لا يخلو لقاء فلسطيني واحد، وجاهيا كان أم افتراضيا، من سؤال عن ماهية المشروع الوطني الفلسطيني، وكيف نعمل على إعادة تعريفه، وهل ثمة حاجة لتعريفه من جديد أصلا، وما الذي يميز المشروع عن "البرنامج الوطني"، وأية أدوات كفاحية يتعين التوافق حولها لإنجاز البرنامج والمشروع معا.
ثمة توافق عام على أولوية إثارة مثل هذه الأسئلة والموضوعات، لا يماثله سوى الإحجام والتردد في تقديم أجوبة واضحة عليها، والأمر مفهوم على أية حال، فتلكم مهمة شائكة، يحتاج تناولها والتصدي لها إلى "عقل جماعي"، ولا يمكن الإجابة عن أسئلتها وتحدياتها باجتهادات فكرية فردية متفرقة، والأهم، أنها بحاجة لأوسع توافقات وطنية خلفها، لكي تتحول "الفكرة" إلى "قوة مادية"، تمتلك أقداما صلبة تسير عليها.
وثمة خلط واضح (اقرأ فاضح) بين المشروع والبرنامج الوطنيين، فيجري الحديث حينا عن "تحرير فلسطين من نهرها إلى بحرها" بوصفه برنامجا وطنيا، مثلما يجري تناول "حل الدولتين" حينا آخر، بوصفه مشروعا وطنيا فلسطينيا، وفي أحيان أخرى، يجري تناول "الكفاح المسلح" بوصفه المشروع والبرنامج على حد سواء، فتحل "الأداة" محل الأهداف النهائية والمرحلية لنضال شعب امتد لأكثر من مئة عام، ومرشح للامتداد لعقود وأجيال قادمة.
ويحيلك فريق وازن من المساهمين في النقاش العام، إلى الوثائق التأسيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكأن كل تلك السنين والعقود التي انقضت، لا تستوجب أي قدر من المراجعة أو التدقيق، أو لكأن مياه فلسطين و"إسرائيل" والإقليم والعالم، ظلت راكدة طيلة هذه الفترة الممتدة، من دون استشعار الحاجة، لاعتماد خطاب جديد، ومفردات جديدة، وأدوات جديدة، للتعامل مع مستجدات العالم المحيط بفلسطين قضية وشعبا وحركة وطنية، تعبيرا عن ميل جارف لإضفاء هالة من "القداسة" على "الميثاق"، لغة ومفردات وأدوات.
في السردية والمشروع
لا يُعرّف المشروع الوطني الفلسطيني، أو يُعاد تعريفه، بعيدا عن "السردية" الفلسطينية المتوارثة جيلا بعد جيل، كان الأمر كذلك عند صياغة الوثائق المؤسسة للمنظمة والحركة الوطنية بعامة، وسيظل كذلك، فيما الشعب وحركته الوطنية، يلجان عتبات مرحلة إستراتيجية-نوعية جديدة.
سردية هذا الشعب، هي الوعاء الذي غرف منه من تصدى لصياغة المشروع من قبل، وسينهل منه من سيتصدى لإعادة صياغته من بعد، وبغير ذلك، يصبح كفاح الفلسطينيين راهنا ومستقبلا، منبتا عن جذوره، ومنفصلا عن موجات متعاقبة من الثورات والانتفاضات، بدأت منذ أن كانت إسرائيل، مشروعا.
والسردية الفلسطينية، بإيجاز غير مخل تقول بوحدة الأرض والشعب والقضية، وكل مشروع ينتقص من هذه الأقانيم الثلاثة، ناقص ومشبوه. وإن فلسطين التاريخية، هي وطن الفلسطينيين، وإن شعبها تعرض لأبشع (وأطول) أنواع الاستعمارات، الإحلالية-العنصرية، وإن قيام كيان على أرضه وأنقاضه تم بأكثر الطرق وحشية، من إبادة وتطهير عرقي وتهجير (لم يبدأ من غزة)، ومحاولات طمس لكل معالم حضارته وتاريخه وهويته وثقافته.
