أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

مقالات

كيف غيّر "الطوفان" الجيش الإسرائيلي؟

5 أكتوبر 2026 - بقلم: أحمد كامل

في روايته "الوصمة البشرية"، يروي الكاتب الأمريكي فيليب روث حكاية ليستر فارلي، محارب عائد من فيتنام منذ أكثر من 20 سنة، ولا يزال يعاني من آثار الحرب التي لم تنته بعد داخله.

كان ليستر قبل فيتنام شابا اجتماعيا مقبلا على الحياة، وبات بعدها شخصا مسكونا بالغضب والعنف؛ عدوانيا يمتد أذاه إلى أقرب الناس إليه، عاجزا عن استعادة حياته السابقة، كأنه أحد قتلى تلك الحرب وهو الوحيد الذي لم يعرف بموته. كان روث يبني مسار ليستر كله على مفارقة واحدة: حين انتهت الحرب التي خاضها في الخارج، لم تنته حاجته النفسية إلى الحرب. وحين لم يجد ساحة قتال يعود إليها، صنع ساحة أخرى داخل عالمه الخاص؛ آخذا حربه إلى الوطن.

هذه الفكرة تحديدا ستتبعها المؤرخة الأمريكية كاثلين بيلو، في كتابها "اجلب الحرب للوطن"، بعد نحو عقدين على صدور الرواية، لتثبت أن ما كتبه روث لم يكن خيالا صرفا. إذ ترصد بيلو كيف عاد جزء من محاربي فيتنام إلى الولايات المتحدة وهم يحملون معهم خبرات القتال والإحساس بالهزيمة والخيانة، مع شبكات وعقليات تشكلت في الحرب، وكيف أصبح بعضهم جزءا من حركة "القوة البيضاء" والميليشيات المسلحة التي نقلت لغة الحرب وتنظيمها إلى الداخل الأمريكي.

فأطروحة بيلو تقوم على أن الحرب لا يمكن دائما حبسها في زمانها ومكانها. فقد تنتهي رسميا في الخارج، بينما تستمر آثارها السياسية والاجتماعية والعنيفة داخل المجتمع الذي خاضها.

وبالفعل، تحولت قطاعات من حركة "القوة البيضاء"، خلال الثمانينيات، من العنف العنصري إلى تصور ثوري يعلن الحرب على الحكومة الفيدرالية ويعتمد خلايا مسلحة مستقلة. ولم يبق العنف موجها إلى الدولة وحدها، فسرعان ما طال معارضين ومدنيين، وظهرت خطط لتفجير منشآت وتسميم مصادر مياه، قبل أن يبلغ هذا المسار ذروته في تفجير أوكلاهوما سيتي عام 1995، الذي قتل 168 شخصا بينهم 19 طفلا. وهكذا، انتهى البحث عن نفوذ في الخارج إلى تحويل المجتمع نفسه إلى ساحة قتال؛ ما يمنح فكرة بيلو معناها الأشد وضوحا: حين تعود الحرب إلى الوطن، لا تعود دائما وهي تعرف أين ينتهي العدو ويبدأ الصديق.

أكثر من 13 ألف كيلومتر تفصل نيويورك عن هانوي. ومع ذلك، لم تمنع المسافة انتقال خبرات الحرب إلى الداخل الأمريكي. فماذا يحدث حقا حين تدور الحرب على تخوم المجتمع نفسه، وحين يعبر أبناؤه باستمرار بين الحياة المدنية والخدمة العسكرية؟ مع اختلاف السياقين، يكتسب السؤال خصوصية في إسرائيل، حيث يُستدعى جنود الاحتياط من الجامعات والمصانع والمكاتب، ثم يعودون إليها بعد القتال.

فالمجتمع هنا يمد الجيش بأفراده وأفكاره وانقساماته، فيما تعيد الحرب تشكيل تجارب هؤلاء وتصوراتهم، لتعود آثارها معهم إلى المؤسسات والعلاقات التي خرجوا منها.

ومن هنا يصبح ما جرى داخل الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الثلاث الماضية، في أعقاب الطوفان، نافذة على تحولات أوسع أصابت المجتمع الذي يقف خلفه.

