أيقونة العملات

العملات

الدولار اليوم
اليورو اليوم
أيقونة الطقس

الطقس

أيقونة الإشعارات

اشعارات

مقالات

ماذا لو عاد نتنياهو؟

17 أكتوبر 2026 - بقلم: عبد الله معروف

تكاد استطلاعات الرأي في إسرائيل تجمع على تقدم غادي آيزنكوت المستمر على نتنياهو في تفضيل الجمهور الإسرائيلي له رئيسا للوزراء، وذلك على الرغم من تباين الاستطلاعات وتغيرها يوميا عندما يتعلق الأمر بمقاعد الأحزاب المختلفة في الانتخابات المقررة أواخر هذا الشهر.

فبينما يتأرجح عدد مقاعد الائتلاف الحالي صعودا وهبوطا حسب التطورات المتسارعة في المنطقة، ولا سيما عدد المقاعد المتوقعة لحزب الليكود برئاسة نتنياهو في مقابل حزب "يشار" برئاسة آيزنكوت، يبقى الثابت الوحيد هنا هو تقدم آيزنكوت على نتنياهو في تفضيلات الناخبين لمنصب رئيس الوزراء عندما تتم المقارنة بين هذين الرجلين تحديدا، وبفارق لم يقل حتى اللحظة عن 4 نقاط على أقل تقدير.

وليس سرا هنا أن كثيرا من الرسميين في عدد لا بأس به من دول العالم ينتظرون لحظة التخلص من نتنياهو لصالح آيزنكوت على أحر من الجمر، ربما ظنا منهم أن آيزنكوت سيكون حمامة سلام.

لست هنا في معرض مناقشة أو مجادلة أصحاب هذه التوقعات والأمنيات، لكن في الحقيقة أرى أنه بما أن عددا لا بأس به من التوقعات تشير إلى احتمال تقدم معسكر آيزنكوت على معسكر الائتلاف برئاسة نتنياهو في الانتخابات وتشكيله الحكومة القادمة، فإنه ينبغي أن نطرح هنا الاحتمال الذي لا يريده الرسميون والساسة العرب والأوروبيون الذين أتعبهم نتنياهو بكذبه وألعابه السياسية على مدى أكثر من عقدين؛ وهو احتمال عودة نتنياهو رئيسا للوزراء أو بقائه فترة أطول مما يتوقعه هؤلاء المستبشرون بالانتخابات الإسرائيلية القادمة والذين يعلقون آمالهم عليها.

خاصة أنه بالرغم من أن استطلاعات الرأي عند المواجهة بين نتنياهو وآيزنكوت فقط تعطي الأفضلية لآيزنكوت، فإنه حين تكون الموازنة في الاستطلاعات بين عدة شخصيات كنتنياهو وآيزنكوت وبينيت وغيرهم، أي حين يتوزع الخصوم على أكثر من مرشحين لرئاسة الحكومة، يتقدم نتنياهو على الجميع في رأي الشارع؛ لأن الأصوات المعارضة له تنقسم بين آيزنكوت وبينيت.

ما الذي يجعلنا نضع هذا الاحتمال على الطاولة أصلا؟

إن من يدرس شخصية بنيامين نتنياهو، يعلم أن عبارة "الشيطان يكمن في التفاصيل" هي أول عبارة في دليله السياسي، حيث يتقن نتنياهو اللعب على التفاصيل الصغيرة في حلبة السياسة الإسرائيلية.

وهو يعلم أكثر من غيره أن من يجب التركيز عليه في قراءة استطلاعات الرأي في إسرائيل ليس الأحزاب الكبيرة مثل "الليكود"، بزعامة نتنياهو و"يشار" بزعامة آيزنكوت و"معا" بزعامة نفتالي بينيت، فهذه الأحزاب ليست بيضة القبان في تشكيل أي حكومة في إسرائيل، لأنها لا تستطيع تشكيل حكومة وحدها.

وبالتالي فإن الأحزاب الفاصلة في تشكيل الحكومات هناك هي الأحزاب الصغيرة، وهي التي تستطيع أن توازن فارق المقاعد وتؤمن الأغلبية التي يحتاجها أي رئيس للوزراء لتشكيل حكومة (61 مقعدا).