هذا الكيان يتحول على نحو منهجي منظم، صوب الفاشية والتوحش، بفرض نظام فصل عنصري على هذا الشعب بكل مكوناته وفي مختلف أماكن وجوده، وتمييز عنصري ضد أكثر من مليوني فلسطيني محشورين في أضيق مساحة من أرضهم المنهوبة. ونظام فصل عنصري ضد أكثر من خمسة ملايين فلسطيني خضعوا للاحتلال والحصار والاستيطان الزاحف منذ عام 1967، ونظام عنصري، يمكن حتى المطعون بـ"يهوديتهم" من "العودة" والإقامة والجنسية في إسرائيل، ويمنع عن ثمانية ملايين لاجئ فلسطيني، حق زيارة بلداتهم وذويهم، وليس العودة والتعويض كما نصت على ذلك المرجعيات الأممية.
والعدالة من منظور هذه السردية الجماعية، تقتضي عودة الفلسطينيين إلى وطنهم، والتحرر من ربقة هذا الاستعمار، وتحرير الأرض المغتصبة، والخلاص من عبودية الفصل العنصري، والتمتع كسائر شعوب الأرض، بحق تقرير المصير، بما هو حرية وتحرر واستقلال.
لقد استلهم الآباء المؤسسون للمنظمة هذه السردية، وصاغوا بوحي منها، ميثاقا وطنيا، ما زال يحتفظ بالكثير من صلاحيته وراهنيته، وإن كان -ربما- بحاجة لاستبطان الجديد الناشئ عبر كل تلك السنوات والعقود، ليواكب التحولات العميقة التي سبقت الطوفان وأعقبته، في اتجاهات وتوجهات الرأي العام العالمي.
وإذا كان "التحرير"، و"الدولة الديمقراطية العلمانية" التي بشر بها الآباء المؤسسون، بوصفها الحل النهائي للقضية الفلسطينية، هما ركيزتا المشروع الوطني التأسيسي، فإن أسئلة "التحرير" بحاجة لمن يستجليها اليوم، من حيث المغزى والمعنى والكيفية والأدوات، فيما أسئلة الدولة الواحدة، تتسع بوجود ما يقرب من ثمانية ملايين يهودي على أرض فلسطين وعدد يماثلهم من الفلسطينيين على الأرض ذاتها، وبما يطرح بقوة أسئلة الحقوق الفردية (المواطنة المتساوية) والحقوق الجماعية (القومية) لكلتا الكتلتين، مع أن النقاش قد يمتد طويلا حول الفارق بين اليهودية والصهيونية و"الإسرائيلية"، وما إذا كان اليهود، يشكلون "رابطة قومية"، أو قد شكلوها بعد ثمانية عقود من قيام كيانهم.
وإذا كانت فكرة "التحرير"، بوصفها "حجر الرحى" في المشروع الوطني كما صاغه المؤسسون، تفترض عودة اليهود (معظمهم على الأقل) إلى الديار التي هاجروا أو هُجّروا منها، فإن المشروع الوطني المُعاد تعريفه، لا يمكنه أن يتجاهل حقائق المشهد كما تشكلت على امتداد السنوات والعقود الماضية، وقد يحتاج إلى بحث وتعميق في مسألة "ثنائية القومية"، وما قد يترتب عليها من صيغ وأشكال للنظامين السياسي والإداري اللذين ستقوم عليهما "الدولة الواحدة"، وتلكم قضية أخرى، لا يتسع لها هذا المقال.
على أن كل ذلك، يفترض كفاحا مستميتا، يقع وزره الأكبر على كاهل الفلسطينيين أنفسهم، ومن قد يلتحق بهم من يهود متحررين من صهيونيتهم، وعنصريتهم المفرطة.