وقد ظهرت ملامح هذا في تركيبة الجيش نفسه، إذ تظهر بيانات "معهد إسرائيل للديمقراطية" أن المتدينين الذكور غير الحريديم، الذين لا يشكلون سوى نحو 14.7% من السكان بين عمر 21-44 عاما، ارتفعت حصتهم بين جنود الاحتياط إلى 27.4% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، أي إلى ما يقارب ضعف وزنهم السكاني، ما قد ينتج تأثيرا مختلفا على ثقافة المؤسسة وتوجهاتها.

فالحرب لا تترك آثارها على من تُشن عليهم وحدهم؛ إنها تعيد تشكيل الطرف الذي يخوضها أيضا. من هذه الزاوية نرصد، بعد ثلاث سنوات على أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، كيف تغير الجيش الإسرائيلي؟ وأي جيش أنتجته حرب بدأت بأكبر إخفاق أمني في تاريخه الحديث؟ وما الذي قد يعود به هذا الجيش إلى مجتمعه بعد سنوات القتال؟

الفشل في الفهم

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي بعد عامين على طوفان الأقصى، نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية تحليلا وصفت فيه الحدود مع قطاع غزة بأنها كانت من بين أكثر الحدود تحصينا في العالم من الناحية التكنولوجية، قبل أن تنجح حماس في اختراقها لتكشف هشاشة المنظومة.

غير أن التحليل لم يخلص إلى فشل التكنولوجيا في حد ذاتها، بقدر ما وضع المشكلة في الإفراط في الاعتماد عليها، والافتراضات التي حكمت استخدامها، وتراجع العنصر البشري إلى مرتبة تالية خلف الأنظمة الآلية. وقد أورد التحليل تلخيصا لهذه الفكرة على لسان ضابط إسرائيلي رفيع: "مهما اتسعت قدرات التكنولوجيا، لا يمكن الاستغناء عن معرفة الجنود وخبرتهم".

في الاتجاه نفسه، نشر الجيش الإسرائيلي بعد ذلك بنحو شهر، خلاصة عمل فريق الخبراء الذي كلفه رئيس الأركان بمراجعة تحقيقات 7 أكتوبر/تشرين الأول. وبعد فحص 25 تحقيقا عسكريا وإجراء مقابلات مع نحو 80 مسؤولا وضابطا ممن ارتبطوا بالأحداث أو بالسنوات التي سبقتها، لم يرد الفريق ما جرى إلى عطل تقني أو خطأ استخباراتي منفرد، بل حدد ست طبقات من الإخفاق تراكمت داخل الجيش على مدى سنوات.

في مقدمة هذه الطبقات يجيء الفشل في التصور نفسه، إذ لم تكن الصورة التي كونها الجيش عن غزة وحماس تطابق ما يجري على الأرض. وبعبارة أبسط، تطورت قدرات الخصم بينما ظل الجيش ينظر إليه من خلال افتراضات قديمة تقلل من حجم الخطر الذي يمثله. كما كشف التحقيق عن فجوة بين حجم الخطر الذي يفترض الجيش نظريا أنه يستعد له، وبين القوات والخطط ومستوى الجاهزية الموجود فعليا على الأرض.

فبعض السيناريوهات الخطرة كانت معروفة، لكن حجم القوات ودرجة التأهب والخطط العملياتية لم تبن بما يكفي لمواجهتها.

واستمر الخلل حتى الساعات الأخيرة السابقة للهجوم، حين أخفق الجيش في بناء صورة متكاملة للموقف واتخاذ القرار وتشغيل القوات على أساسها.

فعلى الرغم من تراكم مؤشرات ومعلومات استثنائية ليلة 7 أكتوبر/تشرين الأول، لم يتشكل تصور واضح لما يفعله الخصم، ولم يُرفع مستوى الإنذار، ولم تُتخذ خطوة كبيرة لتحريك قوات الخطوط الأمامية أو الاحتياط خلال الساعات الحاسمة السابقة للهجوم.

ولعل أكثر الأمثلة وضوحا على هذا الخلل كان التعامل مع خطة "جدار أريحا"، وهو الاسم الرمزي الذي أطلقته الاستخبارات الإسرائيلية على وثيقة من نحو 40 صفحة حصلت عليها قبل الطوفان بأكثر من عام. فقد تضمنت الوثيقة تصورا تفصيليا لهجوم واسع من غزة، يشمل إطلاق الصواريخ وتعطيل منظومات المراقبة على الحدود بالمسيرات واختراق السياج، ثم مهاجمة بلدات وقواعد عسكرية إسرائيلية.

