ما زالت عشرات الآلاف من العائلات النازحة تعيش في خيام، أقاموها وسط وجنوب قطاع غزة، في ظل حياة قاسية وبائسة، يتخللها الكثير من التعب والشقاء، والسعي لجلب الطعام والماء، ومتطلبات أخرى.
"فلسطين بوست"، جالت بين خيام النازحين في محافظة رفح، جنوب القطاع، التي أقيمت بشكل عشوائي في تجمعات بعضها صغيرة، وأخرى كبيرة تشبه المعسكرات، أقيم فيها آلاف الخيام المتلاصقة، خاصة على الحدود المصرية جنوب رفح، وفي مناطق غرب المحافظة.
وبدا واضحاً أن الخيام تتفاوت من حيث اتساعها، وجودتها، فبعضها خيام جاهزة وصلت القطاع كمساعدات، وجرى تسليمها لبعض العائلات، أو بيعت في الأسواق واشترتها عائلات نازحة، وخيام أخرى كانت عبارة عن قطع من القماش والنايلون.
حياة قاسية
النازحون القاطنون في الخيام عادة ما يستيقظون مبكراً، ويبدؤون يومهم بالبحث عن الطعام، والماء، والحطب من أجل الطهي، بينما تستعد النساء ليوم شاق مليء بالعمل.
وتقول إيمان فياض، وهي محامية نازحة من بلدة القرارة، وتقيم في خيمة غرب رفح، إن الاستيقاظ مبكراً أمر إجباري في الخيام، فمن لا توقظه حرارة الشمس، يوقظه الذباب، ومع شروق الشمس يبدأ يوم عمل شاق.
وأكدت أن اشقائها يتوجهون لجلب الماء والحطب للطهي، بينما تبدأ هي ووالدتها وشقيقتها بالاستعداد لطهي الطعام، وتجهيز الخبز، وغسل الملابس، وغيرها من التفاصيل الشاقة والمتعبة.
بينما قال شقيقها الأكبر محمد، إن الحصول على الماء أمر صعب، وإيجاد وعاء لتخزينه أصعب، وهناك رحلة شاقة يخوضونها يومياً لتحصل القليل من الماء.
وأكد فياض أن المشكلة غير محصورة في المياه العادية التي يتم استعمالها في المنزل، فهناك مشكلة أيضاً في مياه الشرب المحلاة، فهي شحيحة، وأسعارها ارتفعت بصورة كبيرة، ففي السابق كان يملأ خزان سعة 500 لتر مقابل 10 شيكل، أما الآن، فإنه يشتري الجالون الواحد سعة 20 لتر مقابل 3 شيكل، وكل يوم يحتاج جالون على الأقل، ويعتقد أن المياه غير صالحة بشكل كافي للشرب.
وبين أن المياه مازالت من أكبر الهموم الملقاة على عاتق الأسر، وتحصيلها يتطلب معاناة كبيرة.
أما المواطن النازح عمر سليمان، وهو نازح من مدينة غزة، ويقيم في رفح فقد تحدث عن وجه آخر لحياة الخيمة، والمتمثل في ندرة الطعام، وصعوبة الحصول عليه في ظل حالة الفقر الكبيرة التي يعيشها النازحون، ممن فقدوا أملاكهم، ومصالحهم التجارية، ونهشهم الفقر، وحتى الموظفون منهم باتوا عاجزين عن سحب أموالهم من البنوك، بسبب أزمة السيولة.
وأكد أن الناس في الخيام يعتمدون على المساعدات وتكيات الطعام، وحياتهم بائسة، ويقضى أرباب الاسر ساعات طويلة كل يوم وهم يحاولون توفير وجبات طعام مجانية لعائلاتهم، وهذا يضيف عبء آخر عليهم.
خدمات شحيحة
تفتقد مخيمات النازحين التي أقيمت بشكل عشوائي للتنظيم، والخدمات، إذ يقول نازحون يقيمون في تلك المخيمات لـ"فلسطين بوست"، إنهم لا يتلقون أية خدمات جيدة، وهناك نقص وشح كبير في المياه، وخدمات النظافة، والخدمات الصحية.
وقال المواطن أمجد عرفات، إنه كان يشاهد مخيمات النازحين السوريين على حدود تركيا، وكان يرى أن ثمة خدمات تُقدم لهم، وصهاريج مياه توضع بجانب الخيام، لكن مخيمات النزوح في رفح لا يلتفت إليها أحد،
ومطلوب من كل أسرة أن تدبر أمورها بنفسها، فبعض الأسر يسير أفرادها مسافات طويلة طلباً للماء والطعام المجاني، وآخرون يضطرون لشراء المياه، والنفايات الصلبة تتكدس في كل مكان، والناس يعيشون صنوف من العذاب اليومي.
في حين أكد المواطن خالد يوسف، أنه ولطالما طالت الازمة، وقد تطول أكثر، يجب عمل حصر وتنظيم للمخيمات من قبل جهات الاختصاص، والسعي لتحسين حياة النازحين بالحد الممكن، خاصة حصولهم على مياه نظيفة وآمنة، ووجبات طعام منتظمة، وخدمات صحية جيدة، فلا يعقل أن تترك العشوائية وغياب الخدمات في مخيمات النازحين كل هذه المدة.
وأكد نازحون في المخيمات أنهم لا يعرفون الجهة المسؤولة عنهم، هل هي البلدية، أو وكالة الغوث، أو جهات حكومية.