إن تفكيك إسرائيل، ككيان للعنصرية والفصل العنصري، والقضاء على نزعاتها وميولها الوحشية، يتعين أن يحتلا صدارة أولويات وأهداف المشروع الوطني الفلسطيني في حلته الجديدة، وربما يكون هذا "الشعار/الهدف النهائي"، أكثر قبولا من لدن رأي عام عالمي، يتحول للسردية الفلسطينية، ويبدي تأييدا متعاظما لكفاح شعب فلسطين، من تلك الشعارات التي أُثقلت بما تحتمل، وبأكثر مما تحتمل، لا سيما في أزمنة حروب الإعلام التي قادها أحمد سعيد.
وقد يجذب المشروع الوطني المتجدد، الآن وفي مرحلة لاحقة، يهودا إسرائيليين وغير إسرائيليين، ممن أفزعهم انجراف إسرائيل للصهيونية-الدينية، وللفاشية في أكثر طبعاتها وحشية ودموية، واتجاه اليمين الأكثر تطرفا، لإعادة صياغة نظامهم السياسي، على شاكلة نظم دكتاتورية -ثيوقراطية، تمحَى معها، أدوار القضاء والمحكمة العليا وفصل السلطات، المتوارثة من أنماط الحكم العلمانية-الليبرالية.
إن التحولات العميقة، وربما غير القابلة للرجعة، سواء في اتجاهات الرأي العام العالمي (الغربي بخاصة)، وفي أوساط قطاعات متزايدة من يهود العالم، يتعين أن تكون حاضرة بقوة، عند إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، لا سيما أنها تتحول إلى أحد أهم الروافع لقضية شعب فلسطين ومستقبل حركته الوطنية، مع تراجع الروافع الأخرى من قومية وإسلامية، كما اتضح منذ الطوفان، وهنا يصبح الذكاء في صياغة هذا المشروع، ليس أمرا فنيا أو لغويا عابرا، بل قضية حاسمة لجذب وتفعيل المزيد من حركات التضامن، أو أن تكون سببا في تبديدها، وتمكين السردية الصهيونية من استعادة زمام المبادرة من جديد.
دولة واحدة، ديمقراطية علمانية، تحفظ حقوقا متساوية، فردية وجماعية، لسكانها ومكوناتها، متحررة من إرث الصهيونية العنصري، ومن الفاشية المتوحشة التي تطبع سياسات إسرائيل وممارساتها، يمكن أن تكون هي المشروع الوطني، والأساس الصلب لهذا المشروع يتمثل في كون الفلسطينيين متعادلين تقريبا من حيث الأعداد سواء من هم منهم على أرض فلسطين التاريخية (7.5 ملايين لكل منهما)، ومثلهم في دول المنافي والشتات والانتشار. وجغرافيا فلسطين التاريخية ومواردها قادرة على استيعاب هذا الحل، على المديين المتوسط والبعيد.
والدولة الواحدة، ليست ردة فعل غاضبة على فشل "حل الدولتين"، أو ورقة للضغط والابتزاز تطرح لتبرير وتفسير التمسك بهذا الحل، بل يتعين أن ينظر لها من عدسة "المشروع"، أما حل الدولتين، ففي أحسن الأحوال، يتعين أن يُرى بعدسة "البرنامج"، فما من تصور لحل نهائي يضرب وحدة الأرض والشعب والقضية، مثل "حل الدولتين"، والذي بات حتى من منظور أكثر الجهات حماسة له، وراء ظهورنا.
كفاح عالمي مشترك، ضد الصهيونية والعنصرية والفاشية، واستتباعا ضد التطبيع ومع المقاطعة، يمكن أن تكون شعارا موحدا للشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، التي لا يكفلها أي مشروع آخر، ويمكن أن يشكل أرضية لاستنهاض حركة تضامن عالمية مستدامة مع الفلسطينيين، وأن يؤسس لبداية فرز في أوساط المجتمع اليهودي في فلسطين والعالم، نراه ضروريا لتدعيم مكانة القضية والشعب والحركة الوطنية.