ورغم أن الخطة لم تحدد موعدا للهجوم، فإن المعلومات المتعلقة بها لم تتحول إلى أساس لإعادة النظر في الاستعدادات العسكرية، بعدما ساد تقدير بأن حماس لا تملك القدرة على تنفيذ عملية بهذا الحجم.

نخلص من ذلك إلى أن المشكلة لم تكن في غياب المعلومات، بقدر ما كانت في القدرة على تفسيرها والتصرف على أساسها. فالجيش نفسه أقر لاحقا بأن ما جمعته مراقبات الحدود خلال الأشهر السابقة كان يتضمن مؤشرات على نشاط غير اعتيادي، وأن تحليلا استخباراتيا أفضل كان يمكن أن يكشف أن الوضع في القطاع آخذ في التغير.

وبذلك، لم يكن درس 7 أكتوبر/تشرين الأول أن إسرائيل كانت تحتاج ببساطة إلى مزيد من الكاميرات أو خوارزميات أكثر تطورا. فامتلاك أدوات الإبصار لا يضمن الرؤية الصحيحة ناهيك بالقدرة على الفهم، كما أن جهازا أمنيا شديد التطور تقنيا، يمكن أن يفشل في قراءة الخطر حين تصبح افتراضاته السابقة أقوى من الأدلة التي تصل إليها تقنياته.

رد الاعتبار إلى العنصر البشري

انعكست هذه الدروس، في جانب كبير منها، في ما يمكن وصفه برد الاعتبار إلى العنصر البشري، بعدما تراجع وزنه أمام التكنولوجيا والإنذار المبكر. ظهر ذلك أولا في التدريب والجاهزية الميدانية، إذ كثف جيش الاحتلال محاكاة سيناريوهات الدفاع والحرب المفاجئة، واستدعاء الاحتياط، وحشد القوات في ظل غياب إنذار مسبق.

ففي عام 2025 وحده، أجرى الجيش الإسرائيلي 17 تدريبا شارك فيها نحو 45 ألف جندي احتياط، بينها تسعة تدريبات على حرب مفاجئة على الحدود وتدريب دفاعي هو الأول من نوعه منذ نحو عشرين عاما.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، توسع الاختبار ليشمل معظم منظومة القيادة في تمرين مفاجئ حاكى اختراقات برية وجوية وبحرية، وعمليات خطف وهجوما متعدد الجبهات، واضعا الجيش عمدا أمام السيناريو الذي أخفق في التعامل معه صباح 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي القتال من اللحظة الأولى من دون افتراض أن الإنذار سيمنحه وقتا للاستعداد.

وبشكل غير مباشر، ظهر التحول نفسه في إعادة الاعتبار إلى الكتلة العسكرية التقليدية، إذ أعاد رئيس الأركان إيال زامير عددا أكبر من الدبابات إلى القيادة الجنوبية، وزاد القوات المنتشرة على الحدود، في مراجعة جزئية لمسار امتد عقودا نحو جيش "أصغر وأكثر ذكاء"، يقوم بدرجة أكبر على التفوق التكنولوجي والاستخباراتي بدل الاحتفاظ بكتلة كبيرة من القوات والقدرات البرية.

أما على مستوى الاستخبارات، التي بدا الخلل أكثر وضوحا داخلها حيث انتقدت مراجعات ما بعد الهجوم نقص الاستخبارات البشرية والميدانية مقابل الاعتماد الواسع على السايبر والتنصت ووسائل جمع المعلومات التكنولوجية، فقد أعادت إسرائيل توسيع نشاط الوحدة 504 المختصة بالاستخبارات البشرية داخل غزة، بعدما كانت قد أوقفت تشغيل شبكاتها البشرية هناك منذ عام 2012 وتركت جانبا كبيرا من هذا المجال للشاباك.

فبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، أعادت الوحدة إنشاء مركز خاص بغزة، وضاعفت حجمها، ووسعت عمليات جمع المعلومات البشرية والتحقيق الميداني. وفي مرحلة لاحقة بدأت الاستخبارات الإسرائيلية كذلك في زيادة أعداد المتخصصين باللغة العربية والثقافة والمجتمع الفلسطينيين، بعدما تقلص حضورهم مع صعود مجالات السايبر والبيانات والذكاء الاصطناعي.

