بات ملف آلاف المواطنين ممن اعتقلتهم قوات الاحتلال من داخل قطاع غزة، من أخطر وأعقد الملفات، مع تعمد الاحتلال الإسرائيلي ممارسة سياسة الإخفاء القسري ضدهم، وعدم نقل أية معلومات عنهم، سواء لمؤسسات حقوقية، أو حتى لذويهم.
ورصدت "فلسطين بوست" روايات صادمة حول تعرض أسرى مفرج عنهم لتعذيب قاسي، ومعاملة حاطة بالكرامة الإنسانية، كما رصدت أيضاً قلق ذوو أسرى على مصير أبنائهم، مع عدم تلقيهم أية معلومات عنهم.
اعتقالات جماعية مستمرة
ووفق معلومات وشهادات، نقلتها ووثقتها مؤسسات حقوقية فإن "قوات الاحتلال تواصل منذ عدة أشهر عمليات اعتقال جماعية لمئات السكان المدنيين خاصة من سكان شمال غزة، ومدينة غزة، ومحافظة خان يونس، ومخيمات وسط القطاع، سواء من منازلهم، أو من داخل مراكز الإيواء في المدارس التابعة لـ"لأونروا".

وقالت المؤسسات ومنها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومركز الميزان، ومؤسسة الحق، إن تلك القوات تجبر المعتقلين "على خلع ملابسهم والاصطفاف في طوابير، والجلوس في الشوارع وهم شبه عراة في وضع مذل، فضلاً عن تعريضهم للتعذيب والتنكيل، قبل اقتيادهم وهم مكدسون فوق بعضهم في شاحنات لأماكن مجهولة".
وبث جنود الاحتلال صوراً ومقاطع فيديو، تظهر مئات المواطنين من مختلف الأعمار، مكبلي الأيدي من الخلف، ومعصوبي الأعين، يتم زجهم في شاحنات مكشوفة، ونقلهم إلى جهات غير معلومة.
تنكيل وتعذيب
وفي كل مرة يتم فيها الإفراج عن أسرى من خلال معبر كرم أبو سالم جنوب شرق محافظة رفح، يتم نقل العشرات منهم إلى المستشفيات، لتلقي العلاج، بعضهم يعانون كسور في الأطراف، وعظام الصدر، وآخرون يعانون حالة هزال جراء قلة الطعام، والبعض وصفت حالتهم الصحية بالصعبة، جراء مضاعفات نجمت عن الضرب، والتعذيب، والتجويع.
وروى المواطن خالد النبريص "48 عاماً"، جزء مما تعرض له وباقي الأسرى من عمليات تعذيب وتنكيل، استمرت أسابيع، قبل أن يُفرج عنه من خلال معبر كرم أبو سالم.
وقال النبريص: منذ اعتقالنا تعرضنا لتعذيب لا يتوقف، حتى المكان الذي ننام فيه كنا نتعرض داخله للتعذيب، وأحياناً يتم إطلاق كلاب مفترسة تجاهنا، كما جرى تجريدنا من ملابسنا وسط البرد الشديد، وحرمنا من الدفء والأغطية، والطعام كان شحيح، والخروج للمرحاض ممنوع.
بينما قال معتقل آخر يدعى "أبو محمود"، منذ تم اعتقالنا، كبلونا بأصفاد بلاستيكية تغلغلت في عمق أيدينا، وتعرضنا لضرب وحشي ومستمر لساعات وساعات، حتى نقلنا لغرف احتجاز، تعرضنا فيها للتعذيب القاسي، مع استمرار تكبيل أيدينا من الخلف، وتوجيه عبارات نابية لنا.
وأوضح أنه وطوال فترة الاعتقال التي استمرت نحو 22 يوماً، حرم من النوم إلا فترات محدودة، والطعام كان عبارة عن خبز يابس بكميات قليلة جداً، والغرفة الصغيرة كان يتكدس فيها عشرات الأسرى، ويتم فتح الباب كل فترة قصيرة، لرش المياه الباردة على الأسرى وضربهم، وتوجيه عبارات نابية لهم.
وأكد "أبو محمود"، لـ"فلسطين بوست"، بعض الأسرى أجبروا على التجرد حتى من اللباس الداخلي، مع التعرض للضرب الشديد في كافة أنحاء الجسد، والاحتجاز في العراء وسط البرد والمطر لساعات، مرورًا بالسب والشتم بألفاظ نابية وخادشة للحياء، مع التحرش الجنسي اللفظي والحسي، والصعق بالكهرباء، والشبح بأشكال مختلفة، والحرمان من الطعام والماء لأيام طويلة.