أفران ملتهبة
وتجلت صعوبة الحياة في الخيام خلال موجة الحر الأخيرة، التي تتجاوز درجات الحرارة خلالها 41 مئوية في بعض المناطق، فقد قست الخيام على سكانها بشكل غير مبسوق، مع قدرتها العالية على امتصاص درجات الحرارة، وتحولها إلى ما يشبه الأفران الملتهبة، وعدم وجود منافس كافية للتهوية.
ويقول المواطن إبراهيم فارس، ويقطن وعائلته في خيمة غرب رفح، إن تجربة الثلاثة أيام الحارة كانت قاسية، وتنذر بكارثة تنتظرهم، وعلى الجميع أخذ العبرة والعظة، والتعلم من تلك الفترة، لمحاولة إيجاد حلول أكثر عملية.
وأكد فارس أنه عاش أيام وساعات قاسية، فقد أصيب عدد من أبنائه بالإجهاد الحراري، ما تطلب نقلهم للمستشفى لتلقي العلاج، مبيناً أنه بات يخشى أيام الصيف القاسية، ولا يعلم كيف سيعيش وأبنائه في الخيمة خلالها.
وأشار إلى أن الخيام ستتحول في الصيف لتوابيت تفتك بالنازحين، وتجربة اليومين الماضيين أكبر دليل على ذلك، مناشداً جهات الاختصاص بالتدخل، والعمل على إيجاد حلول لتلك المشاكل.
بينما قال المواطن إسماعيل نصر الله، إنه لم يتصور في حياته أن تكون حياة الخيمة قاسية إلى هذا الحد الكبير، مع اقتراب الصيف وارتفاع درجات الحرارة باتوا يعيشون نهاراً قاسياً، لا يستطيعون خلاله البقاء في الخيمة، ويضطرون لتركها والابتعاد عنها، ولا يعودون إليها إلى مع غروب الشمس، ويستيقظون في الصباح الباكر، فبمجرد طلوع الشمس تبدأ حرارة الخيمة بالارتفاع التدريجي وصولاً لأن تصبح ملتهبة.
وأكد أنه وفي محاولة لتخفيف آثار ارتفاع درجات الحرارة، اشترى مزيداً من قطع القماش، في محاولة لوضع بطانة أخرى لسقف الخيمة، علها تخفف من درجات الحرارة، كما اشترى مزيداً من جالونات المياه، ليقوم بتعبئتها حتى يتم وضع الماء على وجوه وأجساد الأطفال في الحر الشديد، تجنباً لإصابتهم بمشاكل صحية، أو بضربات شمس.
حشرات وزواحف
فيما اشتكى مواطنون من انتشار واسع وكثيف للحشرات والزواحف في مناطق الخيام، وبعضها حشرات سامة، تلسع المواطنين وخاصة الأطفال.
وقال المواطن أحمد زعرب إنه شاهد في خيمته أنواع من الحشرات لم يسبق أن شاهدها في حياته، وبعضها يلسع ويسبب حرقة وآلام، إضافة لانتشار غير مسبوق للزواحف، وبعضها سامة، وأخرى شكلها مخيف.
وحذرت وزارة الصحة في غزة من انتشار العديد من الأمراض والأوبئة نتيجة طفح مياه الصرف الصحي وتراكم النفايات في الشوارع وبين خيام النازحين، وانتشار الزواحف والحشرات مع ارتفاع درجة الحرارة، الأمر الذي ينذر بحدوث كارثة صحية.
كما أكد مدير دائرة الإمداد والتجهيز في الدفاع المدني الدكتور محمد المغير، أن ارتفاع درجات الحرارة أثر بشكل مباشر على حياة النازحين، موضحا أن “حرارة الجو قد تعرّض النازحين في الخيام لحالات اختناق”.
ليست مجرد سكن
ومع طول فترات النزوح، لم تعد الخيام مجرد مكان للنوم والإقامة، إذ حولها بعض النازحين لمشروعات تجارية، وأقام البعض فيها صيدليات، ومن بينهم الدكتور أحمد حلس، وكان يقيم في مدينة غزة، وفقد صيدليته بسبب العدوان، واضطر للنزوح، وقد تمكن من إعادة فتح الصيدلية مرة أخرى، في خيمة على شاطئ بحر مدينة دير البلح، وسط القطاع.
وأكد حلس أنه قام بتهيئة بعض الأرفف، واشترى كمية من الأدوية، وعرضها، ويحاول من خلال الصيدلية الجديدة، إيجاد مصدر دخل، وإشغال وقت فراغه الطويل، وكذلك خدمة النازحين المقيمين حوله، حيث يوفر لهم الأدوية التي يحتاجونها، خاصة في ظل استمرار انتشار الأوبئة والأمراض في صفوف النازحين.
وأشار إلى أن تحويل الخيمة إلى صيدلة أمراً ليس سهلاً، لكنه أضطر لذلك، بعد أن وجد حياة النزوح ستطول، ويجب أن يمارس عملاً يعيل به أسرته.
بينما تحولت بعض الخيام لمثابة بقالات، وأخرى لمعامل لصنع المعجنات والحلويات، وبعض الخيام كانت بمثابة مطابخ صغيرة لصنع المأكولات وبيعها، إذ باتت مخيمات النزوح بمثابة بيئات متكاملة، برع النازحون فيها في توفير معظم احتياجاتهم، بجهود ذاتية.
كتب: محمد الجمل