وهذا يعني أن الأحزاب الصغيرة هي التي يمكنها أن تشكل الحكومة أو أن تسقطها، لذا فهي تستطيع أن تحكم إسرائيل بالابتزاز السياسي لأي رئيس حكومة، والدليل هو تحالف "الصهيونية الدينية" بزعامة سموتريتش وبن غفير، الذي حكم إسرائيل فعليا في حكومة نتنياهو الأخيرة بالرغم من عدم امتلاكه أكثر من 14 مقعدا في الكنيست.

ومشكلة جميع الأحزاب في إسرائيل في هذه الانتخابات حسب استطلاعات الرأي تكمن في أن الأحزاب اليهودية من المعسكرين: المعارضة والائتلاف، لا تستطيع أن تؤمن وحدها الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة، فأغلب الاستطلاعات حتى الآن تعطي معسكر الائتلاف ما يتراوح بين 49 و55 مقعدا فقط، بينما تعطي معسكر المعارضة ما بين 47 و56 مقعدا، إضافة إلى عدد قليل من المقاعد اليهودية غير المحسوبة على المعسكرين لا تزيد في جميع الأحوال على 4 مقاعد.

وتبقى الأحزاب العربية التي فشل نتنياهو في إبعادها عن الانتخابات تشكل كتلة مهمة تبلغ حوالي 13 إلى 14 مقعدا. وبالتالي فإن أيا من معسكري الائتلاف والمعارضة لن يتمكن من تشكيل حكومة من الأحزاب اليهودية فقط دون أن يستفيد من الأحزاب العربية، وهو ما يكاد تُجمع الكافة على رفضه في هذه الأحزاب.

هنا يتقن نتنياهو لعبة الفوارق الصغيرة بين الأحزاب، ونجد أنفسنا هنا أمام ثلاثة سيناريوهات يمكن لنتنياهو أن يعمل من خلالها على البقاء على رأس سدة الحكم في إسرائيل رغم أنف جميع خصومه السياسيين داخل وخارج إسرائيل:

السيناريو الأول:

هو الذهاب بالفعل إلى الانتخابات بالرغم من هذه الاستطلاعات المتضاربة، ثم نجاح نتنياهو في اللعب على وتر الخلافات وتعقيدات السياسة الإسرائيلية وسحب مكون واحد على الأقل من مكونات تحالف المعارضة وإقناعه بالتصويت له كي يحصل على 61 مقعدا دون الأحزاب العربية، وبذلك يعود رئيسا للوزراء حتى لو لم يكن الليكود قد حصل على غالبية مقاعد الكنيست.

ولعل أقرب الشخصيات إلى نتنياهو هنا هو بيني غانتس زعيم حزب "أزرق أبيض" فيما لو تمكن من دخول الكنيست، ولكني في هذا المجال لا أستبعد أن يتمكن نتنياهو من استمالة شخصية جدلية قوية مثل نفتالي بينيت إلى ائتلافه، بالرغم من كل خطابات بينيت ورفضه المعلن لأي تحالف مع نتنياهو.

فبينيت كان قد ألمح إلى إمكان ضم نتنياهو لأي حكومة قادمة بشروط، ثم تراجع سريعا وقال إن كلامه لم يكن جادا، وأكد أن حزبه لن يجلس معه. وهذه الإشارة في رأيي هي إشارةٌ معاكسة، حيث إن مجرد طرح بينيت هذا الخيار، وإن كان بالون اختبار، يفتح الباب مستقبلا لأي تحولات أو تغيرات قد تمليها المصالح السياسية على الطرفين.

السيناريو الثاني:

هو أن يتأكد نتنياهو من عدم قدرته على العودة رئيسا للوزراء في اللحظة الأخيرة قبل الانتخابات، فيهرب إلى تصعيد عسكري كبير، وذلك بفتح جبهة غزة أو لبنان أو إيران أو ربما بدرجة أقل سوريا، حتى يحاول إقناع الكنيست بإصدار قانون لتأجيل الانتخابات بالكامل باعتباره ظرفا استثنائيا. وهذا السيناريو كان قد حذر منه أكثر من سياسي إسرائيلي، وكان يبدو خيارا قويا في الفترة الماضية.

لكن ترجيحه يقل يوميا مع عدم حماسة الإدارة الأمريكية الحالية كما يبدو لفتح جبهات جديدة أو تصعيد في المنطقة بهدف تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى.