وتكتمل هذه المراجعات بمحاولة استعادة وظيفة بشرية أكثر صعوبة في القياس، وهي الحكم المهني القادر على الشك والاعتراض. ففي نهاية عام 2025، شدد زامير أمام شعبة الأبحاث في الاستخبارات على المهنية والتفكير النقدي وتعدد الآراء، وحمل ضباط الاستخبارات مسؤولية تحدي الأعراف والافتراضات السائدة.

ومن ثم، يبدو التحول الجاري في جوهره، محاولة لإعادة التوازن إلى العلاقة بين التكنولوجيا والإنسان، بحيث تظل الآلة أداة توسع قدرة الجيش على الرؤية، دون أن تحل محل الخبرة الميدانية واللغة والمعرفة بالخصم والقدرة البشرية.

الخوف والتقنية.. حلقة ذاتية التغذية
ومع ذلك، يلفت تقرير "جيروزاليم بوست"، المنشور في أكتوبر/تشرين الأول 2025 والمشار إليه سابقا، إلى أن قطاع تكنولوجيا الدفاع شهد بعد الهجوم توسعا سريعا، إذ تضاعف عدد الشركات الناشئة المرتبطة بالدفاع تقريبا من نحو 160 إلى 312 شركة، وكان بين مؤسسي كثير منها جنود احتياط وعاملون في قطاع التكنولوجيا عادوا من ساحات القتال بخبرة مباشرة بالفجوات التي واجهوها هناك.

وهكذا، أصبح الحدث الذي كشف حدود الاعتماد على التكنولوجيا دافعا في الوقت نفسه إلى إنتاج المزيد منها، بما يعني أن إسرائيل لم تتراجع عن رهانها التكنولوجي، بل ضاعفته، ليبقى السؤال عما إذا كان المزيد من التكنولوجيا قادرا على منع مفاجأة جديدة، أم أنه قد يعيد إنتاج الخطأ نفسه في صورة أكثر تطورا؟

واللافت أن تحليل "جيروزاليم" نفسه يحرص منذ البداية على الفصل بين إخفاق المنظومة وإخفاق التكنولوجيا في ذاتها، فيحمل المشكلة لطريقة استخدامها والافتراضات التي أحاطت بها، أكثر مما يضع الرهان التكنولوجي نفسه موضع المساءلة. وهي نبرة تتسق مع المكانة الأعمق التي تحتلها التكنولوجيا في التصور الأمني للدولة.

فمنذ عقود، قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على محاولة تعويض قيود يصعب تغييرها، من ضيق المساحة والافتقار إلى العمق الإستراتيجي، إلى التفاوت السكاني والمواردي مع محيطها، فضلا عن الحاجة إلى منع الحرب من الامتداد طويلا إلى الداخل.

ومن هنا اكتسب مفهوم "التفوق النوعي" القائم على نوعية التسليح مكانته بوصفه وسيلة لتعويض النقص في الكتلة والعمق، وهكذا تعاملت إسرائيل مع التكنولوجيا باعتبارها أحد شروط البقاء التي تفرضها بيئتها الإستراتيجية، أكثر من كونها خيارا يمكن التخلي عنه بسهولة.

ويتضاعف أثر هذا المنطق العقلاني بفعل عامل آخر أقل عقلانية هو الخوف. فقد وصف عالم النفس الاجتماعي الإسرائيلي دانيال بار-تال كيف يمكن للصراع الممتد أن يحول الخوف من استجابة مؤقتة إلى توجه عاطفي جمعي يعيد تشكيل رؤية المجتمع للعالم، ويزيد حساسيته للتهديد واستعداده للإجراءات الوقائية والاستباقية. وفي مجتمع ينظر إلى الإخفاق الأمني باعتباره مسألة حياة أو موت، يصبح الوعد الذي تقدمه التكنولوجيا بالرؤية المبكرة والتنبؤ والسيطرة أكثر جاذبية.

