لم يكن يتخيل سكان قطاع غزة، أنه وفور تمكنهم من الصول للكثير من المناطق التي كانوا حرموا من الوصول إليها في الأسابيع المقبلة، أنهم سيشاهدون هذا الكم الهائل من الدمار، والعدد الكبير من جثامين الشهداء المتواجدة في كل ركن من قطاع غزة.
فبمجرد دخول الهدنة الإنسانية المؤقتة حيز التنفيذ عند السابعة من صباح الجمعة الماضية، غادر عشرات الآلاف من المواطنين منازل، ومراكز إيواء كانوا يقيمون فيها، محاولين العودة لأحيائهم ومنازلهم، التي هرجوا عنها قسراً.
وكانت أكثر الأهوال التي شاهدها مواطنون، في محيط شارع الرشيد، وعلى شارع صلاح الدين، وتحديداً قرب وادي غزة، وقرب مجمع النور السياحي، وشارع رقم 10، إضافة لمناطق زراعية في حي الشيخ عجلين، إذ اكتشف مواطنون وصلوا لتلك المناطق، العشرات بل المئات من الجثث، بعضها كانت متحللة بصورة شبه كلية، وأخرى مضى على استشهاد أصحابها عدة أسابيع.
مشاهد صادمة
الشاب محمود صيام، من سكان شمال القطاع، ويقيم في مدرسة إيواء بمحافظة رفح، أكد أنه عزم على العودة لمنزله في منطقة جباليا، وفي صباح اليوم الأول من التهدئة، وجد وبصعوبة مركبة تقله لمخيم النصيرات، ومن هناك أكمل برفقة شابين الطريق مشياً على الأقدام، بالتجاه الطريق الساحلي، وما إن وصلوا إلى محيط شارع الرشيد، حتى بدؤوا يشاهدون جثامين الشهداء على الأرض، فالبعض كانوا ملقين بجانب مركبات، وآخرون جثامين متفحمة داخل سيارات، والبعض قذفتهم قوة الصواريخ إلى حافة الشاطئ الرملي.
وقال صيام لـ"فلسطين بوست": المشاهد كانت مروعة، من بين الشهداء نساء وأطفال، ومن أصعب المشاهد كان لامرأة تحتضن طفلها وقد استشهدا معاً، وشخص سقط على بعد أمتار من سيارته، يبدو أنه غادرها وكان يحاول الهرب، قبل استهدافه وقتله جنود الاحتلال بدم بارد، ومشهد آخر لعائلة قتلت بالكامل داخل مركبة، بعد استهدافها بقذيفة دبابة، خلال محاولتهم الفرار من مدينة غزة باتجاه الجنوب.
بينما قال المواطن أيمن صالح، والذي حاول اجتياز الحاجز الإسرائيلي جنوب مدينة غزة على يومين متتالين وفشل، وقد تعرض وباقي النازحين لإطلاق نار من دبابات الاحتلال التي منعتهم من الوصول لمدينة غزة، إنه شاهد جثثاً في حقول، وشوارع ترابية، فكلما دخل شارع محاولاً إيجاد طريق لا يوجد فيه دبابات، شاهد جثة هنا وهناك، وشاهد جثامين مقطعة، وأشلاء متناثرة، ويبدو أن الكلاب الضالة نهشت بعض جثامين الشهداء.
وأكد صالح لـ"فلسطين بوست"، أنه ساعد في إخلاء بعض الجثامين، وكان الوضع صعب، فحتى التعرف عليهم من قبل ذويهم لن يكون أمراً هيناً، في ظل تحلل الجثامين، ومرور وقت طويل على بقائها في العراء.
بينما أكد مواطنون يقيمون في جنوب قطاع غزة لـ"فلسطين بوست"، بأنهم تحدثوا هاتفياً من أقارب وأصدقاء مازالوا متواجدين في مناطق شمال القطاع ومدينة غزة، وأخبروهم أنهم وخلال عودتهم إلى منازلهم في المناطق الغربية لمدينة غزة، وفي بلدتي بيت حانون وبيت لاهيا، عثروا على جثث لعشرات الفلسطينيين الذين قتلهم آلة الحرب الإسرائيلية.
وأوضح الشهود، أن الجثث كانت متحللة مما يشير إلى استشهادهم كان قبل عدة أسابيع خلال عمليات التوغل أو أثناء حركة النزوح من مدينة غزة إلى مناطق جنوبي القطاع.
دمار غير مسبوق
ولم تكن الصدمة ناتجة عن العدد الكبير من جثامين الشهداء فحسب، إذ فوجئ مواطنون بدمار كبير وغير مسبوق في مدينة غزة وشمال القطاع، بعد أن استطاعوا لأول مرة الوصول لمناطق كانت محرمة عليهم في السابق.
ونشر نشطاء مقاطع فيديو لأجزاء من حيي الرمال، وتل الهوا، ومنطقة الجندي المجهول، إذ تحولت عمارات وأبراج سكنية وتجارية إلى أكوام من الركام، وجرى حفر شارع عمر المختار بمنطقة الجندي المجهول، وتدمير ميناء غزة بشكل كامل، وخراب في مرافق البنية التحتية.