وروى أكثر من أسير شهادات عن تعمد الاحتلال إدخال أسيرات فلسطينيات اعتقلن من غزة عاريات عدا ملابس داخلية، على غرف الاسرى، إذ حاول أحد الأسرى تغطية إحداهن بقطعة قماش كان يلفها على جسده، فانهال عليه الجنود بالضرب المبرح، حتى فقد الوعي، ونُقل خارج الغرفة، ولا أحد من الاسرى يعلم مصيره حتى الآن.
وقال الأسير "علاء"، ورفض ذكر اسمه كاملاً، بعد فترات طويلة من الاعتقال، تم نقل العشرات من الأسرى في شاحنة مكشوفة، وأخبرهم الجنود أنهم ذاهبون للإعدام رمياً بالرصاص، فباتوا ينطقون الشهادتين، وهم ينتظرون الموت، حتى فوجئوا بإطلاق سراحهم عند معبر كرم أبو سالم، موضحاً أن الجنود كانوا يتعمدون محاربتهم نفسياً وجسدياً حتى اللحظات الأخيرة من الاعتقال.
في حين نقل نادي الأسير الفلسطيني، أن الاحتلال ارتكب جريمة إعدام ميدانية بحق 30 معتقلاً من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بعد العثور على جثامينهم داخل إحدى المدارس التي كان يحاصرها، وهم مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين، أي كانوا رهن الاعتقال.
في حين تقول الاسيرة إيناس بدوان، وقد اعتقلت من مدينة غزة لمدة 50 يوماً، ثم أُفرج عنها في محافظة رفح، وأبعدت عن ذويها، إنها تعرضت للتنكيل والضرب، وحولهم الجنود لدروع بشرية لساعات طويلة في حي الشجاعية، للحماية من نيران المقاومة، موضحة أنها نقلت لحقاً برفقة عدد من الأسرى، ووضعوا جميعاً في خيمة على البحر، وحين اشتكت من البرد، قاموا بتغطيتها بغطاء مبلل، مع تكرار وضع الأسلحة في رأسها وباقي المعتقلين، وتهديدهم بالقتل.
ثم جرى نقلهم لمعسكر اعتقال في القدس، وسط البرد والتنكيل، قبل نقلها إلى سجن الدامون في حيفا، وهناك عُوملت برفقة أسيرات غزة معاملة قاسية، وحرمت من الطعام والماء، وتعرضت للشتم المستمر، حيث قضت في سجن الدامون 45 يوم.
وأكدت تعرضها للتفتيش العاري مرات عديدة، عدا عن الحرمان من أبسط مقومات الحياة، وحتى عند الإفراج تعرضوا لإذلال وإهانة، وتهديد بالقتل، موضحة أنه وطوال تلك الفترة أهلها لا يعلمون عنها شيء.
أسيرات يعانين
ووفق ما أكدته العديد من المؤسسات الحقوقية، والمعنية بشأن الأسرى، فإن ثمة ما يزيد عن 30 معتقلة فلسطينية من قطاع غزة في سجن الدامون، تعاني من ظروفٍ قاسية، حيث تقبع عدد من الأسيرات الطفلات، والمسنات، والمريضات، والجريحات، في سجن الدامون، أكبرهن مسنة تبلغ من العمر (82)، عاماً وتعاني من مرض الزهايمر.
كما وتُمنع المعتقلات من قطاع غزة من التواصل أو الاختلاط مع الأسيرات في الغرف المختلفة داخل السجن، وُمنعن كذلك من زيارات المحامين، إضافة إلى أنه يقدم لهن وجبتي طعام سيئة من ناحية الكم والنوع، ويسمح لهن بالاستحمام فقط لمدة ربع ساعة يومياً لأكثر من 30 معتقلة، إضافة إلى اقتحام الغرف وتفتيشها بشكل يومي.
كما واقتحمت مؤخراً قوة مكونة من عدد كبير من الجنود غرفة المعتقلات من قطاع غزة، وأُخضعن للتحقيق، وجرى نقل 5 منهن إلى جهة غير معلومة.
إخفاء قسري متعمد
من جهتها قالت جمعية نادي الأسير الفلسطيني، إن الاحتلال الإسرائيلي يواصل تنفيذ جريمة الإخفاء القسري بحقّ معتقلي غزة.
جاء ذلك بعد إعلان الاحتلال مؤخراً اعتقال مواطنين في غزة؛ ومنهم طواقم طبيّة من مستشفيي الأمل وناصر الطبيّ في خان يونس.
وأكد نادي الأسير أنه وحتى الآن يرفض الاحتلال الكشف عن أي معطيات واضحة بشأن مصير معتقلي غزة، رغم النداءات والمطالبات المستمرة للمؤسسات الحقوقية الدولية، بالتدخل لوقف هذه الجريمة.
