خلف مقتل ياسر أبو شباب، قائد أكبر ميليشيا متعاونة مع الاحتلال في قطاع غزة، حالة من الارتياح الشعبي الكبير، وقد عبر عنه مواطنون باحتفالات عمت غالبية مناطق القطاع.
فقد عمت موجة من الاحتفالات العارمة منطقة المواصي بمحافظة خان يونس، جنوب قطاع غزة، بعد تأكيد نبأ مقتل المدعو "ياسر أبو شباب".
وبعد انتشار نبأ مقتل "أبو شباب" سُمع دوي إطلاق نار في الهواء، كما تبرع مواطنون ونشطاء بشراء كميات من الحلوى وتوزيعها على النازحين، ممن كانوا يتناولونها بفرحة كبيرة.
فشل لمخططات الاحتلال
ووفق العديد من المواطنين فإن موت "أبو شباب" وبغض النظر عن الجهة التي قتلته يُعد فشل إسرائيلي إضافي، ووأد مبكر لفكرة فرض أية سلطة أو جهة تحكم غزة دون رضى الفلسطينيين.
وصدرت العديد من البيانات والمواقف من مختلف أطياف الشعب الفلسطيني، حيث رحبت جميع البيانات بمقتل "أبو شباب"، وطالبت باقي أفراد العصابات التابعة للاحتلال بالتراجع عن دورهم في خدمة الاحتلال، والعودة لحضن الشعب الفلسطيني.
وقال المواطن إبراهيم عوض الله، إن موت "أبو شباب" يمثل أكبر انتكاسة لمشروع إسرائيل خلق قيادات بديلة، أو حكومة غير مقبولة من عموم الشعب الفلسطيني، وهذا يعتبر مصير طبيعي لكل شخص أو جهة تحاول فرض نفسها على الفلسطينيين بدعم من أميركا وإسرائيل.
وأوضح عوض الله أنه لم ير منذ بداية الحرب إجماع فلسطيني على قضية كما حدث من حالة رضى بعد موت "أبو شباب"، فجميع فئات الشعب الفلسطيني بغض النظر عن انتمائهم أو آرائهم فرحوا بموت هذا الشخص، الذي كان سبباً في تجويع الناس طوال فترة الحرب عبر منع وصول المساعدات، وسرقتها، وساهم في عزل مدينة رفح عن باقي القطاع، وكان له دور كبير في ملاحقة وقتل المقاومين المحاصرين في رفح.
وأشار إلى أن موت أبو شباب سيكون له تداعيات سلبية على باقي المليشيات المتواجدة شرق القطاع، وسيلاقون نفس المصير، وقد تتخلى عنهم إسرائيل في أية لحظة، كما تخلت عن لحد وجماعته العميلة في لبنان.
وأعلن "أمن المقاومة"، مؤخراً عن فتح باب التوبة أمام العملاء المنتسبين للمليشيات المدعومة من الاحتلال، وذلك لمدة 10 أيام فقط.
تبعات مقتل أبو شباب
ووفق محللون ومراقبون فإن مقتل "أبو شباب" يشكل نقطة تحول مهمة فيما يتعلق بالأدوات التي حاول الاحتلال أن يبنيها على الأرض، والمتمثلة بالمجموعات المسلحة، التي كانت تسعى لتحقيق أكثر من هدف، وإنشاء كيانات عميلة تتحرك بأوامر مباشرة من الاحتلال.
من جهته قال الكاتب الصحفي الفلسطيني ثابت العمور، إن الرهان الإسرائيلي على هذه المجموعات فشل، موضحاً أن حالة من "الإجماع الشعبي"، ظهرت في القطاع بالترحيب بمقتله، وأن معظم الغزيين اعتبروا نهايته "حتمية ومُستحقة".
وأوضح أن مقتل أبو شباب يسرّع "زوال هذه الميليشيات"، ويؤشر إلى فشل الاحتلال في تصنيع بديل محلي للمقاومة، قائلا إن الظاهرة "هشة وأقرب للفوضى منها لواقع يمكن أن يستمر".
وعن الموقف الداخلي في غزة، أوضح العمور أن قبيلة الترابين "شمّست" أبو شباب، أي تبرأت منه، منذ لحظة اتهامه بالتعاون مع الاحتلال، ورفعت عنه الغطاء الاجتماعي بشكل كامل، معتبرة أن دمَه أصبح مهدورا وفق الأعراف العشائرية.
بينما قال الخبير بالشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى إن مقتل أبو شباب يشكل "ضربة لإسرائيل"، لأنها اعتمدت تاريخيا على "بناء مرتزقة من المليشيات والمجرمين داخل المناطق المحتلة ليكونوا بديلا أمنياً وحكوميا".
وأكد مصطفى أن تل أبيب كانت تعوّل على هذه المجموعات لـ"إرهاب الفلسطينيين" وفرض أجندتها في القطاع.
أما أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات، فربط الحدث بتاريخ طويل من فشل النماذج التي تراهن فيها إسرائيل على مليشيات ووكلاء محليين، سواء في لبنان أو الضفة الغربية، مبديا دهشته من "الاستغراب الإسرائيلي من سقوط أبو شباب".