وقال المواطن أحمد ربيع، إنه تحدث لأصدقاء وصلوا الى مناطق غرب غزة، وأخبروه أنهم وجدوا أحياء سكنية كاملة تضم مئات المباني، وعشرات آلاف الوحدات السكنية مدمرة بشكل كلي، إضافة للدمار الهائل الذي لحق في الطرقات، ومباني المؤسسات الحكومية والأهلية، والبنى التحتية، وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات.
وأكد ربيع أن الأحزمة النارية التي كان يسمعها المواطنون كلها كانت تستهدف مناطق سكنية، وتسببت بدمار آلاف الوحدات في الحيين.
بينما أكد مواطنون في منطقتي جباليا وبيت حانون وبيت لاهيا، أن جحم الدمار في تلك المناطق لا يقل عن غرب غزة، وقد يكون أكبر وأوسع، فالغارات والقصف المدفعي، وعمليات التجريف التي استمرت أسابيع طويلة، تسببت بتحويل أحياء كاملة لأكوام من الركام.
خوف إسرائيلي
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية أبدت خشيتها من أنّ دخول الهدنة في غزة حيّز التنفيذ سيفضح حجم الجرائم الإسرائيلية المرتكبة في القطاع، خلال العدوان منذ 50 يوماً.
وتعبيراً عن هذه الخشية، قال المراسل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، "يوسي يهوشع"، إنّ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ هو أيضاً "دخول إسرائيل إلى كمين كبير، نصبه لها يحيى السنوار"، رئيس حركة حماس في قطاع غزة.
وأوضح يهوشع أنّ العالم "سوف يُصدم"، بعد إدخال وسائل الإعلام الدولية، في إشارة إلى الحجم الهائل للجرائم الذي ارتكبها الاحتلال.
جرائم حرب
في حين قال مركز الميزان لحقوق الإنسان، في تقرير أصدره بعد دخول التهدئة الإنسانية المؤقتة حيز التنفيذ بساعات: " عمليات البحث عن جثث الضحايا ممن قتلوا ولم تسمح قوات الاحتلال لسيارات الإسعاف بالوصول إلى الجثث ولاسيما وأن عدداً كبيراً منهم نزفوا حتى الموت، دون أن تتمكن اللجنة الدولية من التنسيق لسيارات الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، كشفت عن أعداد كبيرة من الشهداء حيث جرى استخراج (94) جثة حتى الساعة 12 من ظهر اليوم الأول فقط، وهو التوقيت الذي يغطيه البيان لجهة أعداد الضحايا والخسائر.
ووفق الزيارات الميدانية التي نفذها باحثو المركز للمناطق التي استحال عليهم الوصول إليها، بعد أن أطلقت قوات الاحتلال عملياتها البرية عن حجم دمار غير مسبوق في تاريخ قطاع غزة، فقد فاق حجم الدمار ما تعرض له القطاع في عدوان الرصاص المصبوب، بحيث بدت المناطق الشرقية من مدينة غزة ولاسيما شرق حي الشجاعية والتفاح، ومنطقة الزنة، وخزاعة، وشرقي القرارة، شرق محافظة خانيونس، وكأن زلزالاً مدمراً ضرب المنطقة فدمر آلاف المساكن.
وعبر مركز الميزان لحقوق الإنسان عن شجبه واستنكاره الشديدين لاستمرار صمت المجتمع الدولي، الذي يشكل غطاء لقوات الاحتلال، ويمنحها مزيداً من الوقت، وهو ما يشجعها على مواصلة جرائم الحرب التي ترتكبها في قطاع غزة.
وهو أمر بدى واضحاً من تلكؤ وتهرب عشرات الدول من المطالبة بعقد جلسة لمجلس حقوق الإنسان، واستمرار مواقف كثير من دول أوروبا التي تتجاهل جرائم الحرب الإسرائيلية، وآلاف الضحايا من المدنيين الفلسطينيين، والخسائر في ممتلكاتهم، وتعبر عن تفهمها لما تقوم به قوات الاحتلال من جرائم.
وكان جيش الاحتلال تعمد استهداف النازحين الفلسطينيين، وارتكب العديد من المجازر في مناطق جنوب مدينة غزة، بالتزامن مع ترويجه أن الجنوب “منطقة آمنة” لإجبار العدد الأكبر من أهالي الشمال على مغادرته.
ودخلت التهدئة حيز التنفيذ بينما ما تزال تتمركز الآليات العسكرية الإسرائيلية في منطقة شارع الرشيد على امتداد محافظة الشمال ومدينة غزة، إضافة إلى تواجدها في الجزء الجنوبي من حي الزيتون ومنطقة الشيخ عجلين.
وحافظ جيش الاحتلال على تواجد قواته البرية في أجزاء من بلدتي بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا شمال القطاع.
كتب: محمد الجمل