يواصل الاحتلال تحكمه الكامل في المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، وقد شهدت الأيام الماضية مزيداً من الإجراءات التصعيدية على المعابر، تمثلت في إغلاق متكرر ومستمر لمعبر رفح، وكذلك قيود شديدة على معبر كرم أبو سالم.
وبعد إغلاق معبر كرم أبو سالم أيام عديدة خلال شهري أيلول الماضي وتشرين أول الجاري بحجة ما يُسمى "الأعياد اليهودية"، كرر الاحتلال إغلاق المعبر، وأوقف تنسيق دخول بضائع لصالح تجار.
أزمات تخنق المحاصرين
وألغى الاحتلال وبشكل مفاجئ تنسيق البضائع المقرر دخولها لقطاع غزة والقادمة من أسواق الداخل والضفة الغربية يوم الأربعاء الماضي، دون أن يحدد موعداً للسماح بدخولها، وبقي معبر كرم أبو سالم مفتوحاً باتجاه المساعدات والبضائع القادمة من مصر فقط.
وأوضحت مصادر مطلعة أن حركة عبور البضائع على المعبر المذكور يشوبها تشويش منذ عدة أيام، حيث توقف دخول العديد من أصناف البضائع التي كان مسموحاً بدخولها في السابق، وعلى رأسها الملابس، وغيرها.
وعبر تجار ومواطنون عن خشيتهم من استمرار الإجراءات المذكورة خلال الأسبوع المقبل، دون معرفة أسبابها، مؤكدين أنها حال استمرت ستؤثر على الأسواق، خاصة الخضروات، التي بدأت أسعارها بالارتفاع فعلياً.
وجراء ذلك حدث ارتباك في الأسواق، وانتشرت الشائعات، ما تسبب بارتفاع الأسعار، وسط حالة من الاقبال المتزايد على شراء بعض أصناف السلع، خاصة مواد التنظيف، خشية فقدها من الأسواق.
ولم يكتف الاحتلال بالتلاعب بحركة البضائع على معبر رفح، إذ انتقل الامر لعبر رفح، الذي يشهد إجلاءات طبية ثلاثة أيام أسبوعياً حيث أكدت وزارة الصحة بغزة أن الإغلاق المستمر والغير مبرر لمعبر رفح، يتسبب في حرمان عشرات الحالات الحرجة من المغادرة خلال الأيام الثلاثة المخصصة أسبوعياً لتنسيقات الجرحى والمرضى، ما يربك جداول الإجلاء الطبي المعتمدة.
وأشارت الوزارة إلى أن إجراءات الاحتلال تتسبب في معاناة المرضى والجرحى الذين انتظروا أسابيع طويلة للحصول على الموافقات والتنسيقات الأمنية والطبية اللازمة.
ووفق الوزارة فإن هذا التعطيل المتكرر يهدد حياة المرضى ذوي الأمراض المستعصية والمنقذة للحياة (كالسرطان والفشل الكلوي والإصابات البليغة)، حيث ينعكس كل يوم تأخير سلباً على استجابتهم للعلاج وفرص شفائهم.
وقالت الوزارة: "يستنزف هذا الإغلاق قدرات المستشفيات المحلية المتهالكة أساساً، ويضع الأطقم الطبية أمام تحديات فائقة لاستيعاب حالات تحتاج إلى مراكز تخصصية خارج القطاع".
ادعاءات كاذبة
مازالت أزمة البضائع التجارية مستمرة، مع استمرار منع الاحتلال دخولها لقطاع غزة، ما تسبب برفع الأسعار، وخلق ارباك في الأسواق، وحالة خوف لدى المواطنين خشية اختفاء السلع من الأسواق.
وزعم ما يُسمى "المنسق" الإسرائيلي، بأن الأزمة سببها وقف التجار إدخال السلع، بعد فرض "حماس" ضرائب جديدة، واعتقالها أحد التجار ممن يرفضون التعامل بـ"الكاش".
واكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن ما أورده "المنسق" ما هي إلا حملة تضليل سافرة تهدف إلى تبرير سياسات الحصار والتجويع المستمرة ضد القطاع.
وأوضح الإعلامي الحكومي، أن الاحتلال يحاول اختلاق روايات باطلة حول آليات تنظيم الحركة التجارية ودخول البضائع، مروّجاً ادعاءات كاذبة حول فرض مبالغ مالية بالقوة على التجار وتشويه إجراءات التداول النقدي، للتهرب من الاستحقاقات الإنسانية وتبرير فرض قيود جديدة.
وكشف المكتب الإعلامي الحكومي عن توجيه رسائل ومخاطبات رسمية عاجلة إلى الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، إضافة إلى القائم بأعمال المنسق الخاص لعملية السلام "راميز الأكبروف"، ومدير مجلس السلام "نيكولاي ملادينوف"، والمفوض العام للجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث؛ لوضعهم في صورة الحقائق الدامغة.
ونفى المكتب الإعلامي الحكومي نفياً قاطعاً فرض أي ضرائب أو رسوم حكومية على الشاحنات التجارية طوال السنوات الثلاث الماضية مراعاةً للظروف الاستثنائية.