هنا يظهر خطر ما تسميه أدبيات الأمن "الحلولية التكنولوجية"، أي الميل إلى تحويل مشكلات سياسية وأمنية معقدة إلى مسائل تبدو قابلة للحل متى توافرت بيانات أكثر وخوارزميات أدق وأدوات مراقبة أفضل. عندها قد يتراجع السؤال عن أسباب الخطر وكيف تتطور قدرات الخصم ونواياه، لمصلحة سؤال أسهل عن كيفية مراقبته بصورة أشمل واكتشاف تحركاته بصورة أسرع. وبهذا يُختزل الخصم تدريجيا في أنماط سلوك وإشارات قابلة للرصد، بينما يتراجع الاهتمام بما قد يفعله خارج النماذج التي صممت الأدوات أصلا لالتقاطها.

وبذلك، تتشكل حلقة ذاتية التغذية. تمنح التكنولوجيا شعورا بالسيطرة لأنها توسع ما يمكن رؤيته وقياسه، لكن كل إخفاق جديد يولد خوفا أكبر، والخوف بدوره يرفع الطلب على مزيد من المراقبة والتنبؤ، حتى يصبح الفشل نفسه حجة لتطوير منظومة أحدث وأكثر قدرة بدل مساءلة حدود الرهان التكنولوجي من الأصل.

وهي دائرة تكاد تعيد إنتاج المشكلة التي كشفها طوفان 7 أكتوبر/تشرين الأول، حين كانت المعلومات موجودة، لكن القدرة على فهم ما يقع خارج الافتراضات السائدة أضعف من القدرة على جمعها. ومن هنا يكتسب السؤال الذي طرحته "جيروزاليم بوست" في تقرير آخر منشور في أكتوبر/تشرين الأول 2025 دلالة خاصة: هل ستظل إسرائيل دائما على نفس مستوى الاستعداد، أم ستخفض حذرها مرة أخرى؟

ولا تبقى آثار هذه الحلقة داخل المؤسسة العسكرية وحدها. فقد وجدت دراسة حديثة أُجريت على مشاركين في إسرائيل أن ارتفاع الإحساس بالتهديد القومي ارتبط بقبول أكبر لإجراءات المراقبة، بما يعني أن الخوف يمكن أن يدفع المفاضلة بين الأمن والخصوصية لمصلحة الأول. وبهذا المعنى، تعود الحرب إلى الوطن عبر طريق آخر. فلا يعود الجنود وحدهم من ساحات القتال، بل تعود معهم الشركات والتقنيات وأدوات المراقبة ومنطق الاستعداد الدائم للمفاجأة، لتتسرب تدريجيا من المجال العسكري إلى الطريقة التي يفكر بها المجتمع في أمنه، وإلى ما يصبح مستعدا لقبوله باسم الحماية.

القتل بوجه مكشوف

ويحمل تفضيل الأمن على الحرية الشخصية دلالة أوسع. فإذا كان الإحساس بالخطر قادرا على دفع الفرد إلى قبول قيود تمسه هو نفسه، فما الذي يحدث لحدود ما يقبله تجاه الجماعة التي يراها مصدر ذلك الخطر؟

يمكن قراءة ملامح الإجابة في استطلاعات الرأي التي أجريت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ففي استطلاع أجري في يوليو/تموز 2024، أعطى الإسرائيليون اليهود الفلسطينيين متوسط 14 درجة من 100 على مقياس الإنسانية، فيما منحهم 51% من المشاركين درجة صفر.

ويمتد ذلك إلى الحدود التي يصبح المجتمع مستعدا لوضعها على استخدام القوة. ففي مايو/أيار 2025، قال 76.5% من الإسرائيليين اليهود إن معاناة المدنيين الفلسطينيين في غزة ينبغي ألا تؤخذ في الاعتبار عند التخطيط للعمليات العسكرية، أو لا تؤخذ إلا بدرجة محدودة. وبعد أشهر، وجد معهد إسرائيل للديمقراطية أن 65% من اليهود الإسرائيليين يرون أن الالتزام بمبدأ "طهارة السلاح" الذي يفرض تجنب القتل غير الضروري وإيذاء الأبرياء، يعرقل الجيش عن أداء مهامه. كما رصد المعهد اتجاها متزايدا بين اليهود الإسرائيليين إلى الاعتقاد بأن قواعد القانون الإسرائيلي والدولي وحتى بعض تعليمات الجيش لا ينبغي تطبيقها بصرامة في التعامل مع الفلسطينيين.

