بعد مرور أكثر من 60 يوماً على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مازال الاتفاق يراوح مكانه دون تقدم، حيث ترفض إسرائيل حتى الآن الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، وتواصل المماطلة في تنفيذ باقي البنود، بينما تعمل على فرض واقع ديمغرافي جديد.
وعلى مدار الأسابيع الماضية، يحاول الاحتلال تثبيت الخط الأصفر كحدود فصل دائمة بدلاً من حد مؤقت كما نص عليه الاتفاق، ويعمل على توسيع نطاق الخط المذكور، ويقيم على طوله مواقع، وبنية تحتية عسكرية.
خرق خطير
ويقول مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة إسماعيل الثوابتة، إن الاحتلال يحاول تكريس "الخط الأصفر" كحد فاصل فعلي بدلاً من موقف عسكري مؤقت، وهذا يشكل إخلالاً جوهرياً ببنود اتفاق وقف إطلاق النار ويمنح الاحتلال ذريعة لفرض إجراءات عسكرية وإدارية جديدة تُقوّض شروط المرحلة الثانية، وهذا يؤدي عملياً إلى حرمان أعداد كبيرة من المواطنين من العودة إلى منازلهم ومنعهم من الوصول إلى الأراضي الزراعية والمرافق الأساسية، وكذلك تحويل الملف الإنساني إلى ملف خاضع لشروط أمنية بدلاً من التوزيع الإنساني المحايد، وإطالة أمد المعاناة بسبب توقف برامج الإغاثة وإعاقة إعادة الإعمار.
وأكد الثوابتة، أن الواقع على الأرض والسياق السياسي يشيران إلى أن تحديد "خط أصفر" كحدٍ دائم قد يُخدم أهدافاً ديموغرافية واستراتيجية، مثل: فصل مناطق، وتقييد عودة نازحين، والاستحواذ على مساحات زراعية وبنى تحتية وغيرها، وتحويل حد مؤقت إلى فصل دائم يترتب عليه تغيير في التوزيع السكاني والتركيبة الحياتية للمحافظات المتضررة، وهو ما يُعدّ تغييراً في الوقائع على الأرض يؤثر على الحقوق المدنية والسياسية لشعبنا الفلسطيني، وهذا يعني أن الاحتلال أصبح احتلالاً مُركّباً، ومخالفاً للقانون الدولي ولكل الأعراف الدولية.
توسيع الخط الأصفر
في 20 نوفمبر الجاري، توغلت قوة عسكرية إسرائيلية في المناطق الشرقية لمدينة غزة متجاوزة ما يُعرف بالمنطقة الصفراء بمسافة 300 متر في شوارع "الشعف والنزاز وبغداد"، في حيي الشجاعية والتفاح، وحاصر عشرات العائلات التي أجبرت على النزوح لاحقاً، وعملت على توسيع حدود الخط الأصفر، من خلال نقل مكعبات أسمنتية لونها أصفر مئات الأمتار باتجاه الغرب، كما حدث تقديم مماثل للخط المذكور في منطقة "دوار بني سهيلا" بداية شهر ديسمبر الحالي.
وتسبب هذا الإجراء في إجبار مئات الأسر على النزوح باتجاه الغرب، وزاد من رقعة التدمير والتحريب المتواصلة في مناطق شرق القطاع.
واقع أمنى خطير
ووفق مصادر أمنية مطلقة، فإن الخط الأصفر غير الواقع الأمني في غزة، وبات يشكل مخاطر كبيرة على المدنيين والمقاومين، بحيث بات الاحتلال يتواجد في مواقع متقدمة لا تبعد سوى مئات الأمتار عن تجمعات السكان، وبالتالي سهولة تنفيذ عمليات خاصة، منها اغتيالات كما حدث مرتين في مواصي خان يونس ومخيم البريج في شهر نوفمبر، حيث جرى اغتيال مقاومين اثنين على يد مليشيات تابعة للاحتلال، إضافة لعمليات خطف كما حدث مع الدكتور مروان الهمص وابنته الحكيمة تسنيم.
بينما أكد الخبير والمحلل العسكري والاستراتيجي اللواء المتقاعد يوسف الشرقاوي، أن الخط الأصفر هو محور عسكري أمني له تبعات خطيرة جداً، فقد يستخدم مستقبلاً كنقطة انقضاض على مناطق سكنية في قطاع غزة، حيث يعتبر قريب جداً من تجمعات السكان، كما يجري تجهيزه لإقامة تحصينات كبيرة يصعب على المقاتلين اجتيازها، بما يوفر حماية مستقبلية لمستوطنات الغلاف.
بينما أكد المحلل السياسي طلال أبو ركبة أن هذا الخط الذي بدأت إسرائيل تؤسس من خلاله لفصل غزة جغرافيا لمنطقتين، سيكون بمثابة أداة ضغط سياسية وأمنية على سكان القطاع، من خلال تقليص مساحة قطاع غزة، واستخدامه لشن هجمات على القطاع، وهذا كله يشكل خنق وضغط على سكان القطاع، بما يسهل عملية التهجير وهي الهدف الأساسي لإسرائيل، وفق أبو ركبة.
موقع عسكري جديد
في ظل الحديث عن إمكانية قرب تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، وآمال المواطنين بانسحاب إسرائيلي إضافي من القطاع، فوجئ سكان مدينة خان يونس، بقيام قوات الاحتلال بإقامة موقع عسكري كبير ومتقدم، على أراضي "بلدة معن" جنوب المحافظة.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن الموقع أقيم على تلة مرتفعة، تشرف على مساحات واسعة من مناطق جنوب وشرق ووسط مدينة خان يونس.
ويظهر الموقع المستحدث من على بعد عدة كيلو مترات من مكان إقامته، خاصة خلال ساعات الليل، حيث تظهر أنوار الموقع من بعيد.
وأقام الاحتلال في محيط الموقع المذكور رافعات "أبراج آلية"، ووضع عليه ساريات مرتفعة مثبت عليها كاميرات مراقبة، إضافة لوجود دبابات تحيط بالموقع.
وأكد مواطنون أن الموقع المذكور أصبح بمثابة خطر مُحدق يتهدد أمن وسلامة سكان مناطق جنوب ووسط خان يونس، حيث يتم إطلاق النار منه باستمرار، والرصاص يصل إلى عمق مدينة خان يونس، ويسبب سقوط ضحايا بشكل يومي.
وأكد المواطن إسماعيل عبد العال إن الموقع العسكري الجديد لم يقام بشكل عشوائي، ويبدو أنه أقيم بعد دراسة من قبل الاحتلال، حيث يكشف نصف مساحة خان يونس، وبإمكان الأسلحة التي وضعت عليه إصابة أهداف في مناطق بعيدة، وهذا يخلق تهديد كبير لسكان المنطقة.
وأكد أن الوضع يزيد صعوبة، فلم يكتف الاحتلال بالإطباق الجوي، بل يواصل تعميق سيطرته على الخط الأصفر ومحيطه من خلال المواقع الجديد.
ووفق متابعون ومراقبون، فإن الموقع ليس الأول، إذ تعمد الاحتلال إنشاء بنية تحتية عسكرية على طول الخط الأصفر، إذ يجري إنشاء مواقع يحيط بها أبراج مراقبة، بينما جرى وضع مرابض مدفعية داخل الخط المذكور خاصة شرق مدينتي خان يونس وغزة، معتقدين أن ذلك يشير إلى نوايا الإبقاء على حدود الخط الأصفر على حالها، ولا تنوي الانسحاب منه.