ترك المؤسسة تغادر بعد الجرائم والمجازر التي ارتكبتها أمر لا يمكن قبوله، فيجب أن تخضع هذه المؤسسة للمحاسبة، وأن يتم تعويض كل جريج ومعتقل وعائلة شهيد، أو شخص أصيب بأذى.
وأشار شقفة إلى أن عائلته كانت من المتضررين بسبب تلك المؤسسة، إذ استشهد شقيقه وأصيب هو وشقيق ثالث، بينما كانوا يحاولون الوصول لمركز توزيع المساعدات "الطينة"، في الرابع عشر من آب من العام الماضي، موضحاً أنهم كانوا عزلاً يحاولون الوصول للطعام في ظل المجاعة، رغم ذلك جرى استهدافهم بقذيفة مدفعية بشكل مباشر.
وأكد أنه سيظل يناضل ويتواصل مع كافة المؤسسات حتى يضمن أن يتم محاسبة ومقاضاة المؤسسة المذكورة، على ما ارتكبته من جرام بحقهم وغيرهم من الأبرياء.
من جهته أكد إسماعيل الثوابتة مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، أن انتهاء عمل المؤسسة ودورها لا يعفيها من المسؤوليات القانونية، فقد كانت سبباً في قتل وجرح واختفاء آلاف الضحايا المدنيين، ويجب أن تحاسب على ذلك.
ولم تغب صورة المجاعة القاسية التي فرضها الاحتلال على سكان غزة في ربيع وصيف العام الماضي 2025، وقد فشلت إسرائيل في أهدافها بتركيع الفلسطينيين، وانتهت المجاعة بتحول إسرائيل إلى دولة منبوذة مكروهة على مستوى العالم، بعد أن أظهرت وجهها القبيح.
مخطط المدينة الإنسانية
يواصل جيش الاحتلال عملياته داخل مدينة رفح المحتلة والمحاصرة، والتي تقع جنوب قطاع غزة، وتقوم جرافاته بتجهيز مناطق مفتوحة لإقامة تجمعات للنازحين، في وقت يتم فيه إقامة سياج وسواتر ترابية، حول المناطق الغربية من مدينة رفح.
وأكدت مصادر محلية وشهود عيان، أن جيش الاحتلال يقيم ما يشبه معسكر الاعتقال الكبير غرب رفح، حيث يغلق كافة المداخل المؤدية إلى منطقتي "البركسات والشاكوش"، ويواصل وضع بوابات معدنية والكترونية كبيرة عندها، محاطة بأبراج مراقبة.
ويرفض الغالبية العظمي من النازحين، فكرة الانتقال إلى المعسكر المقترح، مفضلين تحمل قسوة النزوح الحالي على الدخول في ترتيبات مشبوهة تؤسس لواقع أمني جديد.
ووفق المواطن عبد الله ياسين فإن أحدث مخططات الاحتلال يجري تجهيزه حالياً بفصل القطاع، وإقامة ما يُسمى "مدينة إنسانية"، مصيره الفشل الذريع كغيره من المشروعات، وأن المليشيات التي شكلها الاحتلال من أجل حماية هذا المشروع ستنهار، ولن تكون بديلاً عن أية جهة أمنية فلسطينية.
وأكد ياسين أن صمود أهل غزة كفيل بإفشال المشروع الجديد كما أفشل غيره في السابق، ولن ينجح الاحتلال بفرض إرادته على سكان القطاع مهما فعل.
وأوضح أن وعي الناس الكبير في غزة، يجعلهم يكشفون المخططات ويعرفون هدف كل خطوة إسرائيلية، وهذا الوعي كان ومازال العامل الأكبر في إفشال كل ما سبق وسيأتي من مخططات.
وأكد أنه يحلم بالعودة إلى مدينة رفح التي نزح عنها قبل أكثر من عامين، لكن العودة إلى معسكر محاط بأسلاك أمنية دولية وإسرائيلية، يعني سجن وذل ومستقبل غامض، وهذا أمر مرفوض جملاً وتفصيلا.