لم تعد أزمة السكن في قطاع غزة تقتصر على تدمير المنازل التي خلفتها الحرب، بل امتدت إلى تقليص الخيارات المتاحة أمام مئات آلاف الأسر لإيجاد مكان آمن للإقامة، وسط استمرار النزوح، وتضرر البنية التحتية، ونقص مستلزمات الإيواء، والقيود المفروضة على إدخال مواد البناء والمعدات اللازمة لإزالة الركام وإعادة الإعمار.
ومع استمرار تداعيات الحرب، يواجه أكثر من مليوني فلسطيني ظروفًا معيشية قاسية في مساحة جغرافية محدودة، فيما لا تزال أعداد كبيرة من الأسر تعيش في خيام ومساكن مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من الحماية، وسط مخاوف من تفاقم معاناتها مع حلول فصل الشتاء.
وتعكس الأرقام حجم الكارثة السكنية، إذ أفاد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، استنادًا إلى تقييم بالأقمار الصناعية أعده مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، بأن نحو 201,290 مبنى في قطاع غزة تعرض للضرر حتى 16 حزيران/يونيو 2026، بما يعادل نحو 82% من إجمالي المباني في القطاع، منها 134,422 مبنى دُمر بالكامل، فيما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة نحو 328,627 وحدة.
ولا تقتصر تداعيات هذا الدمار على المباني التي سُويت بالأرض، بل تشمل أيضًا وحدات سكنية تعرضت لأضرار متفاوتة، ما يحد من إمكانية العودة إليها، ويزيد الضغط على الأماكن المتبقية القابلة للإقامة.
بديل غير مستقر
ودفعت الحرب أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين إلى النزوح المتكرر، بعدما دُمرت منازلهم أو أصبحت مناطقهم غير آمنة، لتتحول المساحات المتاحة إلى أماكن إيواء مكتظة تفتقر إلى المساحة والخدمات الأساسية.
ووفق المجلس النرويجي للاجئين، الذي يقود مجموعة المأوى في الأراضي الفلسطينية، فإن نحو 94% من سكان القطاع بحاجة إلى المأوى والمستلزمات المنزلية الأساسية، فيما تعيش قرابة ثلثي الأسر في خيام ومساكن مرتجلة لا تصلح للإقامة طويلة الأمد.
وتعكس هذه المعطيات اتساع الاعتماد على المساكن المؤقتة في ظل الدمار الذي طال الأحياء السكنية، وتعذر عودة عائلات كثيرة إلى مناطقها الأصلية. كما أن استمرار النزوح وتقلص المساحات المتاحة للإقامة يزيدان الضغط على مواقع الإيواء، ويصعّبان توفير أماكن مناسبة وآمنة للأسر.
وتتفاقم المعاناة مع تدهور حالة الخيام والمساكن المؤقتة، ونقص المستلزمات الأساسية، والقيود المفروضة على إدخال مواد الإيواء والإصلاح، إلى جانب نقص التمويل، ما يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على توفير بدائل أكثر أمانًا للنازحين.
ولا تقف المخاطر عند حدود نقص المأوى، فالأمطار والسيول تشكل تهديدًا إضافيًا للعائلات التي تقيم في خيام ومناطق معرضة للفيضانات، فضلًا عن السكان الذين لا يزالون داخل مبانٍ متضررة وغير آمنة.
وحذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من مخاطر موسم الأمطار، مشيرًا في تقريره الصادر في 25 أيلول/سبتمبر 2026 إلى تحديد 451 موقعًا للنزوح معرضًا بدرجة عالية للفيضانات، ويؤوي نحو 464 ألف شخص، ما يبرز حجم التحديات التي تواجه النازحين مع اقتراب الشتاء.
جبال من الركام
وإلى جانب أزمة الإيواء، تكشف كميات الركام المتراكمة عن حجم الدمار الذي طال الأحياء السكنية والبنية التحتية في القطاع.
وقدّر مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع حجم الركام بأكثر من 60 مليون طن، ما يجعل إزالته ومعالجته تحديًا كبيرًا أمام جهود التعافي وإعادة الإعمار.
ولا تمثل هذه الكميات مجرد مخلفات للمباني المدمرة، بل تشكل عائقًا أمام إعادة تأهيل الأحياء وفتح الطرق واستعادة الخدمات الأساسية، في ظل الحاجة إلى معدات ثقيلة وإمكانات فنية ومالية واسعة للتعامل معها.
ويعني ذلك أن إعادة الحياة إلى المناطق المتضررة لن تقتصر على بناء مساكن جديدة، بل ستتطلب إزالة الركام، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق، وإعادة تأهيل المرافق الأساسية، إلى جانب توفير التمويل ومواد البناء اللازمة.
وتزداد هذه التحديات في ظل القيود المفروضة على إدخال المعدات والإمدادات الضرورية، ما يبطئ الاستجابة للاحتياجات السكنية ويحد من قدرة العائلات على إصلاح منازلها أو العودة إليها.
مساحات تتقلص وحلم بالعودة والإعمار
وتتجاوز تداعيات أزمة السكن حجم الدمار الذي أصاب المنازل، لتشمل القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى مناطق واسعة، والتغييرات الميدانية الناجمة عن العمليات العسكرية وإقامة السواتر الترابية، ما يزيد تعقيدات عودة السكان إلى مناطقهم ويحد من خيارات الإقامة المتاحة أمامهم.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار، لا تزال التقارير الأممية تشير إلى استمرار الأنشطة العسكرية والقيود التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، بالتزامن مع صعوبات إدخال مواد الإيواء ومعدات إزالة الركام، ما يفاقم معاناة النازحين ويحول دون الاستعداد لموسم الأمطار.
وفي ظل استمرار السيطرة العسكرية على أجزاء من القطاع، تتداخل أزمة السكن مع أزمة أوسع تتعلق بالوصول إلى الأراضي والخدمات الأساسية، وإمكانية إزالة الركام وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
وبينما ينتظر النازحون توافر ظروف تسمح لهم بالعودة إلى منازلهم أو الحصول على مساكن بديلة، لا تزال إعادة الإعمار تواجه تحديات كبيرة، أبرزها حجم الدمار، ونقص التمويل، والقيود على إدخال مواد البناء والمعدات اللازمة.
وبين تقلص المساحة المتاحة للسكان، واتساع حجم الدمار، وحركة النزوح المستمرة، تتفاقم أزمة السكن في قطاع غزة، لتتجاوز فقدان المنازل إلى غياب البدائل المستقرة وصعوبة الوصول إلى أماكن آمنة للإقامة، فيما تواجه آلاف الأسر خطر البقاء في خيام ومبانٍ متضررة، دون أفق واضح لحل مستدام يضمن لها السكن الآمن والاستقرار.