في السياق ذاته، رصدت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" تدفقا مستمرا منذ بداية الحرب لصور ومقاطع نشرها جنود بأنفسهم، توثق تخريب ممتلكات وإطلاق نار وممارسات مهينة تجاه مدنيين فلسطينيين، فيما لفت باحث إسرائيلي إلى أن الجنود باتوا ينشرون بعض هذه المواد بوجوههم وهوياتهم الظاهرة، في مؤشر على تراجع الحرج من إظهارها علنا. وربط التقرير هذه الظاهرة بتحولات أوسع في الأعراف والسلوك داخل الجيش والمجتمع الإسرائيلي، بالتوازي مع تراجع التأييد للقيود الأخلاقية والقانونية على استخدام القوة.

المفارقة أن هذا التراجع في تأييد بعض القيود على القوة لم يصاحبه بالضرورة انهيار في الصورة الأخلاقية الذاتية للجيش. ففي استطلاع أجري بعد عام من الحرب، قيم 83% من اليهود الإسرائيليين السلوك الأخلاقي للجيش في القتال بأنه جيد أو ممتاز، فيما منحه "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي" متوسط 4.43 نقاط من أصل خمسة في بند السلوك الأخلاقي أثناء الحرب. وهنا تظهر مفارقة مهمة، إذ يمكن للجماعة أن تحتفظ بصورة إيجابية عن أخلاقها، بينما تعيد في الوقت نفسه رسم الحدود التي تحدد من تشملهم الحماية الأخلاقية، وما الذي يعد استخداما مشروعا للقوة في مواجهة ما ومن تراه تهديدا وجوديا.

غير أن هذه الصورة الذاتية لا تجد حاليا من يدعمها خارج إسرائيل. ففي ربيع عام 2026، وجد مركز "بيو" أن النظرة السلبية إلى إسرائيل أصبحت الغالبة في معظم الدول الست والثلاثين التي شملها استطلاعه، بمتوسط بلغ 67% مقابل 25% فقط لا يزالون يحملون نظرة إيجابية، كما ارتفعت النظرة السلبية في الولايات المتحدة نفسها إلى 60%.

وبهذا المعنى، لم يهز 7 أكتوبر/تشرين الأول والحرب التي تلته صورة إسرائيل الأمنية وحدها، بل ضرب أيضا الصورة الأخلاقية التي طالما روج لها الجيش الإسرائيلي على مدى سنوات.

إحدى المشاكل الأخرى التي أسفر عنها 7 أكتوبر/تشرين الأول، هي الحاجة إلى قوة بشرية أكبر قادرة على تحمل حرب طويلة أو حروب متعددة الجبهات. فقد قدر الجيش نقصه بنحو 12 ألف جندي، بينهم 7 آلاف مقاتل، قبل أن يحذر في مايو/أيار 2026 من احتمال ارتفاع العجز إلى 17 ألفا.

وهنا عادت أزمة الحريديم إلى قلب المؤسسة العسكرية. فعلى مدى عقود، تمتع طلاب المدارس الدينية الحريدية بإعفاءات واسعة من التجنيد، قبل أن تقضي المحكمة العليا في يونيو/حزيران 2024 بعدم وجود أساس قانوني لاستمرار الإعفاء الشامل. لكن التجنيد ظل محدودا قياسا بحجم الفئة المؤهلة للخدمة، في وقت ازداد فيه الضغط على الجنود النظاميين والاحتياط.

وهكذا، بات نموذج "جيش الشعب" يواجه تناقضا متزايدا بين اتساع حاجته إلى الجنود وضيق القاعدة التي تتحمل عبء الحرب. ومع امتداد الخدمة وتفاقم الخلاف حول من يقاتل ومن يُعفى؛ أصبحت انقسامات المجتمع أكثر حضورا داخل الجيش، بينما أعاد الجيش بدوره هذه الخلافات إلى قلب السياسة والمجتمع.

فوجود باب دوار بين المدني والعسكري على مستوى العنصر البشري يسمح بذلك. وبعد ثلاث سنوات، تبدو إحدى نتائج 7 أكتوبر/تشرين الأول الأوضح أن المسافة بين الجيش الإسرائيلي ومجتمعه صارت أضيق، لا بمعنى التماسك بل بالمعنى السلبي، إذ إن كليهما بات يحمل معه أزمات الآخر وعقده ومكامن ضعفه وهشاشته.