لم تدع الحرب قطاعاً من القطاعات الرئيسية في غزة إلا وأثرت عليه، حتى طال تأثيرها المعدن الثمين "الذهب"، الذي ارتفعت أسعاره بشكل كبير ومبالغ فيه مقارنة بالأسعار الرسمية في دول الجوار.
ومنذ بدء الحرب على قطاع غزة بدأت أسعار الذهب بالارتفاع التدريجي، حتى بات أعلى من سعره الرسمي بنحو 40%، في ظل اقبال كبير عليه.
أسباب ارتفاع أسعار الذهب
وبينما لا يتجاوز سعر جرام الذهب عيار 21 حاجز 80 دينار أردني أو ما يعادلها من العملات الأخرى في كافة مناطق العالم، يصل سعره في غزة اليوم إلى نحو 120 دينار، مع ارتفاع سعر المصنعية "إعادة التشكيل"، لنحو 15 دينار للجرام الواحد، بسبب تدمير المصانع، وشح المواد الخام، حيث كانت المصنعية تتراوح ما بين 1-3 دنانير قبل الحرب.
وأكد مراقبون أن الإقبال على شراء الذهب ارتفع في الفترة الأخيرة بنحو 40%، وأن غالبية المشترين من فئة تجار الحرب الذين تمكنوا من تكوين ثروات كبيرة خلال الحرب، بعدما لم تكن لديهم سابقاً القدرة على شراء الذهب بكميات كبيرة.
ووفق مختصون وباعة ذهب فإن هناك عدة أسباب لارتفاع أسعار الذهب، أهمها الإقبال الكبير على شراء وتخزين المعدن الثمين، خاصة بعد اختفاء السيولة النقدية.
كما يحاول المواطنون حماية مدخراتهم والتحوط من المخاطر المقبلة، إذ يعد المعن الثمين وسيلة الادخار الأكثر أماناً وضمانة، خاصة في ظل الحروب وتقلبات الأسواق العالمية.
ووفق باعة وأصحاب محال تبيع المجوهرات، فإن منع دخول المعدن الثمين لغزة دفع الأسعار للارتفاع، فالكميات المتواجدة في القطاع على حالها منذ بدء الحرب، وثمة اقبال على الشراء والتخزين وتراجع في بيع المواطنين للذهب.
تراجع الثقة بالنظام المصرفي
من جهته أكد الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن توجه المواطنين في غزة نحو شراء الذهب يأتي في جزء منه نتيجة تراجع الثقة بالنظام المصرفي، خصوصاً بعد تجميد الحسابات المصرفية خلال الحرب، ما دفع أصحاب المدخرات إلى البحث عن وسيلة أكثر أماناً للحفاظ على أموالهم، فالأشخاص الذين ما زالت لديهم سيولة مالية أصبحوا أكثر ميلاً إلى تحويلها إلى الذهب، رغم الارتفاع الكبير في أسعاره، بوصفه أصلاً يمكن الاحتفاظ بقيمته بعيداً عن مخاطر النظام المصرفي.
وأشار أبو قمر إلى أن الحرب أثرت كذلك على حركة دخول الذهب إلى قطاع غزة وخروجه منه، ما أدى إلى تراجع الكميات المتاحة في السوق مقارنة بحجم الطلب، وبالتالي ارتفاع الأسعار.
كما شهد السوق ظهور تجار ومستثمرون جدد، إلى جانب أشخاص حصلوا على أموال من أقارب ومعارف في الخارج، وهو ما ساهم في زيادة حجم السيولة والودائع مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.
ويرى أن هذه السيولة اتجه جزء منها إلى الذهب بدلاً من الاستثمار في العقارات، في ظل استمرار التوتر السياسي وعدم وضوح المستقبل الاقتصادي في غزة، فيما أصبحت الأموال النقدية أقل جاذبية لدى بعض المدخرين، على أساس أن الاحتفاظ بها يفقدها جزءاً من قيمتها في ظل الظروف الحالية.
وأشار أبو قمر إلى أن السوق السوداء تخضع بصورة أساسية لمعادلة العرض والطلب، وقبل الحرب كان سعر الذهب في غزة أقل من السعر الدولي الظاهر على الشاشات، بينما أصبح الوضع حالياً مختلفاً، ففي بداية الحرب أقبل كثيرون على بيع الذهب للحصول على السيولة، ما أدى إلى زيادة المعروض، ولذلك أصبحت حركة الأسعار مرتبطة بدرجة أكبر بحجم العرض والطلب المحليين، وليس بالسعر العالمي.
ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبدو أن المواطنين يعيدون ترتيب أولوياتهم المالية، واضعين الحفاظ على قيمة أموالهم في مقدمة خياراتهم الادخارية.
رقابة على أسواق الذهب
ومؤخراً بدأت الجهات الرقابية في غزة بعودة فرض الرقابة على أسواق الذهب، وإلزام الباعة وأصحاب المسابك على وضع الدمغات الحكومية على المعدن الثمين، لضمان عدم الغش أو التلاعب.
وأعلنت مديرية الذهب والمعادن الثمينة التابعة لوزارة الاقتصاد الوطني في غزة تكسير 1441.7 غراما من المشغولات الذهبية غير المدموغة في مختلف محافظات قطاع غزة، خلال شهر أغسطس الماضي، وذلك خلال حملات رقابية استهدفت ضبط وتنظيم سوق الذهب وحماية حقوق المستهلكين.
وأوضحت المديرية أنها نفذت 323 زيارة رقابية وتفتيشية على محلات وبسطات ومصانع بيع وتصنيع المشغولات الذهبية، ضمن 25 جولة تفتيشية، للتحقق من التزام التجار بالأنظمة والقوانين، والتأكد من سلامة المشغولات وتوافر الدمغة القانونية عليها.
وشملت الجولات 5 جولات في محافظة غزة استهدفت 57 محلاً وبسطة، و14 جولة في محافظة خانيونس شملت 183 محلاً وبسطة ومصنعاً، إضافة إلى 6 جولات في المحافظة الوسطى استهدفت 83 محلا.
وأكدت المديرية أن تكسير المشغولات غير المدموغة تم وفقاً للإجراءات القانونية المتبعة.