وأوضح أن مبلغ 10,000 شيكل المثار من قبل الاحتلال يتعلق بـ "مبادرة مجتمعية اختيارية" يشارك فيها رجال أعمال لصندوق وطني تُوجَّه موارده بالكامل لدعم الفئات الأكثر هشاشة، ومشاريع الإيواء والصرف الصحي والإغاثة.
وبين أن الإجراءات المتعلقة بالتعاملات النقدية بنسبة 30% جاءت بالتوافق التام مع الغرفة التجارية لمعالجة النقص الشديد في السيولة والأوراق النقدية المهترئة، وليس كقرار أحادي أو للسيطرة على الأموال كما يزعم الاحتلال.
وشدد المكتب الإعلامي الحكومي على التزامه بتطبيق القانون ومكافحة احتكار السلع والتلاعب بالأسعار، مشيرًا إلى أن أي إجراءات اتُخذت بحق بعض التجار تستند حصراً إلى شبهات قانونية ومخالفات تتعلق بالكسب غير المشروع، وخاضعة للأصول القضائية.
وشدد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة على أن الأولوية القصوى هي التدفق المنتظم للبضائع وفق تفاهمات مسار شرم الشيخ، والتي تُلزم حكومة الاحتلال بإدخال 600 شاحنة يومياً، رافضاً أي محاولات لربط هذا الالتزام بادعاءات واهية أو تحميل الجهات الحكومية مسؤولية التعطيل.
غزة تحت قبضة التجار
تكشف أزمة إغلاق معبر كرم أبو سالم ووقف إدخال الشاحنات التجارية حجم الاختلال في سوق غزة ومدى النفوذ الذي بات يتمتع به بعض التجار في التحكم بتدفق السلع وأسعارها، في ظل القيود الإسرائيلية وضعف الرقابة والمساءلة.
ووفق الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر فإن المشكلة لا تتعلق فقط بتوقف الشاحنات وإنما بالمنظومة التي سبقت ذلك، حيث تُفرض تنسيقات و"أتاوات" مرتفعة على إدخال البضائع تصل إلى عشرات آلاف الشواكل للشاحنة الواحدة، وهذه التكاليف تنعكس مباشرة على أسعار السلع ويدفع ثمنها المواطن الذي تراجعت قدرته الشرائية إلى مستويات قاسية.
وأكد أبو قمر أنه سبق وأطلق قبل أشهر مقترحا بالدعوة إلى عصيان مدني يتمثل في وقف حركة الشاحنات التجارية الداخلة إلى قطاع غزة بالكامل والاكتفاء بشاحنات المساعدات، احتجاجا على التنسيقات و"الأتاوات" المرتفعة المفروضة عليها والتي تنعكس مباشرة على أسعار السلع والوضع الاقتصادي في غزة، وقد لاقى المقترح ردود فعل متباينة، إذ حذر معارضون من أن وقف الشاحنات قد يؤدي إلى نقص السلع وتفاقم خطر المجاعة.
وقال أبو قمر: "ومع ذلك يبرز هذا الخيار كوسيلة ضغط ممكنة لمواجهة استنزاف المواطنين ووقف استغلال حاجتهم ضمن تحرك يهدف إلى تغيير آليات إدخال البضائع وتخفيف تكاليفها".
وأضاف أبو قمر أن المفارقة اليوم أن الشاحنات توقفت بالفعل، لا بفعل عصيان مدني أو احتجاج شعبي على الأسعار وإنما في سياق خلاف يتعلق بالرسوم والضرائب، ما يعيد طرح السؤال حول من يملك قرار حركة البضائع في غزة ومن يتحكم في السوق ومصالح المواطنين.
وتابع: " إذا صح أن شكاوى التجار بشأن الضرائب المفروضة في غزة تقف وراء التصعيد الأخير، فإن ذلك يكشف خللا في توازن القوة داخل السوق ويثير تساؤلات حول قدرة الجهات الحكومية على إدارة الملف التجاري وحماية المستهلك، في ظل سيطرة الاحتلال على المعابر ومسارات دخول البضائع".
وأكد أنه اقتصاديا، أي رسوم إضافية على الشاحنات، سواء فُرضت تحت مسمى التنسيقات أو الضرائب ستتحول تلقائيا إلى زيادة جديدة في السعر النهائي، ما يعني تضخما أكبر وتآكلا إضافياً لدخل الأسر خصوصاً أن المنافسة محدودة والبدائل شحيحة.
أما فرض نسبة من السيولة النقدية على التجار الكبار، فهي خطوة بالاتجاه الصحيح ويمكن أن تساعد في تخفيف أزمة الكاش وتنشيط التداول بالشيكل، بشرط وضوح الآلية والرقابة عليها وألا تتحول إلى عبء إضافي يُنقل إلى المستهلك.
وشدد أبو قمر على أن المطلوب اليوم ضبط العلاقة بين التجار والجهات الحكومية وضمان دخول البضائع دون أعباء غير مبررة مع تعزيز الرقابة على السوق ومنع الاحتكار. فاستمرار تحكم أطراف محدودة في تدفق السلع وتكاليفها يفاقم الأزمة المعيشية ويجعل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا يملك التأثير في قراراتها.