في البرنامج والأدوات
لا يكمن الفارق بين المشروع والبرنامج، في المديات والآجال الزمنية المطلوبة لإنجاز كل منهما، إذ من الطبيعي أن المشروع سيتطلب آجالا زمنية أبعد وأطول، كونه يستبطن الأهداف النهائية لنضال شعب ما، ويوجب قدرا من التوافق، حتى لا نقول الإجماع، كمتطلب ضروري للوصول إلى أهدافه وغاياته… أما البرنامج، فغالبا ما يكون أقصر مدى، وعرضة للتجاذبات بين أفرقاء الحركة الوطنية ومكوناتها، وربما ارتباطا بتباين شروط الشتات الفلسطيني، بين داخل، صار "دواخل"، وخارج لطالما كان "خوارج".
والبرنامج في الحالة الفلسطينية المعينة، يمكن أن يتفرع إلى برامج، تستجيب لاختلاف الظروف وتباين الأولويات بين هذا التجمع الفلسطيني أو ذاك، شريطة أن ينتظمها خيط واحد: خيط المشروع الوطني الجامع والحركة الوطنية الموحدة، والممثل الشرعي الوحيد حين يستيقظ من غيبوبته، ويستعاد إلى دوره القيادي والتاريخي.
في البرنامج، يمكن القول إن لكل مرحلة من مراحل القضية الفلسطينية برنامجها وعناوينها، وفي ظني أن العناوين العامة للمرحلة الراهنة، وبرنامجها استتباعا، لا يختلف حولها اثنان: وقف الإبادة والتطهير العرقي في غزة والضفة، لجم التوحش الإسرائيلي المنفلت من كل عقال، مواجهة فاشية الدولة والمؤسسة والمليشيات الاستيطانية، تثبيت الفلسطينيين على أرضهم، تطبيب جراح غزة الغائرة، وقف الزحف الاستيطاني والتصدي لمشاريع أسرلة القدس وتهويدها، ورفع الجور عن فلسطينيي 48، فضلا عن إعادة بناء منظومة الحركة الوطنية الفلسطينية، بعد إعادة تعريف دور السلطة ووظائفها، وعند استرداد منظمة التحرير من أيدي خاطفيها.
أما الأدوات، فلا بد من الإقرار الجماعي، ببؤس محاولات شيطنة أي منها، لا سيما أن شرعة الأرض والسماء، قد أجازت للفلسطينيين مختلف أشكال الكفاح وأدواته، بما فيها "الكفاح المسلح"، وليس من حق أحد، أن يتطوع للتخلي عن أي منها، وهذا من حيث المبدأ.
لكن من الخطأ في المقابل، رسم هالة من القداسة على شكل واحد منها، فجميعها مطلوبة وفعالة، ويتعين امتشاقها بالتزامن والتوازي، من إعلامية وحقوقية وسياسية وشتى أشكال المقاومات الشعبية والسلمية، على أن يتم التوافق على "القاعدة الحاكمة" عند اختيار أي منها، أو إعطائه الأولوية، بحيث يقوى الشعب الفلسطيني على تحمل تبعاتها وكلفها، فتصبح ذخرا له، ووسيلة استنزاف لعدوه، بدل أن تكون عبئا عليه، وذريعة (لمن لا تنقصه الذرائع) للذهاب إلى أبعد مدى، في الإبادة والتطهير والتوحش.
عبقرية المزاوجة بين مختلف أدوات الكفاح وأشكاله، واختيار أكثرها تناسبا مع المرحلة ومقتضياتها، هي واحدة من القضايا التي يتعين أن تنعقد حولها جلسات حوار ومصارحة وتقييم وتقويم، للاستفادة من دروس التجارب الغنية التي خاضها شعبنا، وللتأسيس لموجة جديدة من موجات مقاومته المتعاقبة.