بدأ الاحتلال منذ منتصف تشرين ثاني الماضي تنفيذ خطوات تدريجية تهدف إلى تشديد الحصار المفروض على قطاع غزة.
وكانت أولى حلقات التشديد افتعال إشكالية بتنسيق ما بين الاحتلال و8 تجار، بزعم أن حركة "حماس"، تريد جباية ضرائب على السلع التي تصل القطاع، لكن الأخيرة نفت هذه الادعاءات، وتسبب ذلك بإغلاق المعبر لنحو أسبوع، توقف خلاله وصول السلع لغزة.
افتعال أزمات لتشديد للحصار
وبعد أيام من استئناف دخول البضائع، بدأ الاحتلال بافتعال أزمات جديدة، كان بدايتها إيقاف مفاجئ لتنسيق بعض أنواع السلع التي كان مسموح وصولها القطاع، مثل العصائر والمشروبات الغازية، وأنواع أخرى.
كما أوقف الاحتلال وبشكل مفاجئ دخول غاز الطهي للقطاع بدءا من مساء الخميس الماضي، وبدأ بخفض تدريجي لأعداد الشاحنات التجارية، وشاحنات المساعدات التي تصل القطاع يومياً.
ولم يكتف الاحتلال بتلك الإجراءات، إذ قالت هيئة المعابر في قطاع غزة، إن الاحتلال أوقف ويشكل مفاجئ دخول المساعدات من الجانب المصري دون إبداء أسباب، أو تحديد مدة لهذا المنع، علماً أن إجمالي ما يدخل من مساعدات وبضائع تجارية من الجانب المصري 40 شاحنة يومياً، ما يعادل نجو 30% من عدد الشاحنات التي تصل القطاع.
ولم يكتفِ الاحتلال بذلك، فقد قام بإرجاع المسافرين من المرضى ومرافقيهم من معبر رفح، ومنع سفرهم، بذريعة الأوضاع الأمنية في المنطقة، وفقاً لما ادعاه الجانب الإسرائيلي، دون صدور أي إعلان رسمي بشأن تغيير آلية العمل أو إغلاق المعبر.
وعلى معبر كرم أبو سالم، تبدو الصورة قاتمة، حيث يواصل الاحتلال اتباع سياسة يطلق عليها بـ "هندسة التجارة"، وتتمثل أبرز تبعاتها في تكريس الاحتكار وغياب المنافسة، حيث يمنح هذا الوضع ثمانية أشخاص فقط القوة المطلقة للتحكم في نوعية وحجم السلع الأساسية والمواد الغذائية التي تدخل القطاع، كما يؤدي إلى تضرر صغار التجار، عبر إقصاء مئات التجار والشركات المؤهلة، كما يتسبب في حدوث قفزات حادة في الأسعار واختفاء السلع.
ويسمح الاحتلال حالياً لنحو 200 سلعة فقط بالدخول إلى قطاع غزة، مقارنة بنحو 10 آلاف سلعة كانت تدخل قبل الحرب.
وبحسب هذه الأرقام، لا يتجاوز عدد الأصناف المتاحة حالياً نحو 2% من عدد الأصناف التي كانت تدخل إلى القطاع قبل الحرب، ما يعكس اتساع الفجوة في تنوع المعروض التجاري.
مخاوف تدفع المواطنين لتخزين الطعام
شهدت الفترة الماضية تهافت واضح من قبل غالبية المواطنين في قطاع غزة، لتخزين ما أمكن من مواد غذائية قابلة للتخزين الطويل، لاسيما الطحين، السكر، الرز، والمعلبات، إضافة للبقوليات الجافة.
ويخشى مواطنون من اندلاع حرب إقليمية، يتخللها إغلاق إسرائيلي للمعابر ووقف وصول الإمدادات الغذائية للقطاع، ما يعني تجدد المجاعة وربما على نطاق أكبر، لذلك يعتبرون أن تخزين كميات من الطعام تكفي لشهرين على الأقل أمر ضروري.
وأكد المواطن أحمد رمضان أن سكان القطاع عاشوا ثلاث مجاعات أكبرها عام 2025، ويخشون حدوث مجاعة جديدة، لذلك هم يميلون دائما لتخزين الطعام، وبما أن الوضع في غزة والإقليم متوتر لذلك لا بد من تخزين الطعام بكميات كافية.
وأوضح رمضان أن دولاً أوروبية وآسيوية دعت مواطنيها لتخزين الطعام، وبالتأكيد فإن هذه الدول لديها معلومات أو على الأقل مخاوف من وقوع حدث ما، وبالتالي فإن أهمية التخزين في غزة تكون مضاعفة، كونها منطقة محتلة ومحاصرة وغير مستقرة، ومعابرها عرضة للإغلاق في أي وقت.
وأشار رمضان إلى أنه لاحظ بأن الاقبال على تخزين الطعام كبير، فالطحين شبه مفقود من الأسواق رغم وصول كميات جديدة منه.
بينما أكد المواطن إبراهيم عدوان أنه يشعر بأن المنطقة كلها على صفيح ساخن، وأن ثمة حدث كبير قد يقع في أية لحظة، لذلك لجأ لبيع خاتم من حلي زوجته واشترى كميات من الطعام القابل للتخزين في خيمته، وهو يعتقد بأن وجود أكل يطعمه لأبنائه في ظل ظروف عصيبة أفضل ألف مرة من حلي أو مال لا يمكن الاستفادة منه.
كما أكد أنه خزن كمية من مواد التنظيف باعتبارها لا تقل أهمية عن الطعام، وقد سبق وعانى من نقصها في السابق، ويستعد لمواجهة ظروف يعتقد أنها ستكون عصيبة.
ومؤخراً، تصاعدت دعوات الاستعداد لمواجهة الأزمات والطوارئ في عدد من دول العالم، مع توصية حكومات مواطنيها بالاحتفاظ بمخزونات منزلية من الطعام ومياه الشرب والأدوية والنقود النقدية، تحسبًا لاحتمالات تعطل الخدمات الأساسية أو اضطراب سلاسل الإمداد، في تحرك لافت شمل 33 دولة، بينها 17 دولة أوروبية، وفق خريطة نشرتها مجلة "نيوزويك"
وتشمل قائمة الدول الأوروبية التي تتبنى إرشادات للاستعداد للأزمات بريطانيا، أيرلندا وبولندا وفنلندا والدنمارك وسويسرا والنمسا ودول البلطيق، إلى جانب دول أخرى.