وأضاف النادي أنه “بعد مرور أشهر طويلة من العدوان، واستمرار الإبادة الجماعية في غزة، فإن مخاطر وتخوفات كبيرة تتصاعد حول تنفيذ الاحتلال المزيد من الجرائم المرّوعة بحقّ المعتقلين، مشيراً إلى أن تصاعد الروايات والشهادات عن عمليات تعذيب غير مسبوقة نُفذت بحق معتقلي غزة، ومنهم نساء وأطفال وكبار في السّن، بالإضافة إلى طواقم طبيّة ومسعفين وعمال، وغيرهم من الفئات التي استهدفت على مدار هذه المدة، تحديدًا منذ الاجتياح البري.
وتابع: “التخوفات اليوم مرتبطة بشكل كبير من قيام الاحتلال بعمليات إعدام بحقّ المعتقلين، خاصّة بعد أن اعترف بإعدام أحدهم خلال الفترة الماضية”، مستطردًا: “هذا عدا عن العديد من الشواهد التي رافقت عمليات الاعتقال خلال الاجتياح البري لغز.
وأكد نادي الأسير أنه "في ظل استمرار توجه عائلات المعتقلين لنا لمعرفة مصير أبنائهم، إن نداءاتنا مستمرة لكل المنظمات الحقوقية الدّولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، للتدخل العاجل والفوري لوقف جريمة الإخفاء القسري"، معتبرًا أن تلك الجريمة تشكل غطاءً للاحتلال لتنفيذ المزيد من جرائم التّعذيب الممنهجة بحقّ معتقلي غزة.
ودعا المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومركز الميزان، ومؤسسة الحق، إلى إنهاء "الإخفاء القسري" لمئات المعتقلين من قطاع غزة، داخل معتقلات إسرائيل.
وطالبت المؤسسات الحقوقية الثلاث "بإنهاء حالة الإخفاء القسري التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلية، ويتعرض لها مئات المعتقلين الفلسطينيين من سكان قطاع غزة، وضمنهم عشرات النساء".
وأعلن نادي الأسير، يوم الجمعة الماضي عن استشهاد الأسير عز الدين زياد عبد البنا من حي الصبرة بمدينة غزة في سجن الرملة الإسرائيلي.
والبنا مصاب بإعاقة حركية "شلل نصفي" وتعرض للتعذيب الشديد منذ اللحظات الأولى لاعتقاله من داخل منزله في مربع مسجد فلسطين قبل 3 أشهر.
وأوضح نادي الأسير أن عدد الشهداء الأسرى الذين استشهدوا في سجون الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي ارتفع إلى 10.
وأشار النادي إلى أن الأسير اعتقل بعد الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة في 7 أكتوبر، دون تفاصيل عن هويته أو تاريخ اعتقاله.
جرائم بغطاء سياسي
من جهته قال المرصد "الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان إن مصادقة الهيئة العامة للكنيست في إسرائيل، على تمديد سريان اللوائح التي تحرم معتقلي غزة من لقاء محاميهم أربعة أشهر إضافية، تعني تشكيل غطاء قانوني لجريمة الإخفاء القسري بحق آلاف المعتقلين.
وحذر "الأورومتوسطي" بأن الاستمرار في إخفاء المعتقلين قسرًا قد يدلل على حجم التعذيب والعنف الذي يتعرضون له، منذ لحظة الاعتقال، وخلال الاستجواب والاحتجاز.
وأشار المرصد إلى أن توفير الغطاء القانوني لإخفاء المعتقلين يعكس اشتراك مختلف السلطات في إسرائيل في انتهاك مواثيق حقوق الإنسان ذات العلاقة، مشددًا على أن ذلك الغطاء يبقى دون قيمة في ظل تشكيل الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية وفق ميثاق روما.
ويعني "الإخفاء القسري" إلقاء القبض على أشخاص، أو احتجازهم، أو اختطافهم، من دولة، أو منظمة سياسية، أو بإذن أو دعم منها، لهذا الفعل أو بسكوتها عليه، ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم، أو إعطاء معلومات عن مصيرهم، أو عن أماكن وجودهم، بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة، وهو ما تنفذه إسرائيل فعليًّا منذ السابع من تشرين أول/أكتوبر الماضي بحق عدد كبير من الأشخاص الذين تعتقلهم قواتها خلال عملياتها البرية في قطاع غزة، وفق المرصد.
ويعتبر الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية بحسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وفي ظل تقاعس المحكمة الجنائية الدولية عن دورها في تحقيق سريع وفعال في جرائم الاحتلال، وإظهار المدعي العام لتحيّز واضح ضد الفلسطينيين، فقد طالب المرصد "الأورومتوسطي" الدول بتحمل مسؤولياتها بجدية، والعمل بهدف التحقيق السريع والفعال لمحاسبة ومساءلة دولة الاحتلال، عن كافة جرائمها على مدار 75 عاماً، وفقاً لمسؤولياتها، بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
كتب : محمد الجمل