جنود الاحتلال كعادتهم.. يتسللون إلى المدن الفلسطينية في غياهب الليل كالخفافيش، ليقتحموا ما تيسر من المنازل الآمنة، ويعتقلوا من يخشون صوتهم، ويُفزعون من أقلامهم.
في فجر اليوم الثالث من أبريل الجاري كسر تفجير باب عمارة عائلة هريش في بيتونيا غرب مدينة رام الله سكينة ليلهم، واقتربت أصوات أقدام جيش الاحتلال الدخيلة صعوداً إلى الشقة التي يقطنون بها، فتشوا المنزل وطلبوا الهويات من أصحابه، وذلك قبل اقتياد الصحفية أسماء هريش 32 عاماً إلى الأسر، على خلفية عملها الصحفي.
حيث تعمل أسماء كصحفية مستقلة مع جهات عدة، فبات العمل الصحفي الذي يعمل على نقل الحقيقة ورفع الصوت الفلسطيني مؤرقاً للاحتلال ومن يسانده.
في تلك الليلة أضاف الاحتلال للسيدة مكرم هريش معاناة جديدة في فصول اعتقال أفراد عائلتها التي تعايشها منذ 36 عاماً، حيث تناوب الاحتلال الإسرائيلي على اعتقال زوجها نوح هريش، وابنها أحمد، وها هو يعتقل أسماء "ناصرة الحق وصوت الأسرى"، كما وصفتها والدتها.
تقول مكرم لـفلسطين بوست: "بالرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي يقتحم فيها الاحتلال منزلنا، إلا أننا لن نعتاد على ذلك، لا يجوز التأقلم مع وجود احتلال غاصب"، مُردفةً عن تفاصيل اعتقال أسماء: "داهم قرابة الـ30 جندياً بيتنا، واستفسروا عن هوية الموجودين، وفور إدراكهم لهوية أسماء، أخبرونا أنهم سيعتقلونها... بالكاد تمكنت أسماء من ارتداء ثيابها بسبب همجيتهم وعدم صبرهم، إذ إنهم كانوا يصرخون عليها بأعلى صوتهم "يلا بسرعة، معك دقيقة وحدة بس" ".
وتابعت: "طمسوا عينيها، وقيدوا يديها، ونزلوا للأسفل عبر السلم"، وعندما هموا بالخروج من البناية بدأت العائلة بسماع صراخ ابنتها أسماء، الأمر الذي جعلهم يدركون تعرضها للاعتداء والتنكيل على أيدي الجنود.
"الاحتلال لا يرحم صغيراً أو كبيراً، ولا رجلاً أو امرأة، لذلك هناك تخوف لدى العائلة مما سيرتكبه الاحتلال بحق أسماء، خاصة بعد معرفتهم بتعرض والدهم نوح للضرب المبرح من قبل الجنود"، كما أخبرتنا مكرم.
وعن آخر جملة نطقت بها أسماء قبل خروجها من المنزل، أوضحت مكرم أن "شقيق الروح" هي الكلمة التي اعتادت أسماء أن تنادي بها أخيها أحمد المعتقل منذ 30-5-2023، وهي التي رددتها تحت صوت صراخ الجنود عليها حتى تصمت، قائلةً لوالدتها: "ديروا بالكم ع كرم، ابن شقيق الروح" .
.كانت مكرم تُنبه ابنتها (أسماء) باستمرار لتأخذ الحيطة والحذر بسبب استهدافات الاحتلال المتكررة للصحفيين، وتصاعد وتيرة الاعتقالات بحقهم، مؤكدةً على أنها الداعمة الأولى لابنتها لتنقل الحقيقة، فتكمل: "انا بشجع أولادي يدرسوا ويشتغلوا الي بدهم ياه، إذا كل واحد خاف على أولاده وما خلاهم ينقلوا الصورة والخبر، مين الي رح ينقل معاناة شعبنا؟" .
وفي هذا السياق، فقد أكدت الصحفية نداء بسومي، صديقة الأسيرة، قلق وخشية أسماء من اعتقالها أو إخوتها، وقالت في منشور على منصة "انستغرام" :"منذ بدء حرب الإبادة، تحولت ليالي أسماء إلى كابوس طويل، لم تستطع النوم في أي ليلة يرد فيها خبر "قوات الاحتلال تقتحم مدينة رام الله".. كانت تخشى على بقية أشقائها وعلى نفسها من الاعتقال" .
ومن المقرر أن تُعقد جلسة محاكمة أسماء يوم الأربعاء المقبل، بحسب ما أكده المحامي لعائلتها، وأضافت مكرم: "حتى اللحظة لا تفاصيل دقيقة حول مكان وظروف تواجدها، ولا ندري إن كانت ما تزال تتواجد في سجن "عوفر" أم تم نقلها" .
وشددت مكرم على أن إجراءات الاحتلال التي يحاول من خلالها إسكات الصوت الفلسطيني، لن تُجدي نفعاً، فكل بذرة تُدفن في أرض فلسطين تُزهر كشجر الزيتون، وتتجذر في عمق التاريخ لتروي للأجيال القادمة أحقية من بالأرض الفلسطينية.
وختمت حديثها داعيةً الشعب الفلسطيني بالتحرك والخروج في المظاهرات من أجل إسناد ونصرة الأسرى في سجون الاحتلال، وللمطالبة بحرية من يقضون سنوات طويلة من زهرة أعمارهم في الأسر.
وفيما يتعلق بهذا الخصوص لفت نادي الأسير الفلسطيني إلى أن الاحتلال اعتقل منذ السابع من أكتوبر 66 صحفياً، وأبقى على اعتقال 45 منهم، بينهم 4 صحفيات، وهن: بشرى الطويل، إخلاص صوالحة، رولا حسنين، وأسماء هريش.
بينما العدد الإجمالي للأسرى الذي اعتُقلوا بعد ذلك التاريخ، بلغ 8080.