ولكن هذا الأمر بالطبع يبقى معلقا بمزاج الرئيس ترمب، الذي لا يمكن توقع كيفية تصرفه، ومدى احتمال ذهابه لتصعيد كبير بهدف الهرب من توقعات استحقاق الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية أيضا، فكل شيء مع ترمب ممكن، أي إنه احتمال ضعيف الآن لكن لا يجوز إسقاطه من الحسابات.

السيناريو الثالث:

هو عدم نجاح نتنياهو أو أي شخص آخر في تشكيل الحكومة، وعمل نتنياهو على عرقلة تشكيل أي حكومة سواء معه أو من دونه، وبالتالي الذهاب لانتخابات أخرى كما حدث قبل أربع سنوات، عندما ذهبت إسرائيل إلى خمسة انتخابات متتالية في فترة قصيرة لم تتمكن من تشكيل حكومة مستقرة في أي منها، بل أنتجت حكومات قصيرة العمر، وهذا السيناريو يضمن لنتنياهو أن يبقى رئيسا لحكومة تصريف الأعمال ولو إلى أجل غير مسمى.

إن فشل نتنياهو تماما في الحصول على تأييد الأحزاب الصغيرة وخسارته دعم الحريديم بالذات وبالتالي صعود آيزنكوت بالفعل، كل هذا يعني لنتنياهو الكثير من المشاكل وعلى رأسها المحاكمات والسجن، وهو ما يجعل نتنياهو يستميت للبقاء رئيسا للوزراء مهما كلفه ذلك.
السؤال الآن: ماذا لو نجح أحد السيناريوهات الثلاثة وعاد نتنياهو أو بقي رئيسا للوزراء ولم ينته عهده بالانتخابات القادمة؟

أحد أهم النتائج التي سنراها في هذه الحال هي بقاء تيار الصهيونية الدينية في الحكومة، سواء في حكومة قادمة أو في حكومة تصريف أعمال.
وفي الحالة الأولى من غير المرجح أن يكون بن غفير المتمرد وزيرا للدفاع كما يتمنى ويعلن يوميا، ولكن نتنياهو قد يقدم على هذه الفعلة الشنيعة إن رأى أن السبيل الوحيد ليبقى على رأس الحكومة يمر من طموحات بن غفير المتطرفة.

وهنا سنكون أمام كارثة أكبر وأشد من التي نحن عليها اليوم. فيسرائيل كاتس وزير الدفاع الحالي يميزه أنه مجرد دمية بيد نتنياهو يحركه كيف شاء.

أما بن غفير، فإنه لا يخضع لنتنياهو، لا لأجل اعتبارات عسكرية بحتة كما كان يوآف غالانت من قبله، بل لأنه يملك مشروعا شخصيا دينيا مجنونا ويريد أن يستخدم ورقة الجيش لتنفيذه تماما كما فعل في الشرطة.

وفي هذه الحالة سيكون الثمن غاليا جدا في الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة أن بن غفير أعلن بالفعل أن أول ما سيفعله إن أصبح وزيرا للدفاع هو تغيير ما يسمى "الميثاق الأخلاقي" للجيش، عبر إزالة قيود استخدام القوة، وحذف النصوص التي تحظر استهداف المدنيين غير المشاركين في القتال والأسرى، وإلغاء الإشارة إلى القيم الأخلاقية العالمية.

ولنا أن نتخيل ما يفعله ذلك للجيش الإسرائيلي الذي أجرم في غزة بالرغم من وجود هذا "الميثاق الأخلاقي"!

كذلك سنرى بالتأكيد جنونا غير مسبوق في الضفة الغربية عبر برنامج بتسلئيل سموتريتش لضم الضفة الغربية، وسنرى بناء كنيس في المسجد الأقصى قطعا عند ذلك، اللهم إلا إن حدث ما ليس في حسبان الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية، وأعني بذلك بالطبع تحركا شعبيا فلسطينيا يقلب الأوضاع ويربك الحسابات.

المحصلة هنا أن عودة نتنياهو أو بقاءه لا ينبغي استبعادهما من حسابات الساسة العرب، ولا ينبغي التعامل مع الواقع الإسرائيلي من منطلق "الحسابات الرغائبية"، ويجب وضع الاحتمالات الأصعب والأشد مهما كانت والاستعداد للتعامل معها.

فقد كشفت لنا السنوات الماضية أن نتنياهو ليس خصما سهلا، وذلك لأنه أفعى سياسية حقيقية، ويعلم أن الشيطان يكمن في التفاصيل.