وأكد فريحات أن الاغتيال يحمل "رسالة قوية بأن المقاومة موجودة"، وأن توقيته بالغ الأهمية لأنه يأتي مع نهاية المرحلة الأولى من الاتفاق، في وقت تعجز فيه واشنطن عن تشكيل القوة الدولية بعد انسحاب دول لا تريد الاحتكاك مع حركة حماس.
بماذا علق الإعلام العبري
ومن جهتها، وصفت المحللة تسفي يحزكيلي (من القناة 13) الاغتيال بأنه "رد قاطع" على من راهنوا على إمكانية إنشاء إدارة بديلة لحماس في القطاع، معتبرة أن ما حدث يشكل إعلانا صريحا بنهاية المشروع.
في المقابل، رأى محللو القناة 12 أن العملية تمثل "سقوطا صاخبا" لفكرة صناعة بديل لحماس، مؤكدين أن إسرائيل دعمت هذه المجموعات ووفرت لها مساحة للحركة، لكنها انهارت سريعا، بينما ظلت حماس القوة الأبرز والفاعلة.
واعترف المحلل العسكري "آفي أشكينازي" بفشل الجيش في حماية عناصر المشروع، وعلى رأسهم أبو شباب نفسه، مقرا بأن خطاب حماس حول هشاشة هذه التشكيلات تحول إلى واقع ميداني ملموس.
كما أشار محرر الشؤون الفلسطينية في القناة 12، "إليؤور ليفي"، إلى أن اغتيال أبو شباب داخل منطقة تفترض أنها تحت السيطرة الإسرائيلية (مثل رفح) يظهر أن حماس ما زالت قادرة على العمل، واختراق مناطق خارج نطاق سيطرتها المباشرة. وشدد ليفي على أن المدينة التي يروج بعض السياسيين لـ"إعادة بنائها خالية من حماس" تظل، في الواقع، تحت نفوذ الحركة ظاهرياً أو خفيا.
ولفت ليفي أيضا إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حرصت على إبقاء الجهة المنفذة للاغتيال طي الكتمان، خشية تسرب الهزيمة إلى ما تبقى من هذه الميليشيات.
ورأى أن مقتل أبو شباب في منطقة مفتوحة أمام الجيش يختزل مأساة المشروع برمتها، ويعيد استحضار أخطاء الماضي.
وخلص ليفي إلى أن الاعتماد على ميليشيات محلية لمواجهة حركة "حماس" مشروع غير قابل للحياة—لا في السابق، ولا في الظروف الراهنة.
من هو خليفة أبو شباب
ظهر غسان الدهيني المساعد الأول للمقتول ياسر أبو شباب في عدة صور ومقاطع فيديو، بعد تسلمه زعامة المليشيا الأكبر المتعاونة مع الاحتلال، والتي تتخذ من شرق مدينة رفح مقراً لها.
وظهر الدهيني في صور وخلفه عدد من جثامين الشهداء جرى التعرف على هوية اثنين منهم، وهما أحمد البواب، نجل قائد كتيبة رفح في "كتائب القسام"، وشريف أبو لبدة أحد العناصر في "القسام"، كما أعلن الدهيني مسؤوليته عن قتل عنصرين آخرين من القسام.
وذكرت مصادر محلية أن "غسان الدهيني" تولى قيادة "مجموعات أبو شباب" بعد إصابة طفيفة تعرض لها خلال الاشتباكات التي أدت إلى مقتل "ياسر أبو شباب".
وبعد نشر صور الشهداء والدهيني يقف أمامهم أصبح الأخير مطلوباً لعدد من العائلات التي ينتمني إليها الشهداء، وأصبح المطلوب الأول لحركة "حماس"، التي توعدته بمصير مشابه لأبو شباب.
لكن الغريب ان الدهيني صاحب تاريخ مليء بالتناقضات، إذ كان منخرط لسنوت طويلة ضمن تنظيمات متشددة، مقربة من تنظيم "داعش"، كما يعتبر من السوابق الجنائية حيث سجن على عدة قضايا.
ويعد الدهيني الذي يبلغ من العمر 39 عامًا، المسؤول عن الجناح العسكري لمجموعة أبو شباب، وتنفيذ ما كان يطلق عليه "العمليات الخاصة" ضد عناصر من حماس في مدينة رفح، التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي.
وينشط الدهيني، الذي ينحدر من قبيلة الترابين البدوية، وهي أكبر القبائل الفلسطينية ولها امتدادات في دول عدة، على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان قد ظهر مؤخرًا بشكل لافت خلال اعتقال عدد من عناصر حماس من نفق في مدينة رفح، وتم إخضاعهم للتحقيق.
والدهيني يواجه رفض داخل المليشيا نفسها، حيث يعتبره البعض دخيلاً عليهم، فعلى الرغم من انتمائه لنفس القبيلة التي ينتمي إليها أبو شباب (الترابين)، إلا أنه قدم إلى مناطق شرق رفح من منطقة تل السلطان مع بداية الحرب الأخيرة على غزة، ولم يكن مقيما في المنطقة من قبل، مما يمثل عائقا كبيرا أمام قبوله كزعيم جديد.
كما أن المناطق التي كان يسيطر عليها "أبو شباب" لا تزال تحت نفوذ عائلات بدوية كبيرة مثل "أبو سنيمة" و"الدباري"، اللتان تقطنان المنطقة منذ عقود، خاصة في مناطق "المطار" و"الشوكة" شرق رفح.